أضيف في 27 أبريل 2017 الساعة 12:30

من منبع الإلهام ...إلى أداة إتهام.


آمنة احمد القلفاط

انتشر الإسلام في أكثر من ثلثي مناطق وجوده سلميا، ملأ قلوب أتباعه وألهم حياتهم دون جيوش أو خطط معدة سلفاً لذلك. أكثر الذين ساهموا في نشر الإسلام سلمياً كانت جهودهم فردية. كانت أدواتهم: سلوكهم، صدقهم في تعاملاتهم، الوفاء بالعهد، الأمانة والمثابرة والصبر، وغيرها من القيم التي يتوافق حولها البشر في كل مكان من هذا العالم. قيم جاءت كمنهج رباني متكامل، صريح وواضح في رسالته المباشرة لبني البشر كافة. منهج الإسلام خفف أحساس معتنقيه بمشقة الحياة، وعزز شعورهم بسعادة المشاركة والعطاء.

التعداد الأكبر من المسلمين حول العالم في اندونيسيا والهند وبنغلاديش ودول تحت الصحراء في أفريقيا، وكل هذه الدول دخلها الإسلام سلميا، وشكلت في مجموعها النسبة الأكبر للمسلمين في العالم. كوريا الجنوبية دخلها الإسلام في النصف الثاني من القرن العشرين، سلميا عن طريق مشاركة الأتراك في قوات حفظ السلام الدولية. مؤخرا بدأ الهجوم يتزايد على الإسلام حول العالم، خاصة عقب كل مخطط يذهب ضحيته أبرياء. لقد أصبح الإسلام موضع إتهام ودليل للعنف والقتل.

على مستوى الأعمال الإنسانية الفردية، نجد جهودأ نالت حظاً وحققت شهرة واسعة. عدة أعمال أدبية نجحت وحققت شهرة واسعة واتفقت عليها أمم الأرض. هذه الأعمال انتشرت ولاقت القبول، لأنها تحمل قيم الفضيلة، وهي ذاتها القيم التي تجمع البشر ويتوافقون حولها ويقبلون عليها. إشتهرت أدبيات شكسبيرمثلا، وانتشرت على مستوى العالم بنفس درجة القبول. ترجمت أعماله إلى كل اللغات الحية، كما انتشرت على شكل مسرحيات وأفلام سينمائية. قصصه ومسرحياته تدرس كمناهج دراسية في معظم دول العالم. قال عنه ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني ذات مرة" لو خيرونا بين كل مستعمراتنا وقصص شكسبير، لأحتفظنا بما تركه شكسبير" ولكن لما تحظى كتابات شكسبير بكل هذا القبول والإتفاق حولها؟ عبقرية شكسبير تتجلى في عمق شخصيات رواياته، تفاعلها العميق مع واقع الحياة. في رواياته الصدق هو الذي ينتصر غالباً. لابد للمنتصر في أبطال كتاباته أن يتحلى بالصبر والشجاعة وقوة التحمل.كتاباته غنيةً بالمشاعر الإنسانية الصادقة، ومن ينجح في النهاية هو الأكثر كفاحاً وصبراً ومثابرة. وكما بدأت رويات شكسبير وأعماله استمرت تلهم أجيال بعده بنفس الزخم.

حكايات الأخوين غريم للأطفال التي نشرت في المانيا سنة 1814 وهي أشهر ما عرف عن التراث الشعبي. نالت هذه الحكايات شهرة واسعة، وعلى غرار روايات شكسبير، ترجمت إلى كل لغات العالم. روايات غريم عرضت في كل وسائل الإعلام وعلى المسارح، الهمت الرسامين، واستخدمت في لوحات الإعلانات وكشعارات لملابس الأطفال. شخصيات الحكايات أعتمدت عليها دور الملاهي والمتاحف والحدائق العامة في جميع دول العالم. فلما نالت هذه الحكايات كل هذه الشهرة؟ وما الذي فعله الأخوين غريم ليكون لهما كل هذا القبول؟ تتناول الحكايات قيماً شامله مثل حفظ العهد، انتصار الحق في النهاية، طاعة الوالدين، الشجاعة، اعمل بجد وكافح لتعيش. هذه القيم هي التي جعلت من حكايات غريم مرجعية أخلاقية يعتمد عليها الأباء في تربية أطفالهم. وكما بدأت هذه الحكايات، استمرت تنشر الحب وتحت على العمل والصدق وتنبذ الخيانة.

• فلماذا يتعرض الإسلام لهذه الهجمات وهو أصل القيم ومرجعيتها؟

الإسلام انتشر سلميا على مختلف بقاع الأرض، لأنه حمل قيم شامله وقواعد عادلة، ترسم للناس سبل الحياة. أتباعه كانوا رسل دعوة بالعمل والسلوك. رغم البيئات الجغرافية المختلفة والمستويات الفكرية المتعددة والطبقات الإجتماعية المتباينة بين أمم الأرض، إلا أن الإسلام وجد طريقه بينهم ببساطة، وبنفس اسلوب الدعوة البسيط، دون أن يميز أحد على أخر.

خلال العقود الأخيرة تغيرت النظرة للإسلام من غير المسلمين، ومن داخل دول الإسلام أيضاً. أصبحت الفكرة عنه يلونها الدم. إقترن بالعنف وأصبح سبباً للإتهام. إعلان الحرب على الإسلام المتشدد بهذه الطريقة، يجعلنا نعيد التفكير لنتساءل عن مسئولية أفراده عامة، ومتقفيه بشكل خاص ودورهم في تصحيح هذه الصورة النمطية الظالمة عن الإسلام في العقود الأخيرة.

كيف أهمل جانب الدعوة السلمي بالحسنى والقدوة والمثل والنموذج؟ كيف طغى الجانب الدموي حتى صار لصيقاً بالإسلام بهذا النحو المجحف في حقه؟ للمسلمون في كل مكان دور كبير في تقريب هذا المعنى للإذهان. إصرار بعضهم على استخدام القوة والعنف في كافة معاملاتهم: بدءاً في تعاملاتهم الأسرية، اسلوب الخطاب والتوعية داخل المساجد، المناهج التعليمية الجافة واسلوب التعليم في المدارس إلى علاقة الحاكم بشعبه. هذه المعاملات تبنت طابع الغلظة والقسوة والتهديد والخوف من العقاب، بحيث صارت هذه السلوكيات لصيقة بالمسلم. ربما ما يحدث لنا كمسلمين نحمل دين العدل والسلام، يجعلنا نعيد التفكير، ونتمعن في هذا الاسلوب المنفر، ونبدأ في العودة إلى منهج الإسلام القويم، الذي يراعي الحقوق وينشر العدل. التمسك بالقيم والعودة الى نهج الحق الذي جاء به الإسلام هو أفضل أداة نعيد بها التعريف بإسلامنا لأبنائنا ونقدم أنفسنا به للعالم من حولنا، لينتشر دين العدل والمحبة، ويرفرف دون الحاجة لكل هذا العنف وهذه الدماء.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : آمنة احمد القلفاط

مهندسة   / طرابلس , ليبيا


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق