أضيف في 3 أبريل 2017 الساعة 23:01

صور عابرة


المصطفى سالمي

كان الهدير يُسمَع هامسا خافتا، فسيارة الأجرة الكبيرة ـ التي هي ذاهبة به إلى مدينته ـ هي من نوع جديد فاخر، بينما كان الركاب الستة منشغلين بهواتفهم الذكية، كل واحد يتصفح عوالم خاصة به، وحده (محمود) كان غارقا في بحر التأملات، والحقيقة أنه كان من عادته أن يركب حافلة لا ليقتصد دريهمات هي الفارق بين الوسيلتين، ولكنه كان دائما يحاول تفادي السيارات التي تسرع كثيرا وتبالغ في التجاوز حتى حين يكون الخط الأبيض وسط الطريق متصلا.. ولكنه اليوم في عجلة من أمره، ولا يطيق الانتظار في المحطة الطرقية، تمنى لو كان بمقدوره أن يفتح حوارا مع من يجاوره المكان من ركاب هذه السيارة الأنيقة، لكنهم كانوا يضعون سماعات في آذانهم ويستغرقون في عوالمهم الخاصة كأنما يقطعون الطريق على أي متطفل عليهم، حتى السائق نفسه كان بين الفينة والأخرى يرد على بعض المتصلين بالهاتف فيخبر بمكان وصوله، أو يطمئن آخر على أنه سيوصل الأمانة لصاحبها، لقد أصبح بمثابة ساعي بريد يوصل الودائع بمقابل في عصر متسارع الخطى.

كانت الحقول متمددة على الجانبين في هذا الفصل الربيعي، حمرة شقائق النعمان متجاورة مع الأقحوان تغري بجلسة حالمة في هذا المكان، لكنه ربما وحده من يستمتع بهذا الجمال، فالآخرون بقربه لا يعيرون ذلك اهتماما، هو أيضا يحمل هاتفا ذكيا في جيبه، ولكنه يعتبر أن هذا المشهد الطبيعي لا يضاهيه جمال، كان السائق يقوم بمغامرات تبدو لصاحبنا (محمود) طائشة، فهو يتجاوز والسيارات من الاتجاه الآخر قادمة تكاد تصطدم به، فينسل في اللحظات الأخيرة نحو اليمين مباشرة بعد التجاوز، فلربما تعود على القيام بمثل هذا النوع من المغامرات، وأصبح الأمر يبدو له عاديا، كان الركاب الآخرون لا ينتبهون أو لا يهتمون، وربما تبلدت أحاسيسهم هم أيضا، تذكر (محمود) كيف كانت تتم الأسفار في زمن مضى، لقد كان السائق يشغل الموسيقى الشعبية أو الشرقية، وهنا أطلت ذكريات بعيدة حين كان صاحبنا يشتغل بالأقاليم الجنوبية، حيث المسافات طويلة متباعدة، وكان خلال ذلك يتعرف على بلدة كل مسافر من الراكبين معه، وعلى قصة سفره، وعلى تفاصيل كثيرة يملؤون بها ساعات السفر، كانوا وقتها يتزاحمون، أربعة في الخلف، واثنان على كرسي واحد إلى يسارهما السائق، الآن وفي هذه السيارة الأنيقة يوجد واحد فقط إلى جوار السائق، وثلاثة في الوسط، واثنان في الخلف، نفس العدد توزع وتناثر وتباعدت الأحاسيس، فاحتفظ كل بخصوصيته وعزلته، حقا كانت هذه الرحلة صامتة أنيقة، لكن لم يحتفظ منها (محمود) إلا بصور عابرة وتأملات وانطباعات، فلا روح فيها بالمرة، لدرجة أنه نسي في نهايتها ملامح هؤلاء الراكبين تماما، فلربما لم يتوجه ببصره البتة نحوهم، كانوا مجرد عابري سبيل!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق