أضيف في 2 أبريل 2017 الساعة 23:13

مالين البندير


رشيد اليملولي

مالين البندير .

تنامت في المرحلة التي نعيشها و في ظل الأزمة السياسية و القيم المرتبطة بها ، العديد من الأصوات التي ارتقت إلى مرتبة الطائفة و الزاوية السياسية ، بشكل لا ينماز فيه التطبيل و التزمير المرافق لهذه الحوانيت السياسية ، و الظاهرة التي استعرت أوارها فيما يسمى في " الفن الشعبي " بمول البندير ، لدرجة أن التلاقي يظهر في سمات و خصائص عدة ، يجعل من السياسة على الأقل في المرحلة الراهنة مرادفا راقيا للإسفاف الذي يميز السياسة و الفن بالمغرب .

ما معنى أن ندافع عن شخص لذاته سياسيا ؟ ، و بأي معنى يشكل الدفاع عن شخص دفاعا عن رمزية حزب و إرث نضالي سياسي ؟ ، دون الحديث عن مدى دفاعه عن قيم الحزب أو غنائم الذات .

قد يبدو الجواب بسيطا و عاديا ، و لكنه يكتنف جملة من التصورات و الرؤى السلبية المرتبطة به ، و لعل أهمها تهاوي و تضعضع السياسة باعتبارها علما في المقام الأول ، و باعتبارها حياضا لتدبير التنوع في المرحلة الثانية ، و أي شذوذ عن هذا المسار ، يوصف بالتبرير أو إيجاد سبل تقوية القبلية و السلطوية و الزعامات الخارجة عن الفهم العميق و الدال للسياسة .

قد لا نحتاج إلى كبير عناء لرصد مظاهر هذا العوز السياسي ، الكامن في التطبيل و التهويل ، لشخصيات "سياسية " بالمعنى " الحانوتي " ، اتخذت لها أقلاما في الصحف الوطنية ، و في مواقع التواصل الاجتماعي علها تظفر برضا و مباركة الشيخ و الولي ، و تجعل من المريد ابنا سياسيا بارا ، لا يشق له غبار في " البحلسة " ، و استجداء العطف و الرضا بغرض الحق في الكعكة و الغنيمة ، لذلك يتم النفخ في الزعامة و النفح عنها و تصويرها بنعوت من قبيل فاضح التحكم ، و رائد البلوكاج ، و الثعلب الفذ و السياسي المحنك الذي لا يتورع في فبركة الخرائط و تحديد سلم الولاءات و قيم الطاعة ، و كأنه يدبر أمر البلاد بليل ، و غالبا ما تنساق الأقلام المأجورة مع هذه النعوت ، باسم قيم لا نعلم لها يقينا ، و لا ندري لها مرجعية ، و قد سيقت لنا في غفلة من القدر و المشيئة الاجتماعية .

إن السياق الذي أنتج الأحرار لا زال يلازمه ، حيث تحول إلى آلية مخزنية لفرض سياسة الأمر الواقع ، و لا يختلف في هذا عن " التيار" المتدين الذي ولد من أجل غاية في نفس يعقوب ، تشهد الجامعة المغربية على تفاعلاتها و تمظهراتها ، من خلال إفراغ الحس النقدي الطلابي ، و الحرج السياسي الذي يمثله في الدفاع عن القيم الديمقراطية ، إلى مجرد شباب هاوي لقيم الاستهلاك و التطبيل لموضة الخلافة الموعودة ، و لا أدل على ذلك من تحول الجامعة إلى مجال لاستعراض الفشل السياسي في اجتراح البديل و القيمة المضافة ، اللهم قتل و دفن الاختلاف بمعاول " الجهاد " السياسي ، و كتب القومة و التنويم الصوفي ، و الخطابات الميتافيزيقة التي ترمح في هذا المنبع ، بطريقة أعادتنا إلى القبيلة الملتحية و المسرح المتدين و التلفزة الدعوية و اللحية الموحية ، و الاستقواء ـ الفراغ ـ الأخلاقي .

قد تظهر الملامح المرصودة أعلاه ، في ظل الإيمان المطلق ، بأن ما يسمى تجاوزا الأحرار أو التيار الإسلامي ، ما دام خطابها و فلسفتها في الفهم و الاشتغال تنسجم مع مرجعيتها في إقبار الأفكار و القيم المشاكسة ، إلا أن الذي يثير الاستغراب هو " الهرولة " اليسارية للاتحاد للارتماء في أحضان تحالف فج سياسيا ، و فارغ قيميا ، دون النظر إلى لأسس النظرية أو العملية الناظمة لمثل هذا التفكير ، حتى لو استحضرنا أن المجال السياسي في أحقر تجلياته هو مجال لا خصم فيه و لا عدو دائم .

غير أن المرجح سياسيا أن اليسار في شقه الاتحادي ، لم يعد متميزا في إنتاج قيمه الخاصة و بديله السياسي ، و أضحى من خلال العديد من المظاهر قوة سياسية تاريخية ، و ليس قوة اقتراحية فاعلة ، تروغ التميز و عدم الاحتضار ، أو الارتماء في الممارسة السياسية مخافة الموت " المنفعي " ، الذي يرتضيه الكرسي سبيلا ، لدرجة أصبح وعينا يشك في وجود مدرسة لطالمت ترددت على ألسن العديد ممن يكتبون عن الاتحاد أو للاتحاد ؛ فالمدرسة في العرف البسيط هي مجال سيادة سياسي ، لها مفاهيمها الخاصة و مصطلحاتها الدالة و مرجعيتها و أطرها النظرية ، فأين نحن من هذا الأقل منذ نكسة 2002؟ ، و كيف تفهم هذه الانتكاسة فيمن يطبل للاستقواء ؟ أو للدفاع عن التميز ؟ .

إن الإشارة المومأ إليها سالفا من كون " مالين البندير " ، لا يختلفون في شيء عن صاحبه الأصلي في الفن الشعبي ، تتنامى و تتصاعد لدرجة التطابق ؛ إذ النشاز في اللحن و تصيد الكلمات الموحية على هز الأكتاف و الأرداف هي السمة الطاغية وراء إنتاج لذة جسد عابرة ، برقصة كرنفالية لا تحمل سوى ذاتها خارج أي حقل دلالي .

و بالمقابل ؛ السياسي " مول " البندير يقتات على الشعبوية و الكلام الرنان و الصيغ الخشبية المتجاوزة للدفاع عن حقل سياسي فارغ من حيث طبيعته ، إذ هو حزب تربى في مراتع البساطة و الإسفاف و السعي الحثيث نحو الغنائم و الأنفال ، محاولا تبريرها بصيغ عجفاء ضامرة ، لا تخاطب روح العصر ، و تعيش أزمتها و عوزها الخاص ، فلا هي قادرة على تقديم ذاتها وفق منطق الدلالة و المعنى ، و لا هي استطاعت الانفكاك من عقال دائها التاريخي ، و الغرابة أن الدفاع الذي اتخذ شكل " الجوقة " بناء على ترانيم و أيقونات جامع الفنا ، لا يتورع في اهتبال فرص البطولة بنزعة مرضية دونكيشوتية .

لعل الهاجس الأكبر لرواد البندير الشعبي و السياسي ، يكمن في تأبيد البهرجة ، و صناعة الوهم الفني و السياسي ، و استدامة الوعي الزائف تحت تأثير ذرائع و مبررات ، تهدف أساسا خدمة القيم القبلية باسم الحزبية ، و صناعة النزوة و اللذة و الرهز باسم الفكرة ، و لا شك أن تعدد الأسماء الفنية و السياسية في هذا المجال أكبر من أن تعد و تحصر ، و الأغرب أنها تتغذى على منطق أسمى هو سلسلة المواريث و الإعاقات الذهنية و الاجتماعية ، و التي أرست معالمها القبلية و السلطة ( المخزنة معا ) .

إن الدفاع عن الرموز السياسية ـ إذا اتفقنا على رمزيتها ـ يعني تقدير القيمة الرمزية و النضالية ، و رفعها إلى مرتبة الكارزمية ، التي قلما يجود بها الزمن ( غاندي ـ المهدي ) ، أما أن يتحول التقدير و " التبجيل " إلى دفاع مستميت عن فقاعات سياسية ، لم تقدم لا السياسة و لا للحزبية في المغرب ، قيمة تذكر ، فذلك ما يعني أساسا خدمة للأعراف دون القوانين ، و تسكين المجال السياسي بقتل إمكاناته من التحول من الرعوية السياسية إلى المواطنة السياسية ، و من القبيلة إلى الدولة ، و من الحزبية إلى الوطن ، و من الشخص إلى القيمة السياسية للشخص ، لذلك البندير الفني بالتعبير السياسي هو موت للسياسة و الفن معا ، ما دامت السياسة تعني فن الممكن ، ومن يتقن الهز و الوز لا ينفصل عمن يتقن الخداع و النفاق و الالتفاف على القيم و المبادئ و المبادرات الإنسانية مهما كانت الظرفية و الدوافع و الحوافز إلا إذا كان مجتمعا للمرضى سياسيا .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق