أضيف في 26 مارس 2017 الساعة 12:31

الإضراب و إشكالية المعنى


رشيد اليملولي

الإضراب و إشكال المعنى .

يقول الفقهاء :" العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " .

يعد الإضراب حلقة هامة في مسار تطرو الحركة الحقوقية و الاحتجاجية ، و نبراس لإعادة شحذ الهمم بغرض ترسيخ القيم المرتبطة بالعمل الإنساني و الاقتصادي ، و الطاقة الكامنة فيهما ، و تحويلهما إلى قيمة من القيم الدالة على الإبداع ، و صياغة مقومات الوجود بعيدا عن الاستغلال في صوره القصوى المادية و المعنوية ، و لا غرو أن يوصف الإضراب باعتباره حق وواجب ، للدفاع عن الذات ، و تقنين العمل و الإنتاجية الخاصة بالمجتمع ، فهو بهذا المعنى آلية من آليات الرقابة الذاتية و الجماعية على عموم العملية الإنتاجية و الاجتماعية ، ووسيلة لازبة لتقويم العلاقات الاجتماعية و تنميتها وفق منحى يروم بناءها بما ينسجم و متطلبات الحياة العامة .

لذلك ؛ فأي عملية تهفو تضييق هذا المعنى الحضاري على الإضراب ، توصف بالزراية الدالة على " التبضيع " و " التتجير " ، في سعي نحو تحقير هذا الأفق الإنسان و الحط من مرجعيته الحقوقية ـ الاجتماعية ، فالخطر الداهم المتأتي من تحويل الإضراب إلى أداة ووسيلة ، لتسويق الخطابات و حصر قيمته في المكسب المادي المتعلق بالمستوى المعيشي ، يعد إجحافا و إخواء مؤسسا للعملية الاحتجاجية برمتها ، ما دامت هذه المنهجية في الفهم و التأويل تضيق المعنى في صيغة أحادية و حدية ، تعمل على تكثيف الدلالة في المواجهة و لي الذراع ، و تأكيد و ترسيم الأحقية الخاصة في التسلط الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه ، بشكل أضحى الحقل الدلالي لهذه القيمة الحضارية محصورا ـ قسرا ـ في معاني أبدية و أزلية تسعى تحقيق مكاسب مادية دون المعنوية ، و هي بناء تراث نضالي يبتغي التنمية المستدامة و حق الأجيال السابقة و القادمة في رسم مقومات وجودها بالمعنى الذي أشرنا إليه سابقا .

لقد تحول الإضراب من صيغة لبناء ثقافة الاحتجاج بالمضمون الحجاجي و الإنساني ، إلى وسيلة لتفريغ هذا الحق من أي قيمة نضالية و إنسانية ، حين غدا محطة باردة تردد بإسفاف مطالب جزئية و فئوية ، دون تطوير آليات صياغتها احتجاجا و حجاجا ، بمعنى إعادة الحياة و المعنى إلى العملية الحقوقية برمتها ، و ذلك وفق قوالب منهجية و تنظيمية ترتاد الطرق المتعددة في إدارة و تدبير الصراع دون حصره في احتفال طقوسي أو مناسبة عمالية تختزل العملية في إعلان التمرد و الهبة ، إن الإضراب قيمة تواصلية تحرر الفضاء العام من أي سلطة أو وصاية أو الحق الأوحد في التأويل المشروع ، و ذلك عبر حبك و إبرام يستحضر الإمكانات القائمة على الالتفاف و محاولة تطويقها ، عبر كشف التواطؤ و اعتبار القيمة النضالية وسيلة للترقي الفئوي ، و خدمة الأهداف الخاصة بالنسيج النقابي الدائر في فلك الحوار الذي يدبر بليل .

إن معنى الإضراب انسجاما مع القيمة المشار إليها آنفا ، و الأسلوب الراغب في تحويره و قتله رمزيا ، ترقى إلى السنة التي أصبحت واقعا و مصدر تشريع للعمل النقابي ، أي الالتفاف على المطالب و الإيمان الأقصى بحلها عن طريق الأسلوب البارد في الحوار و إدارة الصراع ، و لا حاجة للحديث عن الخيانة و المصطلحات التي تنحو منحاها ، إذ الأمر موكول لتغييب المصالحة مع المعاني المخبوءة ، و الدسائس التي تنبع من الرغبة في بناء مجال الاستقالة بدعوى تغيير الأنماط السياقية ، و تحول المرجعية الاجتماعية للعمل النقابي من القيم المادية إلى القيم الرمزية ، و المتعلقة بظهور أجيال حقوقية و فئوية جديدة ، بيئية كانت أو متعلقة بالأطفال و النساء و الأرامل و الجماعات السلالية و غيرها من الموجات الجديدة ، حيث أن هذا التنوع لا يعني الانتقال الفجائي من الصراع في أبعاده المتنوعة إلى نموذج موحد للإحتجاج ، حيث من الطبيعي أن ينعكس ذلك على معنى الإضراب و دلالاته و أدواته و سياقاته التي تعلو على المصالح الفئوية .

و إذا كانت الدودة في النبتة ، تعني أن الهزال الذي أصاب العملية الاحتجاجية ، و الإضراب نموذجها الدال ، قد يعني أن مواطن الخلل الداخلية تقف حائلا أمام تطور الدلالة الحضارية لهذه القيمة الإنسانية ، فإن الفاعل " السلطوي" أضحى قادرا على تسميم كل القيم و المبادرات المتأتية من خارج أناه ، في سعي حثيث منه إلى مركزة كل المعاني بما ينسجم و رؤاه و فلسفته في تدبير الصراع ، و لا مشاحة أن القوانين التنظيمية واحدة من الوسائل الفعالة في قبول معنى الإضراب أو رفضه ، دون الحديث عن مضمونه ؛ فالتجربة المعاشة سياسيا و نقابيا تحيل على أن المنظومة السلطوية ، أجادت في سبك مقومات المحاصرة و التضييق بغية التدجين و الاحتواء في كل المحطات التي تعني لحظة تاريخية احتجاجية بالمعنى الإنساني و ليس بالضرورة فتنة أو فوضى ، بقدر ماهي حاجة بيولوجية للرفض و تنويع مصادر الشرعية عوض حصرها في المعنى الأوحد و الدال بالضرورة ، أي الحق في حرية التعبير و التنقل خارج أي تأويل فئوي ، فحتى هذا المكسب تحول مع الزمن و الوقت إلى منة و هبة تجود بها السلطة و ليس الدولة على رعاياها الأوفياء أو عمالها الميامين ، في وقت أصبح هذا الحقل مرتعا لكل معالم الدونية و التخلف ، و نقصد طبعا العنف المشروع و الذي لا ينتج إلا سريان السلطة في كل مرافق الحياة الطبيعية منها و الثقافية .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق