أضيف في 3 أبريل 2017 الساعة 10:33

في الإيديولوجيا القومية وتفاوُتِ مراتبها


عبد الإله بلقزيز

ليس قدْحاً في الفكرة القومية العربية، أو في حَمَلتها، حين نقول إنها تحوّلت، بدءاً من عشرينات القرن العشرين، إلى إيديولوجيا سياسية؛ لأننا نحمل معنى الإيديولوجيا في السياسة والاجتماع على معنى إيجابي، ونلتمس لها المشروعية من جهة كونها تعبيراً عن مصلحة اجتماعية وإنسانية. وعليه، حين نحكِّم معيار المصالح وهي حقائق موضوعية يُنتجها الاجتماع الإنساني في تعريف الإيديولوجيا بما هي تعبيرٌ عن حاجات وتطلعات اجتماعية. نُخْرِج مسألة التعريف، جملةً، من دائرة المعرفيِّ فلا نحكم على الإيديولوجيا، كوعي أو كنمط من التفكير والبناء الإيبيستيمي (النظام المعرفي)، وفق سُلّم معياري أو تفاضلي (في مقابل العلم مثلاً)، تهبط فيه مرتبتُها عن معدّلِ ما نحسبُه معرفياً أو علمياً، فيما ندخِل التفكير فيها، في المقابل، في دائرة التاريخ؛ حيث ميدانُ التضارب بين الأهواء والمنازِع والأهداف والمصالح فسيحٌ، وجاهزٌ لاستقبال أنواع المنازعات الاجتماعية جميعِها. ولذلك، ففي وصف انتقال الفكرة القومية إلى إيديولوجيا سياسية قوْلٌ تقريريٌّ لا معياري؛ وهو يبغي التشديد على أنّ طوراً جديداً من تاريخ الفكرة تلك تدشّن وابتدأ، هو طور التعبير عنها في مشروع فكريّ - سياسيّ. وليس الانتقال ذاك، في الحالة القومية العربية، سوى ذاك الذي أطلقنا عليه الانتقال من العروبة الثقافية إلى العروبة السياسية، أي من عروبةٍ هي مادّةُ تكوينِ الأمّة إلى أخرى جديدة هي مادة تكوين الدولة القومية.

وكما أنّ في كلّ إيديولوجيا قدْرٌ من المعرفة يعلو أو يهبط، تبعاً لمستوى البناء والإنشاء، ومادّتِه، وأدواته.. لم يخْلُ شأْنُ الإيديولوجيا السياسية القومية من مزيجٍ من بناءٍ يرتفع فيه معدّل الإحكام الفكري، والتشييد المنظومي، ومن آخر تزداد فيه حصّة اللغة الخطابية والتبشيرية. وبعبارة أخرى: لم يخْل أمْرُه من التوزُّع بين نصوص أُحْكِم فيها بناءُ الإيديولوجيا بناءً فكرياً متّسِقاً، وأخرى أُرسِلت على غير نظامٍ وما كلّفت نفسها أن تحتجّ لنفسها بما يجعل مقُولها معقولاً، أي يتجاوز مخاطبة الوجدان إلى مخاطبة العقل. والحقُّ أنّ أحْكم مُدخلٍ، اليوم، إلى قراءة التراث الفكريّ - السياسيّ القومي العربي قراءةً موضوعيةً ونزيهة، ليس وضعه في ميزانٍ إيبيستيمي يفحص نسبته إلى «العلم» والإيديولوجيا، وإنما هو فحص نظام الاشتغال الداخلي للخطاب القومي: مادته، فرضياته، إشكالياته، مفاهيمه، طرائقه (المنهجية) في البناء والاستدلال، صلاته التّناصية بغيره من المراجع، نجاعة الأفكار التي يعبّر عنها أو يُنْتِجُها، المستوى الإقناعي فيه، اتساقيته... إلخ. ها هنا، فقط، يمكن التفكير بأدوات إيبيستيمية في الإيديولوجيا بما هي موضوع (للتفكير)، أما الاكتفاء بتصنيف نصوص بأنها إيديولوجية، فلا يُنتج معرفةً بها، لأنه بذلك يُغلق موضوعاً يُفْترض أن المطلوب، علمياً، هو فتحه.


يختلف كتّاب المقالات القومية العربية في منابتهم الفكرية ومجالات تخصصاتهم؛ ففيهم المؤرخُ، والفيلسوفُ، وعالمُ السياسة، وعالمُ الاجتماع، وعالمُ التربية، واللغوي، والصحفي، والمناضل السياسي.. وينعكس الاختلاف في التكوين والعُدّة والعتاد على مستوى ما يكتبونه ونوعيته، كما على حجمه. يتوسّل المؤرّخ (قسطنطين زريق، عبدالعزيز الدوري، نقولا زيادة، شاكر مصطفى...) المادّة التاريخية - الإسلامية والغربية - ليبني عليها استنتاجات معاصرة. ويميل الفيلسوف (زكي الأرسوزي، ميشيل عفلق) إلى التأمّل الفلسفي في الماهيّات (الأمّة، التاريخ، روح الجماعة...)، أو إلى النقد والتحليل (إلياس مرقص، ناصيف نصّار). ويبحث السياسي (ساطع الحصري، محمد عزة دروزة، عصمت سيف الدولة، ياسين الحافظ...) في كيف تتمثل الأمّة مشروعها التاريخي لتصير إلى بناء التوحيد القومي. ويفكر عالم التربية (ساطع الحصري، عبدالله عبدالدايم) في كيف تساهم التنشئة الاجتماعية والثقافية في إعداد المواطن الوحدوي والمجتمع الوحدوي. ويهتم المتخصّص في علم الاجتماع السياسي (نديم البيطار) بالبحث في القوانين الأساس لعملية التوحيد في الاجتماع السياسي للبلدان الغربية والعربية. أما الصحفي فيقدّم لجمهور عريض خلاصات أطروحات قومية بلغةٍ مبسّطة، أو يواكب أحداثاً سياسية فيكتب عنها بنفَس قومي، فيما يستمر المناضل السياسي في ممارسته دعوته إلى العمل من أجل الوحدة العربية متوسِّلاً طرائق في المخاطبة تناسب وظيفته التعبوية... إلخ.
على أنّ اختلاف موضوع الكتابة يستجرّ، بدوره، تفاوتاً في مستوى النصوص القومية المكتوبة. ثمة فارقٌ بين أن يكتب الكاتب في موضوع يتصل بالمفاهيم (الأمّة، الوحدة القومية، التاريخ، اللغة، عوامل التكوين...)، وأن يكتب آخر معلّقاً على اتفاقٍ أو معاهدة أو قرارٍ يتراجع عن مكتسبات وحدوية. وثمة فارق بين أن يؤلّف أحدٌ نصّاً مبتغياً منه بناءَ نظرية في التوحيد القومي، وأن يكتفيَ آخر بالتبشير بمكاسب الوحدة وعوائدها. على أن الاختلاف في الموضوع يرتّب اختلافات شتّى في نوع مقاربات الموضوعات المبحوثة مثلما ألمحنا سابقاً. ولعلّ قسماً كبيراً من التفاوت في مستوى النصوص القومية إنما مردّهُ إلى الاختلاف في نوع الموضوعات المطروقة من الكُتّاب القوميين العرب. ولكنّ الذي لا مِرْيةَ فيه أنّ كمّ الموضوعات التأسيسية والفكرية، في التراث القومي، دون كمّ الموضوعات التبسيطية شأناً. وهذا عَوار لم يُصِب الفكر القوميّ العربي وحده، بل طال الفكر الإسلامي والماركسي والليبرالي بدرجاتٍ أعلى!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق