أضيف في 30 مارس 2017 الساعة 21:11

من يوميات مدرس ـ 3 ـ


المصطفى سالمي

جلس (عدنان) على كرسيه في الفصل الدراسي تاركا الفرصة لتلاميذه حتى يدوّنوا ما سطره على اللوح الأسود، ها هي الشعيرات البيضاء بدأت تكسو فوديه، واللوح الأسود قد أقسم الوفاء أن يلازم الطبشورة البيضاء في تعليم بلاده. خرج من تأملاته على وقع أصوات التلاميذ في الأقسام المجاورة وهم يرددون مع مدرسيهم، كان الصدى يأتي بقوة بفعل صغر المؤسسة الإعدادية وتقابل الفصول مع بعضها، لم يدر لم تذكر قصة قديمة وهو يتأمل (بلحوسا) زميله مدرس اللغة الأجنبية وهو يتجه صوب الإدارة، لتنبعث أصوات صاخبة من هناك، كان (بلحوس) متعودا على مناصرة أي تلميذ يتغيب في باقي المواد متدخلا في شؤون الإدارة والإداريين بالمؤسسة، مرددا زعمه القديم الجديد الذي هو الدفاع عن حقوق المتعلم ومحاربة الهدر المدرسي.. في حين يشهد جميع العاملين بالمؤسسة بأنه أبعد ما يكون عن احترام حقوق هؤلاء المتعلمين بحرصه الجشع على امتصاص جيوب أولياء أمورهم من خلال ساعات إضافية ملتهبة الثمن. رجح الأستاذ (عدنان) أن تكون تلميذة (بلحوس) المحظوظة هي أيضا ممن يتلقى الساعات الإضافية التي يحاول من خلالها (بلحوس) أن يستميل التلاميذ وبوسائل خبيثة من هذا النوع.

وما زالت القصة القديمة تتوارد مشاهدها على مخيلة الأستاذ (عدنان)، وهي تحكي عن امرأة عاشت في زمن غابر في كنف زوج طيب لدرجة السذاجة، وذات يوم زعمت له أن العصافير التي على أغصان شجرة فناء البيت ترقبها بفجور حين تزيل الغطاء من على رأسها، فيكبر فيها الزوج طهرها وعفتها، ويقوم باقتلاع الشجرة من مكانها بفأس، وذلك عقابا للعصافير ذوات العيون "الفاجرة"، وبعد أسبوع يعود الزوج من عمله باكرا ليجد الزوجة ـ التي ظنها بالغة الطهر ـ بين أحضان عشيقها، فيقتلهما معا ويفر إلى بلدة بعيدة، ليتفاجأ بصخب أهل المدينة بسبب سرقة أحدهم لأموال حاكم البلدة، وتوافق ذلك مع ظهور شخص يمشي على أطراف قدميه مُبديا خشوعا كبيرا وهو يواسي الحاكم، وحين سأل الرجل الهارب عنه قيل له إنه شيخ البلدة وناسكها المبجل، وأنه يمشي بمهل وعلى أطراف أصابع قدميه حتى لا يدوس نملة فيسحقها من شدة تدينه وورعه، فيتوجه الغريب على الفور إلى الحاكم مدعيا بأن السارق هو الناسك، وأنه مستعد أن تُقطع رقبته إن لم يكن الأمر كذلك، وبعد فتح تحقيق وبحث، اتضح صحة الأمر، فسأل الناس الغريب عن سر تعرفه على السارق من دونهم جميعا، فقال لهم:

ـ كلما كان التدين والطهر مبالغا فيه من بعض الناس، فإن ذلك أمارة على الفجور والفسق.

استرجع الأستاذ (عدنان) انتباهه على وقع جرس المؤسسة يعلن نهاية الحصة المدرسية، بدأ التلاميذ بجمع أغراضهم من دفاتر وأقلام، ثم بدأ شريط الأحداث يعود بصاحبنا إلى الوراء، تذكر كيف كان (بلحوس) منذ سنوات خلت تنتفخ أوداجه وهو يتحدث عن النقابة التي ينتمي إليها، وأن اختياره كاتبا عاما كان لماضيه المشرف في مجالات النضال الحزبي من أجل حقوق ومكتسبات الشغيلة التعليمية، وها هي ـ اليوم ـ ثمار مزاعمه وأكاذيبه تتراكم مكتسبات مادية وأرصدة مشبوهة..!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق