أضيف في 12 أبريل 2017 الساعة 23:10

إلى وزير التربية الوطنية الجديد محمد حصاد


نورالدين الطويليع

بادئ ذي بدء أهنئك على تقلد هذه المهمة الجسيمة, وعلى الحلول بقطاع تبعثر كل شيء فيه, وفقد البوصلة, وخرج عن نطاق السيطرة, فصار كل طرف من أطرافه يجذف في الاتجاه الذي يوافق هواه, ويغرد خارج سرب تَفَرَّقَ وتشتت ولم تعد له قائمة.

السيد الوزير يجدر بكم قبل أن تباشروا العمل تنظيف البيت الذي استوطنته العناكيب والهوام, وعششت فيه البوم والطيور الجارحة, وخير ما تبدؤون به هو تصفية ملف الملايير التي صرفت على البرنامج الاستعجالي, وذهب كثير منها أدراج الرياح, أو أدراج الجيوب, ولكم أن تستعينوا بما أنجزه المجلس الأعلى للحسابات بهذا الصدد..., فالإتيان بالجديد وتغيير الواقع لن يتم, ولن تكون له جدوى مادام القديم الأسود الحالك ملقيا بظلاله, مستمرا في الزمان والمكان, لأن هذا الأخير سيكون كالفيروس الذي يبتلع كل وافد جديد ويقضي عليه في المهد.

ثم وأنتم تخوضون معركة محو العار هذه, لا تنسوا الجانب الأمني والتسيب الذي جعل من المؤسسات التعليمية قبلة للمنحرفين, يعسكرون أمامها صباح مساء, وينقلون عدوى انحرافهم إلى صفوف التلاميذ الذين صارت نسبة كبيرة منهم تعاني من الإدمان على السجائر و المخدرات..., نريد أن نمر من أمام المؤسسات التعليمية ولا نرى الغرباء يحومون حولها, ويرابضون أمام أبوابها بدراجاتهم وسياراتهم حتى..., فلتصدروا مذكرة تدعون من خلالها إلى تعزير المؤسسات التعليمية وتوقيرها, وتجريم أي اقتحام لحرمتها من أي كان..., نريد أن يصبح للمواطن ذات الإحساس, وهو يلج المؤسسة التعليمية, حينما يكون في ضيافة مفوضية الشرطة, حيث الانضباط وخفض الصوت وإظهار الاحترام, وتجنب خدش مشاعر العاملين..., ولا شك أنكم تعرفون الكم الهائل من حوادث الاعتداء، وحتى محاولات الاغتصاب التي تعرضت لها نساء تعليم ضحين بكل شيء, وكلفن أنفسهن عناء الانتقال الممضي إلى الأدغال والمناطق النائية, دون أن يشفع لهن ذلك من نظرة ذئاب مفترسة, لم تراع فيهن إلا ولا ذمة, وانقضت على أجسادهن الذابلة انقضاض الكلاب المسعورة.

نريد, السيد الوزير, أن تطووا, وإلى غير رجعة, سلوكات غير مسؤولة وتصريحات دأبوا في زمن الحكومة الغاربة على إطلاقها بلا مسؤولية في حق رجل التعليم, فوصفوه بالفاشل والمتخلف والعاجز عن مسايرة العصر, وألقوا عليه حزمة فشلهم في تدبير القطاع, وحملوه مالا طاقة له به, حتى تحول إلى معرة يتندر به الناس ويزجون به وقت فراغهم, دون أن يدروا, أنهم لا يهدمون رجل التعليم بمعاولهم, وإنما يهدمون الوطن, لأنه إذا هان مقدم المعرفة وعَارِضُ القيم والأخلاق والمبادئ في أعين تلامذته, فستكون بضاعته كاسدة, ولن يهتم أحد بما يقول, بل سيعتبرونه معتوها أو سفيها لا يعدو أن يكون مجرد "حلايقي" يملأ وقتهم ويشغلهم ويحول بينهم وبين تمضية وقت جميل في الدردشة بمواقع التواصل الاجتماعي, أو في مشاهدة مسلسلات العشق والغرام.

لن تعود للتعليم هيبته إلا إذا احترم رجل التعليم وحُفِظَتْ كرامته,سيدي، ولذلك فأول ما يجب أن تفعلوه هو أن تجثثوا مذكرة العار التي ألغت عقوبة الفصل عن الدراسة, وخلقت الفوضى العارمة بالمؤسسات التعليمية, وجنت على التلميذ قبل أن تجني على الأستاذ, حينما أطلقت العنان لمنحرف واحد أو اثنين داخل فصل دراسي ليشوشوا على مدرسهم ويعرقلوا درسه كما يشاء لهم الهوى, لتكون النتيجة خسارة القسم بكامله حصصا بالكامل, ربما أمضاها الأستاذ في الوعظ والإرشاد بوجوب الانضباط, أو ربما قضاها منكفئا فوق كرسيه, مطوقا رأسه بيديه, من هول صدمة واقع انفلت من بين يديه, ولم تعد له طاقة لمسايرته أو التصدي له, تحت طائلة التعرض لاعتداء ما, أو الجرجرة في المحاكم بتهمة ممارسته.

السيد الوزير, تبقى مصلحة التلميذ فوق كل اعتبار, ومن صميم هذه المصلحة, أن تخلصوه من الشوائب التي تضره ولا تنفعه, وترافقه في مساره الدراسي, ملحقة به أذى نقل عدوى الانحراف والإقبال على المخدرات, أو أذى تعكير صفو مُدَرِّسِهِ, والإساءة إلى الجو التربوي, و خلق الضوضاء والفوضى بما يحول دون استتباب الأمن التربوي, وضياع الحصة, ولهذا فمحاربة عبث المذكرة المشؤومة, سيحيي المنظومة, ويبث فيها الحياة من جديد, وأظن أنكم لو سارعتم باجثثات النباتات الطفيلية, وهي قليلة جدا وقابلة لأن توجه إلى ميدان آخر  قد تتألق وتتخلص فيه مما هي عليه , فستزهر حديقة المنظومة الغناء وتنبت من كل زوج بهيج وتؤتي أكلها في الحين, في إطار علاقات تربوية يسودها الاحترام والتقدير بين المعلم والمتعلم.

السيد الوزير, إن أنتم تداركتم هذه المنظومة التي تعاني من الاحتضار, ونشرتم الأمن والأمان في أوساطها, وأصلحتم ما أفسد غيركم, فلكم أن تحاسبوا نساء ورجال تعليم أشد الحساب, وألا تغادروا صغيرة أو كبيرة مما هي واجب عليهم, دون أن تحصوها, وأن تفعلوا مساطر المتابعة في حقهم إن هم أخلوا بالواجب, أو قصروا فيه.

أما إن أنتم تركتم الحبل على الغارب, وهذا مما نستبعده عنكم،  فتأكد أن القارب سيغرق بالجميع, وأن الوطن سيكون الخاسر الأكبر, لأننا سنفقد المدرس والمتعلم والأسرة والمجتمع, سينهار المعبد على رؤوسنا جميعا, وحينئذ سيصلون علينا صلاة الجنازة, ويودعوننا إلى مثوانا الأخير, مثوى التخلف والظلامية والانحدار إلى الهاوية.

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق