أضيف في 19 أبريل 2017 الساعة 11:06

فلسفة القمع


رشيد اليملولي

فلسفة القمع .

مسيرة أستاذ يطالب بحق تقمع .

و احتجاج ممرض يجابه بالعصا .

نساء سلاليات في العديد من المناطق تنزل عليهم الهراوات .

الأمر فيه نظر مهما كانت القراءة السلطوية و الحقوقية ، و فيه تجاوز كبير للإنسان في أبسط حقوقه الاحتجاجية ، يبطن حذرا مرضيا من الاحتجاج ، و يتغذى على إمكان انتقال احتجاج عفوي إلى فتنة ، إنها بكل بساطة قراءة الفتنة و تأويل " البغاة " ، و إحالة مفارقة على تبعية الحقوقي و السياسي للأمني ، و بوضوح أكثر لأن النظام الاجتماعي مبني على الخضوع و الإكراه ، و إنتاج الطاعة إلى درجة تحويل الإنسان إلى موضوع للسلطة .

الإشكال في تقديرنا أسير رافد تاريخي ، يستقى منه كل المادة الداعمة لهذه القراءة ، و هذا النوع من التأويل ، هذا الرافد هو المقولة التي رددتها دون كلل غالبية الآراء الفقهية و الآداب السلطانية و مرايا الملوك ، و هي الخوف من الثورة باسم الفتنة و البغي ، و تضييق الخناق على أية إمكانية لتحويل الاحتجاج إلى حق مقدس في محاسبة ولاة الأمور ، لدرجة تحول الدفاع " الشرعي " عن سلطة هي فتنة إلى سلطة شرعية ، تستمد قواعدها و سننها من الدين الحنيف ، و كل الهامش من الحرية الذي قدم هامش محاصر و ظني هش و فارغ المحتوى ، بسلسلة من القيود التي يستحيل ضمان شروطها .

الآداب السلطانية بالتعبير القديم استعاض عنها الفقه و القانون الدستوري ، الذي برع في إيجاد كل الصيغ للالتفاف على الفكرة و تطويق إمكانية تأويلها بما يتماشى و الحق القانوني و الدستوري ، بل و أضحى الدفاع عن النظام السياسي و جوهر العملية الدستورية ، دون العملية الحضارية و التنموية ، و نظام القيم و الحريات المزمع ترسيخه و ضمان تتبيثه .

الإشكال هو مرجعية كبرى ، أصبحت بفعل التقادم قاعدة شرعية و دستورية " يستحيل " معها إمكانية تطوير الهامش السياسي ، الذي يطل بين الفينة و الأخرى ، بل و يتم تصنيع الظرفية التي تنتج نظام السياسة هذا ، و تقويه و تغذيه بسلسلة عريضة طويلة معتمدة على الجهل و التجهيل .

إن قمع الاحتجاج هو في أبسط صورة ، تعبير عن مستوى الإدراك لإشكالية الوجود الإنساني ، حيث تتحول إمكانات وجوده ، إلى إمكان وحيد يضمن العيش و النوم و الأكل ، و كأنه هبة أو منة تقدمها سلط الفتنة ، باعتبارها بركة من البركات المتأتية من السلم الاجتماعي المفروض بقوة العصا و السلاح ، إذ غالبا ما يتم رفع هذه الأيقونة المعجزة و إلى درجة المبدأ الذي لا يعلى عليه .

لعل سمة الهندسة الاجتماعية النابعة من هذا الفهم ، لا تعير حتى فرصة الاستخلاف من المنظور الديني قيمة تذكر ، حيث أن الوصاية على الفهم و الفعل و المبادرة ، من خارج نسق السلطة يعد زندقة و بغي و فوضى و تحريض على الفتنة ، و إن بدا الملمح العام فيه تصريح واضح على الحق في كل الحريات المتعارف عليها ، و هنا لا نستحضر هذه القيم في صيغها المطلقة ، و لكنها في مجالها الإنساني النسبي .

إن مصدر القلق و الخوف من الاحتجاج حتى لا نقول الثورة و التمرد و العصيان ، موكول إلى مرجعية المجال السياسي و مرتكزاته المنافحة عن الذات و الشخص ، خارج التعاقد الاجتماعي و السياسي ، و إن كان من نتيجة تترتب عن ذلك ، فهي توالي و تقعيد منظومة الفشل الحضاري ، في إرساء ما من شأنه أن يطور إمكانات الإبداع و الخلق ، طبعا من داخل السلطة نفسها ، و في مرحلة موالية من رفع التحدي تجاه المجتمع ، و لا داعي هنا للتأكيد على طبيعة الشرعية و المشروعية المستمدة من هذا المجال ، و التي يكفي أنها غير منتجة للمعنى و الدلالة ، بقدر ما هي إقبار لدلالة الدولة ، و استحضار أمني لسلطتها ، لذلك ماذا يعني الخوف من تمرد جماعة سلالية حتى يتم قمعها دون تركها تعبر عن ذاتها ؟ ، و ما جوهر الخوف من احتجاج الساكنة على غلاء فواتير الماء و الكهرباء ؟ و ما و ما و ما ............؟ .

قد يكون المنزع نحو الفوضى ، و أن يجبل الإنسان على الهياج و الثورة ، فهذا له أساسه النفسي أو الاجتماعي ، و الأدهى أنه مؤطر بخلفية و معنى ، أما أن يرقى القمع إلى سنة واجبة تجاه كل من سولت له نفسه أن يرفع عقيرة الاحتجاج ، فذلك من باب الفراغ الشرعي و الإملاق القيمي ، و الارتماء المبدع في سراديب الفوضى باسم النظام و السلم و الأمن الاجتماعي ، و ذلك لمبرر أساس و هو السقف و السلم المسموح به في مجابهة الاحتجاج ، حيث يتجاوز كل " الأعراف " لا نقول القانونية أو الدستورية و لكن الأخلاقية ، و هذا جوهر الأمر ، فالعنف المشروع الذي تستند إليه الدولة في تأويل تدخلها ، لا يقوم على أي أساس أخلاقي ، لأنه عادة ما يتم خارج أي عرف إنساني أو أخلاقي ؛ فالأنياب المكشر عنها في التدخلات ، تتحول إلى ورود و معاجم الإنسانية المفعمة بالحب و الوطنية الصادقة ،أثناء الحث أو الدفع للتصويت طبعا بنعم على الدستور ، أو في قوافل التضامن ، أو الخروج في مظاهرات و احتجاجات مساندة للدولة و القضايا الوطنية ، هذه المفارقة في تصورنا حدية ، تحتمل إما الأسود ( الضد ) ، أو الأبيض ( مع ) ، و هذا قمة الإرهاب من داخل حقل الإنسانيات و الاجتماعيات و القانونيات و النفسيات ، و في المحصلة النهائية الإنسان و الإنسانية .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق