أضيف في 7 أبريل 2017 الساعة 19:39

عود على بدء


المصطفى سالمي

جر (سليمان) الخطى بتثاقل نحو بيته في دوار (العسكر) ذي الطابع الشعبي، وعلى كتفه نسناس صغير ـ من فصيلة القردة ـ كان هو رأس مال الرجل الذي يعينه على تكاليف الحياة المريرة، لقد اشتراه منذ سنتين وتعب في ترويضه وتدريبه، وها هو يتوجه به كل صباح نحو ساحة (جامع الفنا) حيث يأتي الناس من كل فج عميق، منهم أجانب ومنهم مغاربة يعشقون السياحة الداخلية، فيلتقطون صورا مع من يعتبرونه كائنا عجيبا، ويقدمون للرجل ـ كمقابل ـ دريهمات قليلة، بينما الأجانب يجودون وبسخاء من خلال تقديم أوراق نقدية ذات قيمة، لقد أصبح (سليمان) يتلقى مدخولا لا بأس به مقارنة مع أيام زمان، فمدينة (مراكش) أصبحت قطبا سياحيا عالميا في المنطقة بأسرها مع سياسة الانفتاح الاقتصادي وما يشبه التجارة الحرة، وقد استبشر الرجل وأمثاله خيرا حين استقر كثير من الأجانب الأوربيين بالمدينة الحمراء، لقد أصبحوا ينفقون بسخاء كبير على المأكل والمشرب والمبيت، بل واشتروا كثيرا من العقارات و"الرياض" الثمينة في قيمتها العمرانية والحضارية بأثمنة خيالية، فتوفرت الأموال بين الناس، وقالوا: "أخيرا عمّ الخير العميم مع هؤلاء النصارى"، أما الفنادق والمطاعم فأصبحت تضع رهن إشارة هؤلاء الوافدين الجدد أفخم وأجود المأكولات من دجاج (بلدي) ولحم أرنب وبيض (بلدي).. وأشهى الفاكهة والخضر، كلها تأتي من البلدات المجاورة لسهل (الحوز)، وخاصة من منطقة (دكالة) وعاصمة السهل: (ثلاثاء سيدي بنور)، كان السماسرة يرسلون وكلاءهم التجار ليأتوهم بكل ما لذّ وطاب، فالأوربيون لا يترددون في الإنفاق في نعيم إقاماتهم السياحية، وأما اللحوم البشرية فتلك قصة أخرى لها ناسها وسماسرتها، ولها كواليسها التي تُروى بشأنها قصص أشبه بقصص الخيال العلمي..

تمر الشهور والأعوام، وتتحول فرحة (سليمان) وأمثاله إلى وهم كبير، لقد أصبحت الحبة الواحدة من فاكهة الصبار بعشرة دراهم، وأصبح امتطاء عربة (الكوتشي) من (دوار العسكر) إلى ساحة (جامع الفنا) يكلف سبعين درهما في الذهاب ومثلها في الإياب، أما إيجار الغرفة الصغيرة في الحي الشعبي فيكلف الرجل الذي ناهز الستين عاما ألفي درهم للشهر، هكذا فقدت الأوراق المالية قيمتها بالمرة وكأنما طاردتها لعنة خفية المصدر، وتلاشت البركة التي كانت قوام حياة (سليمان) وأمثاله من البؤساء، فالرجل كان في زمن مضى يسعد بمدخول صغير قوامه ثلاثون أو أربعون درهما لليوم الواحد، وها هو اليوم وقد أصبح مدخوله اليومي من حركات ورقصات نسناسه الذي اشتهر باسم (ميسي) ومن عائدات كرم الزبائن بعد كل صورة يلتقطونها مع القرد الصغير يفوق ثلاثمائة درهم لليوم الواحد، ولكنها أموال كالملح الذائب المتسرب من بين أصابع اليدين، وها هو (سليمان) ما زال يعيش مع صديقة النسناس (ميسي) يبادله الإشارات والرموز في طريق العودة المسائي الطويل، يتذكر كيف يقسو عليه أحيانا أمام الزبائن، ولكن لا مفر من ذلك، فاللعين يتعب ويتعصّب مثل الناس، ويوشك أن يفزع سائحة أجنبية بحركة طائشة منه، حينئذ لن ترحمه الشرطة السياحية إن تم تقديم شكوى في حقه، وقد يتم مصادرة القرد اللعين، ولن ينفع وقتها البكاء والدعاء، وأما اللجان الصحية فتفحص هي بدورها نسناسه بين الفينة والأخرى، تراقب (أظافره) التي يقوم بتقليمها، وتفحص شعره للتأكد من نظافته مخافة أن يتبرم السياح الأجانب ويغضبوا، إن مسؤولي بلده يخطبون ودهم بكل السبل، فهم العملة الصعبة التي يفعلون المستحيل حتى ترضى، فيقدمون كل ثمين ولو كان أعراض الناس وكرامتهم، وتساءل (سليمان) وهو ينقل نسناسه إلى الكتف الأخرى:

ـ وماذا بعد كل العمر ينبغي أن أقدم من تضحيات؟!

أحس الرجل أن حصيلة أرباحه من هذا العمر المديد هو تعب السنين وشقاؤها، خاصة بعد أن استقل ولداه عنه، وبقي مع شريكة العمر الواهنة مثله، ليعيشا وحدهما الأوجاع والأنين، أنيسهما هذا النسناس الذي حل محل كائنات وحيوانات لا حصر لها، لم يدر الرجل لماذا تواردت إلى ذهنه قصة قديمة تتحدث عن امرأة شابة جميلة، تزوجت مسنا طاعنا في السن طمعا في قطعان أبقار وأغنام كان يمتلكها، كانت تتوقع أن يموت على عجل لتنعم بالثراء، لكن حصل ما لم يكن في الحسبان، فقد عجل وباء بموت كل قطعانه، وتبقى المسن الممسوخ الذي مدد الله في عمره سنوات طوالا، فلم تنعم بشبابها، ولم تنعم بالمال والنعيم المنتظر، هكذا تراءى المشهد لـ (سليمان)، إنه مشهد حياته وحياة أمثاله مع هؤلاء الأجانب، ولكنه مشهد لا يملك فيه خيارا، وحتى لو امتلك فقد فات الأوان!

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق