أضيف في 15 أبريل 2017 الساعة 19:15

حكايتي مع الكفيف اللطيف ...


د موسى أبومحلولة

حكايتي مع الكفيف اللطيف ...

 

راجعني هذا الصباح بالعيادة مريض إنجليزي عمره 91 عاما جاء للمتابعة الدورية لحالته الصحية وقبل أن يدخل دخلت الممرضة لتعلمني أن المريض الموالي كفيف البصر ويرافقه شخص يقوم على رعاية شئونه وأنه سيدخل غرفة اﻹستشارة على مقعده المتحرك بمساعدة ذلك الرجل ... إلى هنا وكل شيء يبدو طبيعيا فالمسنين في هذه البلاد يقيمون في دور رعاية المسنين ويشرف على شؤونهم أناس يتولون العناية بهم بمقابل ...

 

لحظات وكانت طرقات خفيفة على بابي:

- نعم تفضل بالدخول

- صباح الخير يادكتور

- صباح الخير كيف حالك يا سيد سميث

- انا بخير ... هل أنت الطبيب الذي جاء من طرابلس؟

تفاجأت ﻷمر المسن الكفيف وقلت بإستغراب:

 - نعم ... ولكن كيف عرفت ذلك ... هل أخبرتك موظفة اﻹستقبال ام الممرضة؟

- ﻻ ابدا ... تعرفت على صوتك والذي اذكره منذ زيارتي السابقة وانت من أخبرني بأنك أتيت من ليبيا ... أتذكر؟

- نعم ربما 

قلت هذا وانا الذي ﻻ يتذكر "وجبة عشاء البارحة" دون أن اخفي إعجابي بقدرة الرجل الخارقة على تذكر نبرة صوتي دون أن يراني بعينيه ... وواصل هو حديثه فقال:

- هذه هي المرة اﻷولى التي اجلس فيها على هذا المقعد المتحرك ﻷني لازلت اتعافى من إنفلونزا حادة أنهكت جسدي وارهقت قواي لكنني رغم ذلك أشعر بتحسن كبير وسأترك هذا الكرسي اللعين في وقت قريب ... ولكن قل لي كيف حال ليبيا هذه اﻷيام؟

 

فاجأني الشيخ الكفيف الوقور للمرة الثانية فقلت له:

- ألأمور ليست على ما يرام ... قاطعني وقال بأسي وحزن لافت :

- ليبيا بلد جميل وانا احبها كثيرا ولي في طرابلس وصبراته ذكريات جميلة عالقة بالذاكرة منذ سبعين عاما ... عليكم ان تحافظوا على ليبيا ويجب أن تبقى جميلة دائما ...

واصل الرجل حديثا رائعا عن ليبيا في منتصف اﻹربعينات واسهب في وصف جمال طرابلس واعتدال طقسها وروعة شاطئها وطيبة اهلها فتحدث عن السراي الحمراء وقوس ماركوس وأخذني إلى صبراتة فوصف بإعجاب آثارها القديمة ومسرحها المذهل وصور الطريق بين أويا وصبراته كما قال وكما كانت في ذلك الزمان "مزارع خصبة وإيطاليون كثيرون". كان يتحدث وكانت صور طرابلس وذكريات زياراتي لصبراتة تزاحم في ذاكرتي وتداعب خيالي وتلهب حنيني إليهما...

 

في نهاية الزيارة شكرني الرجل على عنايتي به وشكرته على كلماته اللطيفة في حق بلادي وقلت مجاملا :

- ستعود ليبيا أفضل مما كانت وسأدعوك لزيارتها

إبتسم بسعادة ولم تمنعه سنواته التسعين من القول:

- يشرفني ذلك ... احب ليبيا وأتمنى زيارتها ..

 

غادر الرجل الكفيف اللطيف عيادتي على مقعده المتحرك وتركني جسدا خائرا على مقعدي ﻻ يتحرك ... وقلبا عاشقا خافقا بحب ليبيا لا يتوقف ... وعقلا شاردا حائرا لا يستوعب ما أصاب وطني الحبيب .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق