أضيف في 24 أبريل 2017 الساعة 09:58

تبعات العولمة على المجال الأوروبي


عبد الإله بلقزيز

لم يمر على تجربة الاندماج العولمي الإقليمي التي بدأت مع توقيع اتفاقيات النافتا وشينغن والتجارة الحرة، إلا ما يزيد قليلاً عن عشرة أعوام، حتى شرعت مفاعيلها السلبية في الإفصاح عن نفسها هنا وهناك. ما كانت أوروبا قد نعمت بوحدتها النقدية نتيجة رفض بريطانيا التخلي عن عملتها والانضمام إلى منطقة اليورو نقدياً، لكن مشكلاتها سرعان ما انتقلت إلى داخلها في امتداد تنامي موجات من رد الفعل الاجتماعي والسياسي السلبي تجاه الاندماج الإقليمي، وخاصة بعد توسيع الاتحاد الأوروبي بضم دول عدة من شرق أوروبا إليه. وقع العبء الأساس، المالي والاقتصادي، التوحيدي على ألمانيا. لكن هذه كانت قادرة على حمله لقوة اقتصادها التي تعززت بإعادة توحيدها شطريها المنفصلين، وزادت اندفاعتها مع توسع نفوذها في شرق أوروبا غداة الانكفاء السوفييتي عنها وانتهاء الحرب الباردة. لكن الإدارة الألمانية للاتحاد-بدعم سياسي من فرنسا- اصطدمت بنمو توجهات انكفائية محافظة هنا وهناك في قلب أوروبا.
تبين مع الوقت - خاصة بعد الوحدة النقدية - أن بريطانيا ليست استثناءً أوروبياً في نزعتها الانكفائية، وأن تمسكها باستقلالها النقدي عن الاتحاد الأوروبي تعبير مضمر عن تمسكها باستقلال اقتصادي يترجم تمسكاً أعلى بالاستقلال القومي. وهكذا ذهبت بلدان أوروبية في الطريق البريطانية عينها ( التمايز القومي) وإن من مداخل أخرى وبوسائل أخرى غير التي استخدمتها بريطانيا. ارتضى معظم المجتمعات الأوروبية الاتحاد إطاراً اقتصادياً لتعظيم الفوائد، لكن الرأي في الوحدة النقدية اختلف بين من رأوا في اليورو عملة قوية في وجه سلطة الدولار وعلى القارة وعملاتها الوطنية (وربما، ضمنياً، حتى لحماية نفسها من سلطة المارك المتفوقة)، ومن رأوا في اليورو عملة لمصلحة الاقتصادات القوية مثل الاقتصاد الألماني وإلى حد ما الفرنسي. غير أن مشكلة الأوروبيين الأكبر لم تكن مع الاندماج الاقتصادي والمالي والتجاري، وإنما كانت - وما برحت- مع الاندماج السياسي.

لم يكن تفصيلاً أن الطموح الأوروبي إلى تعزيز الاندماج الاقتصادي من طريق التأسيس لاندماج سياسي تدريجي اصطدم بردود فعل سلبية انكفائية من قبل قسم من الرأي العام سرعان ما تحول إلى اعتراض جهير، مسكونةً بأحلام الظفر الاستراتيجي بالفرص المتاحة - وقد أطلقت الأحلام تلك الاندفاعة الكبرى الناجحة لعملية الاندماج الاقتصادي القاري - تصورت النخب السياسية الألمانية والفرنسية، وبعض نظيراتها في أوروبا، أن إمكانات استثمار نتائج الاندفاعة الاقتصادية تلك متاحة على الصعيد السياسي، وأن من المفيد الإقدام على خطوات سياسية ودستورية لتوحيد أوروبا، سياسياً، بحسبان ذلك ضمانةً قوية لحماية اندماجها الاقتصادي وتعظيم نتائجه. وهكذا ما إن هلَّ القرن الحالي حتى كانت طبخة مشروع دستور أوروبي قد نضجت، وشرع في التداول التفصيلي في صيغته التي أقرت في 448 مادة (من حوالي 400 صفحة). غير أن الصفعة أتت من التصويت السلبي ضد المشروع في فرنسا وهولندا، فأتى اعتراض الغالبية الشعبية عليه يجهض، في المهد، مشروعاً سياسياً توحيدياً خامر أوروبا طويلاً، منذ الفتوحات النابوليونية قبل قرنين، بل منذ انهيار الإمبراطورية الرومانية، وتراءت له فرصة الإمكان مع هزيمة «المعسكر الاشتراكي» والانكفاء السوفييتي وميلاد العولمة، قبل أن تلحق به هزيمة مفاجئة الحقائق، السوسيولوجية والسياسية والثقافية والسياسية، نفسها التي ولدها نشوء الدولة القومية الحديثة في أوروبا؛ الحقائق التي لم يقوَ تيار العولمة العاصف على شطبها أو محو مفعوليتها في الاجتماع السياسي الأوروبي.

منذ لحظة الاعتراض على مشروع الدستور، كرّت سبحة الانكماش القومي لبلدان أوروبا. المظهر الأول والأجلى للانكماش ذاك كان صعود القوى اليمينية والمتطرفة، و أحياناً، النازية في بعض بلدان أوروبا ووصول تيارات منها إلى السلطة (النمسا مثلاً)، أو صيرورة بعضها قوةً سياسيةً ثانية في البلد («الجبهة الوطنية» في فرنسا مثلاً). ومبنى سياسات هذه القوى اليمينية ومواقفها على فكرة الاستقلال القومي الكامل لبلدانها؛ الذي تتهدده العولمة وآلياتها الإدماجية.

ولئن كانت الفكرة الوحدوية، في ظل الكيان البريطاني، قد اجتازت الامتحان السياسي، بنجاح، في وجه الفكرة الاستقلالية في إسكتلندا، فإن سريان مفعول ذلك على باقي محاولات الانفصال في أوروبا ليس أمراً محتوماً حكماً؛ إذ لا أحد يملك أن يتوقع إلى أين يمكن أن تذهب مطالب الاستقلال في كاتالونيا أو في الباسك في إسبانيا، ولا ما يمكن أن يتولد من تداعيات لأي نجاح قد تظفر به حركة انفصالية على مجموع الحركات الداعية إلى الاستقلال القومي: نشطةً كانت أو خامدة.

آخر حلقات ضغط العولمة على الاتحاد الأوروبي - ولن تكون الأخيرة قطعاً- هي التصويت الشعبي البريطاني لانسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد. لم تكن بريطانيا شريكاً حقيقياً فيه، لإحجامها - منذ البداية - عن الاندماج الاقتصادي والنقدي الكامل، ولم يكن في حكم المتوقع أن يؤثر انسحابها، بالمعايير الاقتصادية، بكبير أثر على الاندماج الاقتصادي الأوروبي. غير أن لخطوة الانسحاب تلك آثاراً سياسية ونفسية لا يستطيع الاتحاد الأوروبي تجاهلها؛ فهي قد تغري دولاً أخرى، تتزايد نزعة الانكماش فيها، إلى الحذو حذو بريطانيا. ويزيد من احتمالات ذلك ما يعرفه الاقتصاد الأوروبي، اليوم، من انكماش، وما ينتظره من مزيد إن استمرت إدارة دونالد ترامب، في الولايات المتحدة، في سياسة قطع الأواصر الاقتصادية مع أوروبا وتهديد «اتفاقية الشراكة الاستراتيجية عبر الأطلسي»؛ ذلك أن سياسة قص أجنحة العولمة وإلغاء مؤسساتها وأطرها واتفاقاتها لن ينجم منه سوى شطب مفاعيلها والعودة إلى الكيانية القومية.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق