أضيف في 26 أبريل 2017 الساعة 12:45

قراءة في رواية '' الخيميائي '' لباولو كويلو Paulo Coelho ''.


Ebdullah Peer

 " ينبغي لي ألاَّ أخشى الفشل، ان خوفي من الفشل, هو الذي ظل حتى الان يمنعني من محاولة تحقيق الانجاز العظيم." الخيميائي ص 117

نبذة عن الكاتب: ولد الكاتب البرازيلي باولو كويلو في مدينة ريو دي جانيرو عام 1947، وهو كاتب شعبيٌّ معروف، كان كاتباً مسرحياً، ومدير مسرح، ومؤلف أغاني شعبية لأشهر نجوم البرازيل.

     كان منذ شبابه مولعاً بالعوالم الروحانية، وحاول التجوال في العالم بحثاً عن مجتمعات سرية. ألهمه ديانات الشرق وأسرارها. خاض باولو كويلو تجربة رواية فاشلة، إثر نشر عمله الروائي الأول بعنوان (أرشيف الجحيم) عام 1982، والذي لم يلاقي أي نجاح يُذكر حينذاك. سلك في سنة 1986 طريق مار يعقوب، المزار الاسباني المعروف، ووصف تجربته في كتاب اسماه " حاج كومبوستيلا " ونُشر في عام 1987، وفي السنة التالية نشر كتابه المشهور بعنوان " الخيميائي " فغدا واحدة من أكثر الكُتاب المعاصرين قراءةً، وظاهرة حقيقية في عالم النشر. حاز باولو كويلو المرتبة الأولى بين كُتاب تسع وعشرين دولة، توالت من ثم سلسلة مؤلفاته ليحصد المزيد من الشهرة والانتشار. نُشرت مؤلفاته في أكثر من 150 دولة وتُرجمت الى 66 لغة وبِيعَ منها أكثر من 100 مليون نسخة. نال باولو كويلو العديد من الأوسمة والتقديرات، منها شهادة غنينيس 2009 كون اعماله تُرجمت الى أكبر عدد من اللغات بين جميع كُتاب العالم وهو مازال على قيد الحياة.

نبذة عن الرواية:

              رواية الخيميائي هي احدى اعمال الكاتب البرازيلي باولو كويلو وكُتبت باللغة البرتغالية، ونشرت لأول مرة عام 1988، وقد أشاد بها النقاد وصنفوها كإحدى روائع الأدب المعاصر. أستلهم الكاتب حبكة القصة من قصة قصيرة للأديب الأرجنتيني "خورخي لويس بورخيس" بعنوان "حكاية حالمين ". وترجمت الرواية إلى 67 لغة، مما جعلها تدخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية لأكثر كتاب مترجم لمؤلف على قيد الحياة. وقد بيع منها 65 مليون نسخة في أكثر من 150 بلدًا، مما جعلها واحدة من أكثر الكتب مبيعًا على مر التاريخ.

    تدور احداث الرواية عن مغامرة لصبي اسباني يرعى الغنم ويحلم أكثر من مرة بوجود كنز قرب اهرامات مصر، يقوده هذا الحلم الى القيام بمغامرة كبيرة ويسافر من اسبانيا الى مصر لإيجاد كنزه. ويصادفه في الطريق احداث مثيرة، ويمارس مهن مختلفة، ويتعرف على شخصيات غريبة، يتعلم منهم ويعلمهم.

      يصادف في رحلته الى الشرق احداث مختلفة والتي هي بمثابة إشارات من الكون أو الروح العالمة كي لا ينحرف عن الطريق الصحيح، اولا يحس باليأس في سبيل الوصول إلى هدفه، يتعلم سانتياغو (الصبي الراعي) في رحلته بأن ما هو مرسوم له هو الذي رَسمه وتحقيقه متصل به دون غيره، أي أنه هو الذي يقرر نجاحه أو فشله في النهاية.

أهم شخصيات الرواية:

1.  سانتياغو: الصبي الراعي في سهول اسبانيا، وهي الشخصية الرئيسية في الرواية، يقضي معظم وقته في رعي النعاج في سهول اسبانيا، ويقرأ الكتب، ويحب السفر لذلك اختار مهنة الرعي لينتقل من مكان إلى أخر بحثاً عن مرعىً جيد، لهذا السبب يعرف كثير من الناس في مختلف مدن اسبانيا. وفي النهاية يقوم برحلة إلى الشرق بحثا عن كنز قد راوده في الحلم أكثر من مرة.   

2.  التاجر وابنته: هو تاجر اسباني يشتري من بطل الرواية الصوف، في احدى مرات يقع بطل الرواية سانتياغو في حب ابنته، تبقى هذه القصة في مخيلته لفترة طويلة.

3.  الغجرية: هي التي تفسر حلم سانتياغو مقابل عشر الكنز في حال العثور عليها، وهي التي تغريه بالقيام بالرحلة الى الشرق.

4.  الشيخ العجوز (ملك سالم): شيخ عجوز يرتدي زياً عربياً، يقدم نفسه إلى بطل الرواية باسم ملكي سالم، هو الذي يأخذ عشر قطيع سانتياغو مقابل تعليمه كيف يصل إلى مكان الكنز، ويعطي للبطل حجرين كريمين (اوريم وتوميم)، وهو الذي يُعلم سانتياغوالأسطورة الشخصية للإنسان، كيف إن لكل إنسان اسطورته الشخصية وعليه ايجادها.

5.  بائع البلور: تاجر عربي في بلاد المغرب يبيع بلوريات، يبقى عنده سانتياغو مدة سنة ونصف لجمع كم من المال، بعد ان سُرق ماله من قبل شخص آخر، على أمل أن يستطيع العودة إلى اسبانيا وشراء بعض النعاج وممارسة مهنة الرعي مرة أخرى.

6.  الإنكليزي: هي شخصية أخرى يبحث عن الخيميائي يعلمه سر حجر الفلاسفة ومعرفة الإنجاز العظيم.

7.  الدليل: فتي يخدم سانتياغو في رحلته الصحراوية الى مصر، لديه رؤية كبيرة، وهو يعرف اسرار الصحراء وكيفية التعامل معها في مختلف الظروف.

8.  فاطمة: فتاة يصادفها سانتياغو في الواحة التي تتوقف عندها القافلة إلى مصر، فتاة عربية جميلة يحبها سانتياغو وهي تحبه ايضاً، ويكون بينهم علاقة حبٍ وغرام.

9.  الخيميائي: هي الشخصية الرئيسية الثانية بعد سانتياغو، يقابله سانتياغو في الواحة بالصحراء، وهي الشخصية الأكثر تأثيرا على سانتياغو، والرواية نفسها باسمه، هو الذي يملك نسرين ويرافق سانتياغو بقية الرحلة إلى مصر لإيجاد كنزه، يُعلم سانتياغو كيف يحقق اسطورته الشخصية ويتحدث لغة العالم ويتصل بروح العالم.

تحليل الرواية:

       يضع رواية " الخيميائي " مسالة ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا) على بساط النقاش، عبر إثارة التساؤل، فيما إذا كان للطبيعة دور في حياة الانسان العملية أو هل هناك علاقة بين روح الإنسان والطبيعة المحيطة به؟ وهل تؤثر الطبيعة على حياة الانسان ومستقبله؟ هل للطبيعة دور في مسألة نجاح وفشل الانسان؟ هل خطوات الانسان مرسومة مسبقاً من قِبل الطبيعة؟ يجيب الكاتب عبر عدة شخصياته مثل شخصية (ملك سالم او الخيميائي) عن كل هذه الأسئلة، يؤكد أن الطبيعة بل وحتى الكون نفسه يكون في خدمة الانسان كي ينجح في حياته. ولكن هل فعلاً ذلك ممكن ام يتراءى لنا ذلك؟ هذا هو السؤال المركزي الذي يريد الكاتب اثارته عند القارئ عند انتهائه من قراءة الرواية.

        لأننا نرى الناجحين، وكأن كل الظروف المحيطة بهم تساعدهم في مسيرة نجاحهم، او كأن الكون باسره في خدمتهم ليصلوا إلى هدفهم. لكن هل هذه حقيقة ام يتراءى لنا ذلك؟ ان الإجابة على هذا السؤال لها علاقة بتحليل مسألة النجاح نفسها إلى العوامل الذاتية في الإنسان الناجح، أو الأسباب الذاتية في الانسان الناجح كي يكون ناجحاً، كالرغبة في النجاح، الثقة بالنفس، عدم الخوف من الفشل، اتخاذ قرارات مناسبة في الوقت المناسب، اختيار أفضل فرصة من بين الفرص الكثيرة، القدرة على تغيير وسائله عند الحاجة للوصول الى هدفه، عدم فقد السيطرة على النفس مهما كانت الظروف، القدرة على تغير زاوية النظر عند الحاجة وعدم تصديق أي بديهية ما لم تطبق عملياً.

           ومن العوامل المحيطة به (الموضوعية) التي تساعده في ذلك، دراسة الظروف المحيطة به وعدم اهمال أي شيء مهما كان صغيراً او تافهاً، عدم الشعور باليأس مهما كانت المصاعب، الايمان بالمبدأ حظ المبتدأ في اللعب، وباللحظة الحاضرة والعمل على إبقاء نفسه دائماً في اللحظة الآنية، المقدرة على رؤية مسار الاحداث دون اضاعة نفسه فيها، الايمان بأن كل شيء طوع امره اثناء أداه لعمله.

         تتناول الرواية جانباً مهماً في حياة الانسان، وهو أسلوب التعامل مع الحياة نفسها، نحن في خضم كل هذا التطور التكنولوجي الذي غدا يُسيرونا في الحياة، وأصبحنا أسرى هذا التطور، لذا أصبح النجاح والفشل من اهم سمات الحياة العملية والعلمية في وقتنا الحاضر، أي أصبح النجاح والوصول إلى الأهداف من اهم أولويات العصر الحديث. أصبح الهدف نفسه في هذا العصر فناً او علماً من ناحية إيجاده وتحديده والحصول عليه، والانسان الناجح تكون أهدافه محددة ودقيقة وواضحة، من هنا ينطلق الفتى سانتياغو في تحديد هدفه بدقة كبيرة وهو (كنز مدفون قرب اهرامات مصر). يؤكد باولو كويلو في هذه الرواية ان الناجحين في هذا العالم هم أناس يعرفون ماذا يريدون بالضبط، لذا نجدهم يصلون الى أهدافهم. يستخدم الكاتب لتوضيح هذه المسالة شتى الوسائل، يخلط الدين بالفلسفة بالعلم وخصوصا علم النفس، فيكون منها وسيلة مهمة لكل نجاح يحققه الانسان. فمثلث (الأسطورة الشخصية، الإرادة الكلية للكون، وروح العالم) هومن صُنع الكاتب، هو إبداع فني رائع، ومن خلال ذلك المثلث يثير خيال القارئ بتصوير فني رائع لاتحاد هذه العناصر الثلاث لمصلحة الإنسان لتحقيق أهدافه. يقدم هذا المثلث العجيب تسهيلات كبيرة للإنسان من أجل الوصول الى مبتغاه، حيث يدله على الطرق السهلة للوصول إلى أهدافه، يناصره ويساعده في سبيل النجاح، هذه هي إرادة الكون التي تستجيب للإنسان في تحقيق غاياته. اما الانسان الفاشل الذي يتصور أن كل شيء يقف ضده، وكأن الكون كله يقف ضد رغبته، هو الذي لا يستطيع التفاعل مع إرادة الكون واخضاعها لتحقيق أهدافه، فلا يبقى له إلا تقديم الاعذار والبكاء على الاطلال. الخيميائي هي محاولة لرصد مسيرة حياة الانسان ورحلة (النجاح والفشل) التي يصادفها الانسان في طريقه نحو أهدافه، وهذه جداً مهمة في هذا العصر لأخذ الدروس من تجارب الاخرين والاستفادة من تجاربهم وعدم الوقوع في نفس الأخطاء، ورسم اهداف واضحة لتسهيل الوصول اليها، لان حياة العصر ووسائل التطور قد فسحت المجال امام الكل لخوض المنافسة من اجل اهداف معينة، وجعلت عملية التفكير في شيء جديد صعبة للغاية.  

         يحاول الكاتب سبر اغوار النفس الإنسانية، وكشف مواطن الضعف والقوة فيها، وهي محاولة في التفكير حتى في عملية التفكير الإنساني نفسها أي بمجرد وجود فكرة سلبية لدى الانسان قد يجدها في واقع حياته، لذا يحث في روايته بأنه يجب على الإنسان أن يفكر دائماً بشكل إيجابي أي أن تكون نظرته للخارج إيجابية، تكون لديه نظرة تفاؤل في الحياة، ليجد ما يبحث عنه. متى استطاع الانسان ان يفهم الحياة التي يعيشها ويعرف دهاليزها، يغوص في اسرارها العميقة، يكون قادر على أن يتحد مع الإرادة الكلية التي تجعل كل شيء في متناول يده وممكنة له.  

 

  نعود على السؤال المركزي في الرواية وهي: هل فعلاً النجاح والفشل شيء ذاتي داخل الانسان نفسه؟ او هل فعلا إن الانسان هو الذي يقرر مصيره بنفسه في هذه الحياة؟ ويعتبر هذا السؤال من اهم محاور التي تدور الرواية عنها، وهو سؤال فلسفي وله جانب روحي أي كيف يمكن للإنسان أن يخضع الكون لإرادته ويستغله في سبيل تحقيق أهدافه. من جانب اخر يرى الكاتب بان لكل انسان فرصته في الحياة، هكذا خُلق، او ان الله او الطبيعة يمنحانه فرصة واحدة على الأقل للنجاح، الانسان الذكي هو الذي يخلق فرصا كثيرة ثم يختار واحدة من بينها، وهنالك فرصة العمر بين يدي كل إنسان وقريبة منه بحيث لا يراها اغلب الناس، يراها فقط الذي يتخذ قراره بنفسه ويستغلها وينجح في حياته. 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : Ebdullah Peer

French language   / Duhok , العراق

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق