أضيف في 26 مارس 2017 الساعة 12:28

من يوميات مدرس ـ 2 ـ


المصطفى سالمي

كان مدرس اللغة العربية (سمير) يتحرك بخفة ورشاقة داخل فصله وهو يناقش محتوى الدرس وأبعاده بحماسة منقطعة النظير، رغم أن زملاءه في باقي المواد يحسون بمعاناة وروتين معتادين ـ بالنسبة لهم ـ في مثل هذا الوقت من أواخر الموسم الدراسي، كانت حصة مادة العربية تتناول نصا مسترسلا ينتمي إلى المجال الفني ـ الثقافي تحت عنوان: "مقلب"، وحاول المدرس (سمير) جاهدا أن ينبه تلاميذه إلى التصرف الفاضح، بل التحريف الشنيع الذي طال النص الأصلي الذي هو: (صرخة في الظلام) عن مجموعة: (خاطفو الظلام)، فنهاية النص الحقيقية هي غير تلك المثبتة في الكتاب المقرر، ذلك أن بطلي القصة أخوان تربص أحدهما بالآخر واستغفله وتظاهر بعدم حفظ نص شعري كان بمثابة شرط الوالد لكي يرافقاه لرحلة الصيد بالغابة، ونجح "مقلب" (عبده)، وطبق الوالد القانون الذي وضعه، وحُرم (برهان) من متعة مرافقتهما إلى الغابة..! هكذا كان الأمر بالنسبة لكتاب المقرر (المرجع في اللغة العربية)، وهكذا أريد تفاعل التلاميذ مع "مقلب كبير" ربما كان المتلقي ضحيته، فالحفظ مقلب، ولا يتم إلا بمقابل، وإلا فما جدواه؟ إنه الجزاء العادل لمن يحفظ، ولا يُعذر أحد بجهله للقانون.

تدخل مدرس اللغة العربية ليقرأ على مسامع تلاميذه النهاية الحقيقية للنص غير المدرجة بالكتاب المقرر، فالأب وابنه (عبده) صادفتهما مشاكل في الغابة، ذلك أن أنثى الخنزير الجريحة كادت تفتك بالأب لولا تحذيرات مجهولة المصدر. كان (برهان) بدوره وهو حين استسلم للنوم دامع العينين قد رأى حلما مزعجا، رأى ما يشبه المنظر الحرج الذي كان عليه الوالد في الغابة، وأصدر صراخا مدويا بأعلى صوته، مما أدى إلى استيقاظ الأم، وحكى لها ما جرى من حرمان من الرحلة، وحكاية الحلم، المثير في الأمر أن يسمع الأب وهو على بعد أميال تحذير ابنه القابع هناك في البيت، وهو الصراخ الذي أنقذ حياته، فطلب الأب من السائق العودة لإحضار ابنه والتكفير عن خطئه في حقه...

ما عاد "المقلب" إذن ذا معنى في القصة الحقيقية، لقد حلت الأخوة الصادقة محل المؤامرة، تساءل المدرس (سمير) مع ذاته وهو يجلس على كرسيه في آخر الحصة: "هل يراد للتلميذ فعلا أن يعيش حالة من الصفاء والتآخي مع محيطه؟ وهل يراد فعلا للتلاميذ أن يعيشوا حياة بلا مقالب؟ أم يراد عن قصد وتصميم وإصرار أن لا يكون هناك عيش إلا في ظل مقالب متبادلة، مقالب في السياسة، وفي الشارع والإدارة والتعاملات اليومية وفي كل مناحي حياتنا، وإن لم تكن المقالب هي مقاصد النصوص وأصحابها، فليتم زرعها زرعا داخل مقررات الدرس بعناية فائقة لا يعلمها إلا عليم"!

                                                                                                               ـ يتبع ـ

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق