أضيف في 17 أبريل 2017 الساعة 16:58

من يوميات مدرس ـ 4 ـ


المصطفى سالمي

كان المشهد مثيرا بالنسبة للأستاذ (رحال)، فقد بدا له تلاميذه شعلة من التوهج والحماسة، وهم الذين كانوا موضع اتهام دائم بالنسبة لعموم المدرسين وأولياء الأمور على السواء، الآن وهم على خشبة المسرح المدرسي يتحركون بخفة ورشاقة، يغنون ويرقصون وينشدون ويشكلون لوحات ساحرة عجيبة، لقد أنطقوا ـ من خلال التجسيم ـ الحجر والشجر والطير والزهر، لكنهم هم أنفسهم في قاعات الدرس حيث الجمود المريب، والتعثر العجيب، فما السر؟! اختلطت الأفكار في ذهن (رحال)، ولم يدر كيف يقدر ويفسر، هل تراها المقررات الجافة أم النصوص المتحجرة؟! أم هي المنهجيات التي عفا عنها الزمن، أم المدرسون السلاحف؟! أم هو التمرد عينه والعناد ذاته؟ فهل نجح أعداء التعليم في بلاده في جعل الصغار ينفرون مما هو دراسي؟ أم صغار بلاده من الذكاء بلغوا الذروة وفاقوا أجيالا عتيقة أكل عليها الدهر وشرب بأن ذهبوا للمراد في سوق رائجة أساسها "العولمة"، حقا يظهر تلاميذه أمامه غير التلاميذ الذين عرفهم، إنهم على خشبة المسرح المدرسي يرددون الأشعار ويسايرون الألحان، ولكنها أشعار غير أشعار الكتب المدرسية، وها هم يترنمون بأغنيات عجيبة بلغة تستعصي فقط عليهم في الفصل الدراسي، إنها نفسها لغة موليير التي يشتكي ويعاني مدرسوها من شغب متزايد اتجاهها وفي حصصها الرسمية!

لابد أن في الأمر سرا، فهل هو الإعلام الذي يوجه العقول؟ هكذا ردد (رحال)، وأردف قائلا: (حتما هي الصورة واللحن والشكل واللون، والحركة والإثارة)، وتراءى أمامه سؤال بدا له ملحا:

ـ ماذا لو تم تقليص ساعات التلقين والإلقاء في دروس الروتين، لصالح التنشيط المسرحي والفني؟

وتذكر صاحبنا عقدين من الزمن قضاهما متنقلا بين مدن البلاد طولا وعرضا، هل تُراها ذهبت هباء؟ وهل كان بالإمكان أحسن مما كان؟ وبماذا احتفظت الأجيال التي تعاقبت على يديه ويدي أمثاله في ذهنها ومخيلتها وأحاسيسها؟ أسئلة كثيرة دارت في خلد (رحال) وهو يتأمل الصغار يتسابقون في نهاية الحصص الدراسية الرسمية المعتادة والروتينية إلى بيوتهم كأنما يرمون خلفهم ما يتلقونه، معبرين عن كره دفين لكل المنظومة التعليمية الكئيبة، أليس الدليل على هذا النفور هو قدومهم على هيئة السلاحف والحلزون، وخروجهم على هيئة الفهود المتوثبة السريعة؟ أليس إقبالهم على المسرح والفن والرياضة إقبال عابد منكبّ على ترانيم العبادات، ونفورهم من الواجبات الدراسية نفور ملحد أثيم؟! فهل من بلسم مرهم أو علاج سحري للمعتقدات؟ أم ينبغي جعل نفس المادة القديمة متدثرة برداء براق؟ والتمعت الفكرة في ذهن (رحال)، وبرقت عيناه وهو يردد:

ـ وجدتها، وجدتها..!

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق