أضيف في 26 مارس 2017 الساعة 13:31

زنادقة التاريخ والدجالون


nassar jarada

زنادقة التاريخ والدجالون

دلسوا علينا منذ قرون وكتموا الحق ولا زالوا - وأقصد بالمدلسين والكاتمين ، صنائع بني أمية من أهل الحديث الذين قدموا لنا هم أو من تلقى عنهم وتتلمذ على أيديهم جُل التفاسير والفقه وكثير من الروايات المفبركة المزورة للتاريخ خوفا أو مجاملة ، فضلا عمن خلف أولئك من شيوخ السلاطين المغرضين القابضين الذين اعتلوا المنابر المختطفة وزيفوا وعي الناس على مدار تاريخنا وكذا الأساتذة الجهلة الببغاوات بالمدارس والجامعات حاضرا - عندما أوهمونا بأن ما حدث في صدر الإسلام أثر مقتل عثمان بن عفان كان فتنة وليس انقلابا ارستقراطيا أمويا وثنيا ، وعندما روجوا بين ظهرانينا لفقه طاعة مزور مشوه مدسوس مواز للدين و مشابه له لكنه مختلف عنه في الجوهر إلى حد كبير ، فقه طاعة عماده أحاديث موضوعة منسوبة زورا وبهتانا للرسول الكريم ، أحاديث تتناقض مع كثير من المفاهيم القرآنية العامة والخاصة ، صراحة أو ضمنا ، أو ليس لها قرائن أو شواهد أو حواضن قرآنية ، وجُعلت من ضمن جملة أحاديث كثيرة متعددة متباينة ناهزت في صدر الإسلام بحسب بعض التقديرات ستين ألف حديث ، تم لاحقا الحكم بفساد جُلها بعد إخضاعها لقواعد الجرح والتعديل ، وقد صنف فقط ما نسبته اقل من ثمانية بالمائة منها على انه صحيح وحسن واستبعد الباقي على اعتبار انه ضعيف وفاسد .

وفي ضوء التطور المعرفي والإدراكي والإنساني الحالي نعتقد بأنه لن يسلم جزء كبير مما عُد حسنا وصحيحا في سالف الأيام من النقد و ربما الاستبعاد وإسقاط الحجية ، إذا أخُضع لمحاكمات عقلية دقيقة محايدة متحررة من سطوة التراث والتقليد الأعمى ، وتبين على أثر ذلك تناقض موضوعه صراحة أو ضمنا مع المفاهيم القرآنية العامة كالعدل والمساواة والإحسان والرحمة وحرية الاعتقاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... الخ ، التي اشرنا إليها آنفا ، وهي المفاهيم التي يجب أن تنسف ما يخالفها بأثر رجعي ويكون لها السيادة والسمو على ما عداها .

واغتالوا عقولنا عندما روجوا لقراءة عرجاء مشوهة للتاريخ العربي والإسلامي وأحداثه الجسام ، قراءة تساوي بين القاتل والمقتول ، الباغي والمبغي عليه ، فتترضى عليهما وتدخل كليهما الجنة ، هناك حيث العدل المطلق والنعيم المقيم ، وحيث ينزع الله ما في صدورهم من غل ، إخوانا على سرر متقابلين !!.

هذا هو الإدراك العظيم والوعي المتقدم المبارك الذي يدعونا إليه زنادقة التاريخ والدجالون ، وهو وعي وهمي مزيف يؤدي حتما إلى إطالة الأذنين وزيادة نموهما رأسيا باتجاه السماء ، وزيادة معدلات الغباء ومستويات الاستغفال ، وتعطيل العقل وإعطائه إجازة مفتوحة إلى يوم الدين !! ، العقل الذي ميزنا الله به عن سائر المخلوقات ، وصار مناط التكليف والحساب والعقاب !! .

وبعد : لا يمكن لباحث حر مدقق منصف غير مغرض أن تخدعه المزاعم الكاذبة الملفقة والهرطقات حين تشخص أمامه الروايات والأخبار وتتأكد ، وإن توارت خلفها النوايا الحقيقية والدوافع والأسباب بحجاب كثيف من الغش والوضع والتأليف والتدليس كما قال أستاذنا العقاد ، وقد اتفق المؤرخون على أن هاشم وأمية - الأول جد عبد الله بن عبد المطلب والد خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم والثاني جد أبي سفيان رأس الكفر في الجاهلية وعمدة النفاق في صدر الإسلام - تنافرا وتنافسا على رئاسة قريش في الجاهلية ، وأشاد كل منهما بحسبة ونسبه ومجده وسجاياه أمام أشراف العرب وكهانهم ، فقضى هؤلاء لهاشم ، وعلى أثر ذلك خرج أمية حانقا ممتعضا إلي الشام وأختارها مقاما له مدة عشر سنين ، ولما مات هاشم شُغل أبناؤه بالرئاسة الدينية وخدمة الحجيج وسقايتهم , وآل اللواء إلى بني أمية ، وهو عمل يناط بصاحبه حراسة القوافل ( أموال وجهاء قريش ) من والى الشام وكذا من وإلى اليمن ، و يحتاج إلى جيش صغير وقائد يحمل اللواء ، وظل الأمر كذلك لحين ظهور البعثة المحمدية ، التي شكلت من منظور قريش تهديدا حقيقيا محدقا ينذر بتغيير الأوضاع السائدة و رجحان كفة بني هاشم – قوم النبي - بالمطلق على سائر بطون العرب ، وقد تجلى التخوف من هذا التهديد في المقولة التالية المشهورة لأبي جهل عمرو بن هشام المخزومي والتي تعبر أبلغ تعبير عن الحالة النفسية لسادات قريش في ذلك الحين حيث قال : ( تنازعنا نحن وبني هاشم الشرف ، أطعموا وأطعمنا ، وسقوا وسقينا ، وأجاروا وأجرنا ، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي ، فمتى ندرك مثل هذه ) ؟؟ ، وأسوأ من هذا القول صدر متأخرا نسبيا عن يزيد بن معاوية اللعين وهو يشف عما كان يعتمل في صدور بني أمية ، ويشهد على كفر بعضهم وإسلامهم تقية ونفاقا ، فقد قال : ( لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل ) !! ، ومثله صدر عن جده أبي سفيان كهف النفاق قبل ذلك بعقود ، فقد نصح قومه من بني أمية بحضور عثمان وفي مجلس خلافته قائلا لهم صراحة : ( تلقفوها تلقف الكرة ، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا حساب ، ولا جنة ولا نار ، ولا بعث ولا قيامة ، و ما زلت ارجوها لكم ، ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة !! (

كان هذا هو الموجز والمقدمة و إليك صديقي القارئ البيان الوافي لما نزعم ونعتقد بالأدلة والتفاصيل :

أولا : تربص معاوية بعثمان و تأخره في إرسال النجدة إليه !!

روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة الجزء الأول صفحة 215 أن أبا الطفيل عامر بن واثله الكناني وهو صحابي جليل وآخر من رأى الرسول من الصحابة قدم يوما على معاوية فقال له هذا الأخير : أكنت ممن قتل عثمان أمير المؤمنين ؟ ، قال لا ، ولكن لم أنصره ، قال : ولم ؟ ، قال لم ينصره المهاجرون والأنصار ، فقال معاوية : أما والله إن نصرته كانت عليهم وعليك حقا واجبا و فرضا لازما ، فإذ ضيعتموه فقد فعل الله بكم ما أنتم أهله وأصاركم إلى ما رأيتم ، فقال أبو الطفيل : فما منعك يا أمير المؤمنين إذ تربصت به ريب المنون أن تنصره ومعك أهل الشام ؟ قال معاوية : أوما ترى طلبي لدمه !! ، فضحك أبو الطفيل وقال : بلى ولكني وإياك كما قال عبيد بن الأبرص :

لا أعرفنك بعد الموت تندبني وفي حياتي ما زودتني زادي !!

وبمقدور كل ذي لب وبصيرة أن يدرك السبب الكامن وراء تأخر معاوية في إرسال جيش من الشام لنجدة عثمان وإعطاء قائده تعليمات واضحة مشددة بأن يعسكر خارج المدينة في وادي القرى بانتظار أوامر معاوية ، وقد قال له : أنا الشاهد وأنت الغائب !! ، وقد قُتل عثمان والجيش لمًا يزل في طريق الحجاز وعاد أدراجه من حيث أتى لمًا علم بمقتله ، وقد كان بإمكان الجيش الوصول للمدينة في ظرف يوم أو يومين والقبض على كثير ممن شاركوا في قتل عثمان لو صفت النيات وكان ذلك هو المراد حينها !!

ثانيا : علام يقتتل الناس ويذهبون يا معاوية ؟

روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة الجزء الأول صفحة 126 أن الناس مكثوا بصفين أربعين ليلة يغدون إلى القتال ويروحون ، وأن القتال الذي كان فيه الفناء ثلاثة أيام ، أشدها يوم الهرير ، وأن علًي لما رأى كثرة القتال والقتل في الناس ، برز يوما من الأيام ومعاوية فوق التل ، فنادى بأعلى صوته يا معاوية ، فأجابه فقال : ما تشاء أبا الحسن ؟ ، قال علًي : علام يقتتل الناس ويذهبون ؟ ، على ملك إن نلته كان لك دونهم ، وإن نلته أنا كان لي دونهم ؟ ، أبرز إلي ودع الناس ، فيكون الأمر لمن غلب ، قال عمرو بن العاص : أنصفك الرجل يا معاوية ، فضحك معاوية وقال : طمعت فيها يا عمرو ، والله إن تريد إلا أن أقتل فتصيب الخلافة من بعدي ، فقال عمرو : والله ما أراه يجمل بك إلا أن تبارزه ، فقال معاوية : ما أراك إلا مازحا ، نلقاه بجمعنا ... !!

 

ثالثا : ذبح سبعين ألفا من المسلمين !!

وروى المسعودي في مروج الذهب ومعادن الجوهر الجزء الثاني صفحة 306 أن عدد الذين ذبحوا في صفين بعد مائة يوم وعشرة أيام من القتال الدموي سبعين ألفا ، خمسة وأربعون ألفا من أصحاب معاوية وخمسة وعشرون ألفا من أصحاب علًي رضي الله عنه ، سبعون ألفا من المسلمين ذبحوا من أجل عدم الإذعان لأمر الخليفة الشرعي بذريعة المطالبة بدم عثمان !! فهل تحقق الثأر من قتلة عثمان بعد أن اغتيل علًي ووضعت الحرب أوزارها ؟؟ هذا ما سنتبينه في الجزء التالي من المقال ...!!

رابعا : دفن قميص عثمان !!

وقد دفن عميقا بمجرد استتباب الأمر لمعاوية ، لأن الهدف الحقيقي ، منذ اليوم الأول من كل ما حصل هو إنجاح الانقلاب الأموي بكل وسائل الاحتيال و الغصب وليس الثأر للخليفة المقتول ، وقد تحقق الغرض والهدف و كفى الله معاوية وزبانيته شر الثأر و القتال ... !!!

جاء في منهاج السنة لابن تيمية المجلد الرابع صفحة 405 و 407 و408 ما يلي : ( وقد اعتذر بعض الناس عن على بأنه لم يكن يعرف القتلة – قتلة عثمان – بأعيانهم ، وبأنه كان لا يرى قتل الجماعة بالواحد ، و بأنه لم يدع عنده ولي الدم دعوى توجب الحكم له ، ولا حاجة لمثل هذه الأعذار ، فعلى مع تفرق الناس عليه لم يكن متمكنا من قتل قتلة عثمان إلا بفتنة تزيد الأمر شرا وبلاء !! ومما يبين ذلك أن معاوية قد اجمع الناس عليه بعد موت على وصار أميرا للمؤمنين ومع هذا لم يقتل قتلة عثمان الذين كانوا قد بقوا !! ، بل روي عنه أنه لما قدم المدينة حاجا سمع صوتا في دار عثمان " يا أمير المؤميناه ، يا أمير المؤميناه " فقال ما هذا ، قالوا له : بنت عثمان تندب عثمان ، فصرف الناس ثم ذهب إليها فقال : " يا ابنة عم ، إن الناس قد بذلوا لنا الطاعة على كره !! ، وبذلنا لهم حلما على غيظ !!، فإن رددنا حلمنا ردوا طاعتهم !! ، ولأن تكوني بنت أمير المؤمنين خير من أن تكوني واحدة من عرض الناس ، فلا أسمعك بعد اليوم ذكرت عثمان !!

فمعاوية الذي يقول المنتصر له انه كان مصيبا في قتال علي لأنه كان طالبا لقتل قتلة عثمان لما تمكًن و أجمع الناس عليه لم يقتل قتلة عثمان ، فإن كان قتلهم واجبا وهو مقدور له ، كان فعله بدون قتال المسلمين أولى من أن يقاتل عليه علًيا وأصحابه لأجل ذلك !! ، ولو قتل معاوية قتلة عثمان لم يقع من الفتنة أكثر مما وقع ليالي صفين ، وإن كان معاوية معذورا في كونه لم يقتل قتلة عثمان

إما لعجزه عن ذلك أو لما يفضي إليه ذلك من الفتنة وتفريق الكلمة وضعف سلطانه !! ، فعلًي أولى أن يكون معذورا من معاوية ، إذ كانت الفتنة وتفريق الكلمة وضعف سلطانه بقتل القتلة لو سعى في ذلك أشد ، ومن قال إن قتل الخلق الكثير الذين قتلوا بينه وبين علًي كان صوابا منه لأجل قتل قتلة عثمان ، فقتل ما هو دون ذلك لأجل قتل قتلة عثمان أولى أن يكون صوابا وهو لم يفعل ذلك لما تولى ولم يقتل قتلة عثمان ) !!

( ولو كان علًي قادرا على قتل قتلة عثمان وقُدر له ترك هذا الواجب إما تأولا و إما مذنبا لم يكن ذلك موجبا لتفريق الجماعة والامتناع عن مبايعته و لمقاتلته ، بل كانت مبايعته على كل حال أصلح في الدين وأنفع للمسلمين وأطوع لله ولرسوله من ترك ذلك ) !!

خامسا : تصريح خطير لولي الدم الحقيقي يكشف المستور

روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة الجزء الأول صفحة 213 أن سعيد بن عثمان بن عفان قدم يوما على معاوية وقال يا أمير المؤمنين : علام تبايع ليزيد وتتركني ؟ ، فوالله لتعلم أن أبي خير من أبيه , وأمي خير من أمه ، وأنا خير منه ، ( وإنك إنما نلت ما أنت فيه بأبي !! ) ، فضحك معاوية وقال : يا أبن أخي ، أما قولك : إن أباك خير من أبيه ، فيوم من عثمان خير من معاوية ، وأما قولك إن أمك خير من أمه ، ففضل قُرشية على كلبية فضل بيًن ، وأما أن أكون نلت ما أنا فيه بأبيك ، فإنما هو المُلك يؤتيه الله من يشاء !! ، قتل أبوك فتواكله بنو العاص ، وقامت فيه بنو حرب ، فنحن أعظم بذلك منًة عليك !! ، وأما أن تكون خيرا من يزيد ، فوالله ما أحب أن تكون داري مملوءة برجال مثلك بيزيد !! ، ولكن دعني من هذا القول وسلني أعطك ، فقال سعيد بن عثمان : يا أمير المؤمنين لا يعدم يزيد مركبا ما دمت له ، وما كنت لأرضى ببعض حقي دون بعض ، فإذا أبيت فأعطني مما أعطاك الله ، فقال معاوية : لك خراسان ، قال سعيد : وما خراسان ؟ ، قال : إنها لك طعمة وصلة رحم !! ، فخرج راضيا وهو يقول :

وقال خراسان لك اليوم طعمة فجوزي أمير المؤمنين بما فعل

فلو كان عثمان الغـداة مكانـه لما نالني من ملكــه فوق ما بذل

سادسا : سنة الاغتيال السياسي ( إن لله جنودا من عسل ) !!

روى ابن الأثير في كتابه القيم الكامل في التاريخ الجزء الثالث صفحة رقم 315 أن جعدة بنت الأشعت بن قيس ، أمير قبيلة كندة ، دست السم لزوجها الحسن بن علي رضي الله عنهما مما تسبب في وفاته وهو في ريعان الشباب ابن ست وأربعين ، وقد كان ذلك سنة تسع وأربعين للهجرة ، وقال أبو فرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني في كتابه أن معاوية أرسل إلى ابنة الأشعت إني مزوجك بيزيد أبني على أن تسمي الحسن بن على ، وبعث إليها بمائة ألف درهم ، فقبلت وسمت الحسن ، فسوغها المال ولم يزوجها يزيد فخلف عليها رجل من أهل طلحة فأولدها فكان إذا وقع بينهم وبين بطون قريش كلام عيروهم وقالوا : يا بني مُسمة الأزواج !!

وقال ابن الكلبي عن أبيه في سبب موت مالك الأشتر ، وهو من شيعة على ورجاله الخلًص ، انه لما سار الأشتر إلى مصر أخذ في طريق الحجاز فقدم المدينة ، فجاءه مولى لعثمان بن عفان يقال له نافع وأظهر له الود وقال له : أنا مولى عمر بن الخطاب ، فأدناه الأشتر ووثق به و قربه و ولاه أمره ، فلم يزل معه إلى عين شمس

فلما وصل عين شمس تلقاه أهل مصر بالهدايا وأسقاه نافع المذكور العسل فمات منه .

وجاء في أخبار سنة ثمان وثلاثين لابن الأثير : خرج الأشتر يتجهز إلى مصر وأتت معاوية عيونه بذلك فعظم عليه وكان قد طمع في مصر فعلم أن الأشتر إن قدمها كان عليه أشد من محمد بن أبي بكر فبعث معاوية إلى المقدم على الخراج بالقلزم وقال له : إن الأشتر قد ولي مصر فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت وبقت ، فخرج الجايستار حتى أتى القلزم وأقام به وخرج الأشتر من العراق إلى مصر فلما انتهى إلى القلزم استقبله ذلك الرجل فعرض عليه النزول عنده ، فأتاه بطعام فلما أكل أتاه بشربة عسل قد جعل فيه سما ، فلما شربه مات ، وقام معاوية خطيبا ثم قال : أما بعد فإنه كانت لعلًي يمينان فقطعت إحداهما بصفين يعني عمار بن ياسر وقطعت الأخرى اليوم ويعني الأشتر !!

وذكر العقاد في كتابه القيم ( معاوية بن أبي سفيان صفحة 48 و 49) أن ابن الأثير والطبري اتفقا على رواية واحدة في الجملة عن موت عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وقد كان سبب موته أنه كان قد عظم شأنه عند أهل الشام ومالوا إليه لما عندهم من آثار أبيه ولغنائه في بلاد الروم ولشدة بأسه ، فخافه معاوية وخشي منه ، وأمر ابن أثال النصراني أن يحتال في قتله وضمن له أن يضع عنه خراجه ما عاش وأن يوليه خراج حمص ، فلما قدم عبد الرحمن من الروم دس ابن أثال له شربة مسمومة مع بعض مماليكه فشربها فمات بحمص ، فوفى له معاوية بما ضمن !! .

واستدرك العقاد مستغربا : الحسن يموت قبل بيعة يزيد كي لا يخرج معاوية على شرطه المكتوب للحسن ، ومالك الأشتر على أبواب مصر ، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد يموت وهو في أوج سمعته بين قوم أعجبوا من قبله بأبيه ويوشك أن يجتمع حوله الناقمون من أهل الشام وأهل الكوفة والحجاز !!

وقد روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة الجزء الأول صفحة 196

أن معاوية لما أتاه خبر وفاة الحسن بن علي رضي الله عنهما أظهر فرحا وسرورا حتى سجد وسجد من معه ( زبانيته الحاضرون بالمجلس معه ) !! ، فبلغ ذلك عبد الله بن عباس و كان يومئذ بالشام فدخل على معاوية ، فلما جلس قال معاوية : هلك الحسن بن علي ، فقال ابن عباس ، نعم هلك ، ترجيعا مكررا ، وقد بلغني الذي أظهرت من الفرح والسرور لوفاته ، أما والله ما سد جسده حفرتك ولا زاد نقصان أجله عمرك ، ولقد مات وهو خير منك ، ولئن أصبنا به ، لقد أصبنا بمن كان خير منه ، جده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجبر الله مصيبته وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة ...!! ( يقصد أبو بكر وعمر ) .

سابعا : تغافل الفجار والمجرمين

روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة الجزء الأول صفحة 150 أن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال في اليوم الذي قتل فيه بصفين وكان قد بلغ التسعين : ( اليوم ألقى الأحبة محمد وحزبه ، ثم حمل و خمسمائة من أصحابة ، فالتقي عليه رجلان فقتلاه ، وأقبلا برأسه إلى معاوية يتنازعان فيه ، ( وقد كانت أول رأس لمسلم تقطع في الإسلام ) كل يقول أنا قتلته ، فقال لهما عمرو بن العاص : والله إن تتنازعان إلا في النار ، سمعت رسول الله يقول : تقتل عمار الفئة الباغية ، فقال معاوية : قبحك الله من شيخ ، فما تزال تتزلق في قولك ، أونحن قتلناه ، إنما قتله الذين جاؤوا به !! ، ثم التفت إلى أهل الشام فقال ، إنما نحن الفئة الباغية ، التي تبغي دم عثمان !!! .

 

ثامنا : أتينا قوما أخذنا الحجة عليهم من أفواههم

بعد موت اللعين يزيد بن معاوية في عام 64 هجري كانت هناك بيعتان ، إحداهما بالشام لمعاوية بن يزيد والثانية بالحجاز لعبد الله بن الزبير وقد روى ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة ، الطبعة الثانية الصفحة 224 أن معاوية بن يزيد لما ولي صعد المنبر فقال : إن هذه الخلافة حبل الله و إن جدي معاوية نازع الأمر أهله و من هو أحق به منه ( يقصد علًي بن أبي طالب )، و ركب بكم ما تعلمون حتّى أتته منيته فصار في قبره رهينا بذنوبه ، ثم قُلد أبي الأمر و كان غير أهل له و نازع ابن بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فقصف عمره ، و انبتر عقبه ، وصار في قبره رهينا بذنوبه ، ثم بكى و قال : من أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه و بؤس منقلبه ، و قد قتل عترة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و أباح الخمر و خرب الكعبة ، و لم أذق حلاوة الخلافة فلا أتقلد مرارتها ، فشأنكم أمركم ، والله لئن كانت الدنيا خيرا فقد نلنا منها حظا ، و لئن كانت شرا فكفى ذرية أبي سفيان ما أصابوا منها ، ثم تغيب في منزله حتى مات بعد أربعين يوما .

وقد روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة الجزء الثاني صفحة 17 و 18 أن يزيد بن معاوية لما مات استخلف ابنه معاوية وهو يومئذ ابن ثمانية عشر سنة ، فلبث واليا شهرين وليالي محجوبا لا يُرى ، ثم خرج بعد ذلك فجمع عليه الناس وحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إني نظرت بعدكم فيما صار إلي من أمركم ، وقلدته من ولايتكم ، فوجدت ذلك لا يسعني فيما بيني وبين ربي ، أن أتقدم على قوم فيهم من هو خير مني ، و أحقهم بذلك وأقوى على ما قلدته ، فاختاروا مني إحدى خصلتين : إما أن اخرج منها وأستخلف عليكم من أراه لكم رضا ومقنعا ولكم علي ألا آلوكم نصحا في الدين والدنيا ، وإما أن تختاروا لأنفسكم وتخرجوني منها ، فأنف الناس من قوله وأبوا من ذلك ، وخافت بنو أمية أن تزول الخلافة منهم فقالوا : ننظر في ذلك يا أمير المؤمنين ونستخير الله فأمهلنا ، قال : لكم ذلك وعجلوا علي ، قال : فلم يلبثوا بعدها إلا أياما حتى طعن ، فدخلوا عليه فقالوا : استخلف على الناس من تراه لهم رضا ، فقال : عند الموت تريدون ذلك ، لا والهو لا أتزودها ، ما سعدت بحلاوتها فكيف أشقى بمرارتها ، ثم هلك رحمه الله ولم يستخلف أحدا .

وروى المسعودي في مروج الذهب ومعادن الجوهر الجزء الثالث صفحة 66 أن معاوية بن يزيد لما حضرته الوفاة اجتمعت إليه بنو أمية فقالوا : اعهد إلى من رأيت من أهل بيتك فقال : والله ما ذقت حلاوة خلافتكم فكيف أتقلد وزرها ؟ ، وتتعجلون انتم حلاوتها وأتعجل مرارتها ، اللهم أني لا أجد نفرا كأهل الشورى فأجعلها إليهم ينصبون لها من يرونه أهلا لها ، فقالت له أمه : ليت إني خرقة حيضه ولم أسمع هذا الكلام منك ، فقال لها : ليتني يا أماه خرقة حيضه ولم أتقلد هذا الأمر ، أتفوز بني أمية بحلاوتها و ابوء بوزرها ومنعها أهلها ، كلا أني برئ منها !!

تاسعا : ليس لي ما ألقاك به !!

قال معاوية بن أبي سفيان لعبد الله بن عمر وهو على فراش الموت : يا عبد الله هل لي من توبة ؟ ، فرد عليه عبد الله قائلا : هيهات يا معاوية ، فقال معاوية : يا رب إن هذا الرجل ييئسني من رحمتك ، ( وليس لي ما ألقاك به ) إلا أني لا أشرك بك شيئا !!!.

كان هذا الكلام من جملة ما اختتم به حياته رجل طامع فاجر مجرم مستبد لعين ، فرق الأمة شيعا ، وتسبب بمقتل عشرات الآلاف من المسلمين وبعض أجلًاء الصحابة كعلًي وعمار بن ياسر والزبير وطلحة رضي الله عنهم أجمعين ، رجل فاسق فاسد وأد الخلافة والشورى وبذًر في سبيل تحقيق غاياته الدنيئة مال المسلمين العام ، وسن سننا قذرة ما سبقه إليها أحد من المسلمين كالاغتيال السياسي والتوريث ، و كان هذا سببا رئيسيا لكل ما عانته الأمة من مصائب وكوارث وانقسامات منذ ذلك الحين ، ولا زال هناك من الجهلة ومن المغرضين من يسبح بحمد الرجل ويترضى عليه ويعتبره سيدا مفتتنا ومجتهدا أخطأ ويستحق الأجر !! ،

وقد قال الشيخ العلامة محمد رشيد رضا صاحب المنار رحمه الله في معرض رده على سؤال لأحد السائلين عن السبب الرئيس والحقيقي لما نحن فيه : إن خروج معاوية على أمير المؤمنين على رضي الله عنه وتحول شكل الحكومة الإسلامية عن القاعدة التي وضعها الله في كتابه الكريم بقوله في جماعة المؤمنين ( وأمرهم شورى بينهم ) إلى حكومة شخصية وراثية استبدادية كان هو الصدمة الأولى التي أصاب الإسلام ، فكانت علة العلل لكل ما جاء بعدها من أسباب الضعف !!

 

وليس يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل كما قال المتنبي .

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : nassar jarada

ناشط حقوقي و باحث تاريخي   / غزة , فلسطين المحتلة


تعليقاتكم

1- But...and But

ahmed

ان العرب لا يقراون واذا قرءوا لا يستوعبون
العرب عبيد من حكم
جاء الاسلام لاسلمه العرب, فنجح العرب فى تعريب الاسلام

في 27 مارس 2017 الساعة 52 : 16

أبلغ عن تعليق غير لائق


2- انه الحق والحقيقةجهز نفسك ليتهموك بالتشيع والزندقةايضا

debanalhkem

مهما طال الزمن وتبدلت الظروف والاحوال فلابد ان تظهر الحقيقة ولو تاخرت قليلا سيدي الكاتب اللامع الفذ انت لم تقل غير الحقيقة وكم هو جميل اظهارها من المراجع التاريخية التي سبق ودونها بعض الناس المحترمين او لنقل الصادقين مع انفسهم وبسب الجهل والاكاذيب الكثير ةالتي زورت تاريخنا ونتيجة الابتعاد عن الحق وغرق المجتمعات الاسلامية بالطائفية البغيضةفان الكثير من الجهلة لايابهون ولايقدرون وحتى لو قدروا ان يغيرواما تم زرعه في عقولهم الخفيفة من اكاذيب وخرافات وكلام يخالف العقل والدين كما يفعلون حيث يضيفون خلف اسمي علي ومعاويةكلمة رضي الله عنه دون ان يفكر ايا منهم بوجوب ان الحق يكون مع احد الجهتين المتقاتلتين مقابل ان تكون الاخرى معتدية والموضوع اكبرمما يعتقدون لان نتائج ذلك الخلاف والقتال ستستمر بضررها الى الابد وقد فعل ابن يزيد معاوية الثاني خيرا يشكر عليه من جميع النواحي ولااظنه مات الا على نفس مبدأ جده معاوية اي اغتيالا ولذلك انصحك ان تنتبه على نفسك من جنود العسل وما شابهها ومن قتل فرج فوده وحتر والكثير قبلهم من امثالهم لايعدم وسيلة لمعاودة فعله الاجرامي وطبعا بيد خنزير وهابي او اخونجي او طائفي حاقد لذا نتمنى عليك ان تحذر كثيرا لان اعدا ءالحق كثر في هذه الايام باضعاف عما كانوا قديما حماك الله وزادك علما وعافية والسلام

في 27 مارس 2017 الساعة 53 : 16

أبلغ عن تعليق غير لائق


3- لقد شخصت اصل البلاء واساس المكيدة

شيروان


بارك الله فيكم وأكثرَ من امثالكم من المتنورين  (ذوي الألباب )
مقالتك الأولى اثلجت صدري وساتابع قراءة اخواتها. ولقد شخصت اصل البلاء واساس المكيدة. انا لست شيعيا واعتقد انك كذلك، ولذلك فليس هناك من مجال لاتهامكم بالطائفية والمذهبية. ويذكر الكثيرمن الجهلة ومن المنافقين في هذا الشأن  (دفاعا عن بني امية ومن اتبعوهم ونهجوا نهجهم ) قول الله تعالى:  (تلك أمّة قدخلت لها ما كسبت ولكم ماكسبتم ولا تسألون عمّا كانوا يعملون ). وذلك قول حق لأنه قول الحقّ  (سبحانه وتعالى ) ولكن اراد به وعاظ السلاطين ويريدون به الباطل واسكات صوت الحق والتعتيم على حقيقة المؤامرة التي تعرض لها ديننا على يد ابي سفيان وابنه واشياعهما. فما عمله بنو أمية وما يعمله اتباعهم  (وهم اعداء الدين من الداخل ) بالدين المحمّدي الحنيف لم يقدر عليه اعداء الدين الخارجيين ولن يقدروا عليه ابدا.  (ألا ساء ما يزرون )

في 28 مارس 2017 الساعة 07 : 12

أبلغ عن تعليق غير لائق


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق