أضيف في 28 مارس 2017 الساعة 19:55

حكايات من ذاكرة الزمن الجميل: أيام في مرسيليا. ............(5)


د موسى أبومحلولة

حكايات من ذاكرة الزمن الجميل:

أيام في مرسيليا. ............(5)

 

- صباح الخير ...

قالها اﻷستاذ وهو أصغر الرفاق سنا وأكثرهم شبابا وأقلهم خبرة في الحياة وفي السفر وقد بدت عليه علائم القلق والارتباك ...

- صباح النور .. تفضل بالدخول .. ما اﻵمر؟

- ﻻ لا اشكرك يا دكتور ... الزعيم مريض وحرارته مرتفعة جدا ... أرجوك أن تأتي معي لتراه

- نعم سالحق بك حالا

بحثت في جيوب حقيبتي عن أدوية تذكرت اني قد دسستها فيها ليلة مغادرتي طرابلس فوجدت مضادا حيويا ومخفضا للحرارة ومضاد للإسهال وآخر ضد حموضة المعدة وأخير مضاد لدوار البحر ... 

أحسست ببعض اﻹرتياح والقدرة على المساعدة ونزلت مسرعا على درجات السلم الملتوي إلى حيث غرفة الزعيم في الدور اﻷول وطرقت الباب :

- السلام عليكم 

- وعليكم السلام ورحمة الله ... رد الزعيم السلام وهو يحاول النهوض ﻹستقبالي وقد بدأ متعبا وتصبب عرق خفيف على جبينه العريض وصلعته المهيبة 

- تفضل يادكتور

- سلامتك ... كيف حالك اﻷن

 

كان الزعيم مستلقيا على سريره وقد تحلق حوله رفاقه اﻷربعة وكان القلق والوجوم يخيم على أجواء الغرفة وكان علي أن اتماسك واباشر في مزاولة المهنة كطبيب إمتياز في أحد فنادق مرسيليا قبل أن اباشرها في ردهات قسم الجراحة بمستشفى طرابلس المركزي حيث تم تنسيبي للعمل قبيل سفري ...  

 

إقتربت من الزعيم وتحسست نبضه المتسارع وحرارته المرتفعة وأجاب هو على أسئلتي المتعلقة بتاريخ مرضه قبل أن أضع سماعتي التي كانت لا تفارقني في تلك اﻷيام وكنت قد دسستها هي أﻻخرى في جيب حقيبة سفري ...

 

مرض الزعيم خلط اواراقنا واصابنا بشيء من اﻹرباك وبالطبع أدى الى تعليق الشراء وتأجيل اللقاء مع الرينو سانك الحسناء وأخواتها البيجوات ... تأجل الشراء وشرع الرفاق في الدعاء للزعيم بعاجل الشفاء ... وتفرغت انا لمراقبة حالته الصحية التي بدأت تتحسن تدريجيا بعد أن تناول ما وصفته له من عقاقير وأدوية شاء حسن حظه وحظي أن تكتظ بها جيوب حقيبة سفري.

 

في المساء عادت اﻹبتسامة إلى ملامح الزعيم وزال بعض القلق من نفوس الرفاق ... كان الزعيم يتناول أكواب الشاي المغربي اﻷخضر المنعنع الواحد تلو اﻵخر ويتبعها بشراب عصير البرتقال الغني بفيتامين سي والذي حرص الرفاق المخلصين على إعدادها له بناءا على نصيحتي المتواضعة على أمل التعجيل في شفائه ...

 

محنة مرض الزعيم في دار الغربة المرسيلية جعلتنا اسرة واحدة ووطدت أواصر التعارف والمودة بيني وبين الزعيم ورفاقه اﻷربعة واشعرتني أن ليبيا رباط وطن مقدس يجمعنا في حلنا وفي ترحالنا وان ماقام به كل منا تجاه الزعيم هو أقل بكثير من الواجب ...   

 

إقترحت على الزعيم أن يتناول جرعة المضاد الحيوي في وقتها وطلبت منه أن ينام باكرا فالراحة هي جزء من العلاج ... إلتقط الرفاق اأﻹشارة وشرعوا في اﻹنسحاب ومغادرة الغرفة ... تمنيت للزعيم نوما هادئا وشفاءا تاما وطلبت منه ان يتصل بي في اي وقت إذا أستدعى اﻷمر فسوف لن اغادر غرفتي ... سحبت باب غرفة الزعيم ورائي وكنت آخر المغادرين ...  

 

كنت أسير في الممر الطويل متجها إلى غرفتي عندما لمعت في رأسي فكرة النزول إلى مكتب اﻹستقبال ففعلت في ذلك الحال ...

 

سألت موظفة اﻹستقبال عن أقرب مستشفي وأعلمتها بمرض الزعيم رغم أنه كان يتعافى تدريجيا وذلك على سبيل اﻷحتياط وصعدت إلى غرفتي إستعدادا لنوم مبكر لم يزور عيناي فالقيت بجسدي المتعب على السرير وأطلقت ﻷفكاري العنان أقلب كل اﻹحتمالات وابحث عن طرق مواجهة أسوأها ... مرض الزعيم انساني الرينو سانك فهدأت في أعماقي لواعج عشقها وخمدت نيران حبها فأستسلمت لنعاس هاديء وأحلام متشابكة لم أرى فيها أثرا للرينو 5 ... 

 

أفقت من نومي باكرا على غير العادة صليت الفجر ودعوت للزعيم بالشفاء ... أعددت فنجان قهوة وجلست ارتشفه بجوار النافذة وأحملق في أضواء الشارع وهي تستسلم بهدوء لضوء الصبح المنبلج وتتلاشى تدريجيا أمام شعاع شمس الشروق ... لا أعلم كم مضى من الوقت وانا مستغرق في حالة التجلي والتأمل هذه لكني علمت أن القهوة التي كانت ساخنة قد تلاشت من فنجانها وضخت في راسي جرعة كافيين كافية جعلتني أفيق من أحلام يقظتي وأعود إلى واقع الحال فقفزت من مقعدي واقفا ورفعت سماعة الهاتف ﻷطمئن على الزعيم ...

 

كان الهاتف يرن في غرفة الزعيم دون أن يرد عليه أحد ... يا إلهي لماذا ﻻ يرد الزعيم ... هل هو بالحمام ... هل نزل لتناول الإفطار دون أن يتصل بي ... ﻻ لن يفعل ذلك ... مرت دقيقتان أو يزيد والهاتف يرن وانا اصارع هواجسي وأقلب اﻹحتمالات في رأسي وأدفع عني إحتمال أن يكون المرض قد إشتد بالزعيم ... ﻻ بد أني قد أخطأت في رقم الهاتف ... يا لسذاجتي وتسرعي ... أقفلت الخط وأدرت الرقم مرة أخري بتركيز وهدوء وقبل أن يرن الهاتف في عرفة الزعيم طرق أحدهم باب غرفتي ... وضعت السماعة وفتحت الباب .... فكانت المفاجأة .. 

 

..................يتبع


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق