أضيف في 27 مارس 2017 الساعة 13:06

أزمة نظام إقليمي عربي


عبد الإله بلقزيز

لم نكن في حاجة إلى موسم «ثورات» «الربيع العربي» وانتفاضاته لنعرف أن النظام الإقليمي العربي في أزمة بنيوية عميقة، وأنه يعيش النزع الأخير من حياةٍ كان فيها حيًّا في نصفها الأوّل، ومشلولاً في نصفها الثاني، حيث مؤسَّسته الإقليمية (جامعة الدول العربية) واجهةٌ شكلية للدول: لا جامع فيها تكون به جامعة، ولا عروبة فيها تكتسب بها الصفة العربية. لم نكن في حاجة إلى «ربيعٍ عربي» لنقف على هذه الحقيقة التي ألِفناها منذ عاش النظامُ الإقليميّ ذاك حال الفراغ القيادي بخروج مصر منه -عقب «اتفاقية كامب ديفيد: سيئة الصيت - وخاصةً منذ مستهل عقد التسعينات من القرن الماضي، وما تلا أحداثها الدراماتيكية (اجتياح الكويت، تدمير العراق وحصاره، مؤتمر مدريد، توقيع اتفاقيتيْ «أوسلو» و«وادي عربة»...) من انقسامات حادّة داخله. كل الذين عاشوا الحقبة من منتصف السبعينات حتى مطلع العام 2011، يدركون أن نظام العرب الإقليمي في حالٍ من التأزّم حادّةٍ ومستفحلة، وأن أزمته من أزمة مكوّناته (دوله) تتغذى، وأن لا أمل له، ولنا معه، من شفائه من مرضه العضال إلاّ بجراحةٍ تُعادِل إعادة تكوين الاجتماع السياسي العربي نفسِه.
ومع ذلك، كنّا في حاجة إلى «الربيع العربي» لنصحوَ على حقيقةٍ لم نكد أن نتبيَّنَها قبْلاً؛ هي أن النظام الإقليمي هذا قَضَى تحت أنقاض أحداث «الربيع» ذاك ولَقِيَ حتفه، وما عاد ثمة من أملٍ، بالتالي، في إنقاذ حياته. ولقد كان يمكن أن لا يأسَف أحدٌ لموته، لو أنه انتهى وزال وأُعْلِنَتْ وفاتُه، بعد مديدِ يأسٍ منه، ولكنه أبَى إلاّ أن يأخذ معه إلى حتفه مئات الآلاف من بشرٍ عوَّلوا عليه يومًا ليُنْقِذَهم من أهوال زمنهم ! فلقد بارح، تمامًا، وظائفه التي سنّها له «الميثاق»- وفي قلبها البحث عن التضامن بين العرب، ورأب الصدع بين حكوماتهم، واجتراح التسويات والتفاهمات بينهم- لينتحل لنفسه وظيفةً أخرى جديدةً لم يُقِرَّها له نصٌّ أو اتفاق ولا عُرف (وهذا هو المعنى المقصود بقولنا إنّه لقيَ حتفَه)، والوظيفة تلك هي تحريض القوى الأجنبية ومجلس الأمن على دولٍ بعينها أعضاء فيه، والتسويغ للتدخل في الشؤون الداخلية لدوله بزعم «مناصرة» الحقوق الديمقراطية، وتبرير استخدام القوة المسلحة لإسقاط الأنظمة/‏الدّول، وإحداث بدعٍ ديبلوماسية ما أنزل الله بها من سلطان من قبيل إسقاط عضوية دولة رسمية فيه، ومنح مقعدها للمعارضة (!!!) في الوقتِ عينِه الذي تعترف فيه الأمم المتحدة نفسها بعضوية الدولة تلك، ويتحدث سفيرُها باسمها في اجتماعات مجلس الأمن!
انضافت هذه الفضائح إلى فضيحة منكَرة مزمنة: إسقاط قضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني من سُلم الأولويات، بل من جدول أعمال السياسات العربية، وترك الشعب الفلسطيني وحركته التحررية ومؤسّساته الوطنية تحت رحمة الاحتلال، والقمع، والتهويد، والاستيطان، والحصار الاقتصادي القاتل، ناهيك بالتحلّل الكامل من الالتزامات المالية تجاه ضائقته الحياتية نظير التحلّل من الالتزامات السياسية بنصرة مشروعه الوطني. وكان واضحًا لكلّ ذي بصيرة أنّ التخلي العربي الرسمي عن قضية فلسطين هو في حكم التحلّل من آخرِ جامعٍ يجمع بين العرب بعد أن أوغلوا في النأي بوطنياتهم الضيقة (القطرية) بعيداً.
من النافل القول إنّ أزمة النظام الإقليمي العربي البنيوية من أزمة النظام العربي السياسي نفسه، وإنها أزمة لن ترتفع إلاّ متى ارتفعت أزمة النّظم السياسية العربية المكوِّنة للنظام الإقليمي ذاك، ف«جامعة» الدول العربية ليست أكثر من واجهة مؤسّسية لتعبير السياسات العربية عن نفسها، وليس لها من قرار مستقل عن قرار دولها.
وتدعونا الملاحظة السابقة إلى إعادة طرح السؤال عن الأسباب التي تجعل النظام الإقليمي العربي يتأثر بأسوأ ما في السياسات العربية لا بأحسن ما فيها، فينتهي بذلك إما إلى الشلل أو إلى ارتكاب حماقات كالتي ارتُكِبت في السنوات الخمس المنصرمة. هل يتعلق الأمر فيها بالانتهاكات الصارخة للميثاق وتزوير وظيفة الجامعة والذهاب بها وجهة أخرى نقيضاً؟ هل يتعلق بمستوى من باتوا يتقلدون المسؤوليات في الجامعة، في ربع قرن الأخير، ومدى ما يتمتعون به من حصانة ضدّ الضغوط؟ أم هل يتعلّق برغبةٍ غيرِ معلنة في إنهاء النظام الإقليمي العربي من الداخل بعد عجز الأجنبي عن إنهائه باصطناع أنظمةٍ بديل من قبيل «النظام شرق الأوسطي» و«النظام المتوسطي»؟ هي بعض من أسئلةِ نظامٍ عربي متهافت خلَّفتها عاصفةُ «الربيع العربي» وامتحاناتها.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق