أضيف في 25 أبريل 2017 الساعة 21:38

لماذا ضاع صهيلك يا ''أصيل''؟!


المصطفى سالمي

عاد محمود بعربته باكرا على غير عادته، كان وجهه ممتقعا وهو يمسك بلجام حصانه " أصيل"، بينما الأخير يحني هامته وهو يعض على حديدة اللجام وقد بدت الفقاعات البيضاء على حواشي أسنانه وشفتيه. خرجت زوجته وقد أفزعتها العودة على خلاف الميعاد الذي لم يتخلف لسنوات، تذكرت آخر مرة عاد بعد أن انقلبت به العربة، تأملت زوجها بإمعان، رأته سليم البدن كالمعتاد، ولكنه واجم خامد كجثة تمشي على قدمين.

ـ ماذا دهاك يا (محمود)؟ لماذا عدت قبل الوقت المعتاد؟!

ـ لن تصدقي يا (أم صابر)!

ـ أفزعتني، هل صدمت أحدا بعربتك؟!

ـ ليت الأمر كان كما تقولين!

ـ أنت تخيفني، بالله خبرني ما الأمر؟

ـ لقد أصبح يموء!

ـ من الذي يموء يا (محمود)؟

ـ الحصان "أصيل"..

ـ هل أصاب عقلك مكروه يا رجل!

ـ سمع كل ناس البلدة مواءه ، وتحلق جمع غفير علينا، كاد يجن جنوني..

فجأة ارتفع صوت يشبه المواء منبعثا من أعماق عميقة من جوف الجواد "أصيل"، لم يترك صوته للرجل الفرصة لإكمال القصة، وكأنما يصادق على تمام صحة عقل الرجل الذي تجاوز من العمر الستين سنة، والذي اشتعل رأسه شيبا.

جثت (أم صابر) على قدميها وتمتمت بالشهادتين، كادت تفقد صوابها، ثم استبد بها البكاء والعويل والنواح، تركها (محمود) تندب حالها، لعل بكاءها يخفف وطأة اللهب الذي يحسه هو نفسه، رباه! ما هذه اللعنة التي أصابت فرسه؟ هل هو سحر أم جن أم غضب إلهي؟ هل يبيع الحصان أم يتركه؟ من يقبل عليه بعد أن اشتهر أمره بين الناس؟ هل هي علة عابرة أم أمر دائم لن يزول؟

استردت الزوجة قليلا من وعيها، وسألت بعلها:

ـ عليك أن تبعد هذا المخلوق من هنا فورا!

ـ هل جننت يا امرأة؟ إننا نعيش بعرق هذا الذي تسمينه مخلوقا منذ سنوات خلت!

ـ إنه جن أو عفريت وليس حصانا..

ـ الآن فقط أصبح جنا!

ـ وكيف تفسر هذا الصوت اللعين؟

ـ لا أدري، ربما هو نوع من الاحتجاج!

ـ أو هو غضب رباني!

ـ أنا لم أعذبه بالضرب يوما كما تعلمين، إنني أعامله معاملة جيدة، ولكنني اليوم حملت على العربة أغراضا ونقلتها للسيرك الذي حل بيننا منذ يومين..

ـ وماذا بعد؟

ـ شاهد من بعيد أقرانه من الخيول يتدربون ويلعبون ألعابا بهلوانية قريبا من الخيام الكبرى، بعضهم كان يحمل على ظهره كلابا ونسانيس، وبعضهم يقف على قدميه الخلفيتين.

ـ وماذا في هذا؟

ـ شاهد أيضا الإفرنجيات شبه عاريات وهن يقمن بحركات وقفزات على ظهور جياد عربية!

ـ ليتك أنت من أصبح يثغو كالتيوس أيها الأشيب المتلذذ في أواخر أيامه بمنظر النسوة العاريات!

ـ أتغارين يا امرأة، اتركيني أكمل، لقد شاهدنا خيولا أخرى تعدو في سباقات قمار..

ـ هذا هراء، لا يمكن أن أصدق أن يحدث ما حدث بسبب هذا..

ـ وقد وقع لي حدث غريب بعدها، إذ عرض عليّ أحد مروضي الخيول شراء "أصيل" بثمنٍ مغرٍ، ووافقت، وأخرج الرجل الأزعر رزمة نقود..

ـ أكمل، لماذا لم تبعه؟!

ـ أصدر عندها "أصيل" هذا الصوت العجيب أمام الرجل الأجنبي الذي فزع وأعاد نقوده إلى جيبه، وكاد يتهمني بالنصب والاحتيال!

ـ لكن حصاننا يشاهد يوميا فقرنا وبؤسنا، يشاهد باستمرار موتنا البطيء ولا يحتج، يعاين الجور الذي يمارس علينا، وأرضنا ورغيفنا وكرامتنا تسرق منا وظل مع ذلك صامتا، فلماذا سيحتج الآن؟

ـ لا أدري، أنا مثلك مصدوم من فقدان "أصيل" لصهيله!

ـ أخوف ما أخافه أن ننام هذه الليلة فيصبح علينا الصباح ونحن ننبح أو ننهق!

ـ هل جننت يا امرأة؟

ـ وهل بقي شيء منطقي ومعقول بعد الذي حدث؟!

احمرّ وجه (محمود) وانتفخت أوداجه، وازدادت مخاوفه وهواجسه، كان كلام (أم صابر) قد تغلغل في أعماقه، وسيعود ابنهما (صابر) بعد قليل من ورشة العمل، وربما يفر إلى وجهة مجهولة فزعا مما وقع للحصان الوفي الذي عاش كأنه واحد من الأسرة البئيسة، تقاسم معهم المر والأمرّ، وفجأة سُمع قرع قوي على الباب، هبّ الرجل كالمجنون باتجاه الطارق، إنه جارهم (شعيب)، انسحبت (أم صابر) نحو المطبخ، ودلف الضيف خلف (محمود) وقد سحبه الأخير من يده:

ـ رأيت يا جاري ما وقع لحصاننا (أصيل)!

ـ لو أني لم أبصر وأسمع ما كنت لأصدق، لقد صرفت الناس وأبعدتهم من باب دارك، ولكني جئتك الآن لأمر أهم..

ـ وهل هناك أهم من الذي حصل؟!

ـ نعم، الأهم أن والي المدينة يريد الحصان بأي ثمن!

ـ ماذا تقول، هل أنت تسخر مني؟

ـ إنني جاد كل الجد.

ـ ولماذا يريد والينا حصاني رغم علته؟!

قالها (محمود) وقد استرد قليلا من عافيته ورونقه، وخاف أن يعاود جواده تعقله ويعود لصهيله المعتاد، فأمسك بيد جاره بقوة يحثه على الإسراع للتوجه للوالي للحصول على غنيمة قد لا تخطر على البال، كان الناس في هذه البلدة مستعدين للتحول إلى أي شيء من أجل لقمة العيش، إنهم (سيرك) حقيقي لا يمت بصلة لذاك الذي يديره الفرنجة.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق