أضيف في 24 مارس 2017 الساعة 17:35

عيد الشعر . .


ناصر سالم المقرحي

عيد الشعر

ما كان ليوم الشعر العالمي أن يمر دون أن يتفطن له أعضاء الجمعية الليبية للآداب والفنون ويحتفوا به ويحيونه في النفوس , وغني عن القول أن الشعر ارتقاء وفعل مقاومة وحياة وما أحوجنا اليوم إليه , ورغم أن الشعر حاضرا على الدوام ويتخلل تفاصيل حياتنا حتى وإن لم ننتبه له , إلا أن تخصيص يوم في العام للأحتفاء به يعد أمرا جميلا ومهما فيه من الصواب ما فيه , ففي هذا اليوم نعيد ارتباطنا بالشعر ونوصل ما أنقطع بيننا وبينه وننحاز دون مواربة للجمال لنحقق شرط إنسانيتنا التي لحقها الشك في العقود الأخيرة , وما يعانيه العالم من أزمات وحروب وصراعات وتطاحن هي الأعتى والأشرس منذ الحرب العالمية الثانية – بحسب تصريحات بعض المختصين – شاهد على لا إنسانية الإنسان وعجزه عن تحقيق هذا الشرط حتى الآن , وكفى بتوصيف لا إنسانية الإنسان وصمة عار تحملها الإنسانية في هذه اللحظة التاريخية المرتبكة , ما لنا وللعالم فنحن لا نستطيع تغيير العالم إلا بالقدر الذي نغير فيه أنفسنا , وأعتقد أن الشعر فعل تغيير للأفضل , إذ يفترض في الشاعر أو محبي الشعر ومتذوقيه أن يكونوا على درجة عالية من الرقي والتهذيب , وأنا مثلا لا أتوقع من شاعر أن يقتل أو يسرق أو يؤتي فعلا خادشا للإنسانية حتى وإن كان مدحا لسلطة غاشمة .

لندع العالم يتخبط في أوحاله ولنعود إلى الشعر الذي يستطيع بما يمتلك من طاقة إيجابية على نشر المحبة والسلام وتأثيث الحياة بالأجمل , ولا نبالغ إن ذهبنا إلى أن الشعر بمقدوره وهو الساحر أن يجعل العالم مكانا صالحا للعيش بعد أن لوثته الحروب والمجاعات وأخبار الفجائع , أو لنقل أن الشعر يلطف من وقع هذه الكوارث ويجعل الحياة محتملة إلى حد ما , ومن هذا المنطلق تقريبا صدر قرار اليونسكو باعتماد الحادي والعشرون من مارس يوما عالميا للشعر فيه ينعم العالم بجرعة إضافية من الجمال والعذوبة , وفي الإطار ذاته تندرج الأمسية الشعرية التي اقترحتها الجمعية الليبية للآداب والفنون يوم الثلاثاء الماضي وحظيت بحضور نوعي كبير أثبت وعلى خلاف ما يروج من البعض عن موت الشعر وأُفول مملكته , أثبت أن للشعر مريدين ومتذوقين على درجة عالية من رهافة الحس ورقة المشاعر , إذ هذا ما عكسه حسن الإصغاء وذلك التراسل الشعوري المتبادل ما بين الباث والمتلقي .

وفي كلمتها الأفتتاحية التقديمية تحدثت الأستاذة والمذيعة القديرة فريدة طريبشان التي أدارت الأمسية , عن الشعر وعن يومه العالمي الذي تم اعتماده العام 1999 وفقا لمتطلبات مُلحة منها أنُه يُقرب ما بين الثقافات ويحفظ التراث الشفهي ويلبي الأحتياجات الجمالية للعالم .

ومن هذا المدخل انتقلت إلى الشعر فقامت بتقديم أول من اختير للإلقاء وهي الشاعرة القادمة من مدينة بنغازي صاحبة دواوين " قصائد تتعقب ألفة الحروف " و " رائحة الظل " إنها الشاعرة فلسطينية المولد ليبية الهوى والمنشأ وجدان شكري عياش التي استهلت قراءاتها بقصيدة شجية حملت اسم " يا حب أدركني " وفيها ارتأت محاورة الحب والتمسك به كملاذ أخير لما يضطرم في ذاتها من مشاعر , أو أنها نداء استغاثة للحب لكي ينقد الإنسانية مما هي فيه من لا إنسانية , وجاءت القصيدة في أهاب كلمات نثرية رقيقة وجُمل ناعمة وأنسيابية , خاصة وأن ختامها كان عبارة عن تضمين لجمل من قصيدة بلد الطيوب الشهيرة , ولم تكتفي الشاعرة بالتضمين بل قرأتها مُنغمة وملحنة كما هي في الأغنية التي لحنها الموسيقار على ماهر , الشيء الذي لاقى إستحسان جمهور الحاضرين فانطلقت أكُفهم بالتصفيق بعد أن امتلأت أسماعهم بالشدو .

حنان محفوظ هي الشاعرة اللاحقة التي قدمتها مديرة الأمسية على أنها صاحبة ديوان " زهرة الريح " ونشرت نتاجها في الكثير من الصحف والمجلات المحلية والعربية وشاركت كذلك في عدة مهرجانات ولقاءات شعرية في ليبيا وتونس .

الشاعرة أطلقت قريحتها بالشعر مع قصيدة عن الأم التي كان الأمس يوم عيدها العالمي , والشاعرة لم تدخر صورة جميلة ولا وصفا بليغا إلا وأسبغته على أمها , حتى أنها تقول في ختام القصيدة :-

أمي

لم نعد نجد يقين ظل

سوى ظل يديك

قبضة من حنان ورحمة تحطينها بين جوانحي

كي أزداد ثقلاً في إنسانيتي

وأتسامى عن أحقادي .

ولم تبتعد كثيرا في قصيدتها الموالية عن هاته الحميمية الدافقة والعاطفة الجياشة فقرأت قصيدة موجهة لطفلها , عرَّجت فيها على الواقع الليبي اليوم وأشارت من طرف خفي إلى الطفولة المهدورة والبراءة التي تعرضت للانتهاك وهي ترى الأطفال يلتحقون بالتشكيلات المسلحة ويرتدون الأزياء العسكرية ويحملون البنادق والرشاشات بدلا من الكتب والاقلام , قصيدة موجعة أقفلتها بهذه المقاطع المؤسية والتي لا تبعث على التفاؤل .

كل حرب تصاب الأدمغة بالعقم

والبناطيل بالهلوسة

يتكاثر العبوس

لا داعي لأستعمال المبيدات

فنحن نقتل الأمل .

الأسود يليق بنا

الغيم أسود يستغول فوق السطح

السماء سوداء

ملئها سحب عقيمة إلا من الموت

الموت تفقأ مرارة الأرض

الحقد متناسل في ضمائر شياطين الحرب

يرفع رايته السوداء

ويهيم كالدراويش في الحضاري

الدخان أسود .

على هذا المنوال تسير القصيدة التي وصفتها الشاعرة قبل إلقاءها بالنص السوداوي حيث ترددت مفردة السواد بأشكال مختلفة وترجمت في نهاية الأمر المزاج الأسود الذي أنتجها وعكست حالة الجمود والأنسداد الذي وصلت إليه شؤون الوطن .

غير أن الشاعرة لم تتركنا معلقين في سديم السواد واختارت أن تختم إلقاءها بنص مرح كما وصفته وأسمته " مُكحلة " وفي قالت وأبدعت :-

هذا هو الالم الحزين ما أثقله

فرحٌ بلا شمع بلا نور ما أبخله

أوكُلما آنستُ فرحاً جاء حزني وجلله

وأنا لي دمعٌ جارف وحبيب عارف يملئني بالأسئلة .

وهكذا بهذه القافية شديدة الوقع على السمع حتى نهاية النص .

حواء القمودي هي ثالث من ألقى قصائده ومثل الكثير من الشعراء شغلها همُّ الوطن عمن سواه وتسربت محنته إلى شعرها فتفجرت القصائد بالوجع والحزن على ما آلت إليه أحوال الوطن من تمزق وفرقة وتشتت .

أقول سلام لبلادي

أهبها روحي فتهبني ركنا قصيا .

حتى أن الشاعرة تتساءل بحرقة في نصها الأفتتاحي .

حين أغمس قلمي يتلون بالأحمر

لماذا هذا الأحمر يتكاثر ؟

من يتطوع ليجيب الشاعرة عن سؤالها الذي هو بحجم وطن يترنح تحت ضربات أبناءه ويتكاثر في قلبه الوجع , لأنهم انتعلوا عقوقهم وأوغلوا في الغي .

قرأت الشاعرة بعد ذلك قصيدة " دون خوف " ثم قصيدة " وحيدة " ثم قصيدة " أنهم في انتظاري " التي اهدتها للقاص محمد الزنتاني وللشاعرة سميرة البوزيدي , ولم تكن هاته التي ينتظرها الكل سوى القصيدة التي تأخرت في المجيء فاستدرجتها الشاعرة إلى شباكها وكتبتها , وكان لا بد من أن تجيء القصيدة ولا تخذل منتظريها ولان الشاعرة حين تعترف قائلة :-

أنا أكتبك

أقاوم بكِ الخراب .

لن تعود القصيدة مجرد قصيدة بل حبل نجاة ونبراس أمل ومبرر وجود .

ولن تبتعد الشاعرة كثيرا عما تحب , وفضح النص التالي الذي كدست فيه مفردات تعود للبيئة التي عاشت فيها والحنين الجارف الذ يعاودها في الشعر ويحيلها إلى كائن خفيف شفيف يرى نفسه هناك في السانية قرب البئر العتيقة وتحت النخلة العالية .

ولفرط شفافيتها تتساءل الشاعرة . .

فهل أُعيد ترتيب الأسماء

فأُسمي الشمس خديجة الجهمي

وأُسمي البحر علي صدقي عبدالقادر

والقرنفلة جنينة السوكني !!

هكذا ببساطة تخلع على من تحب أجمل الأوصاف وتشبههم بالشمس وبالبحر وبالقرنفل .

واستثمرت مقدمة الأمسية الفاصل القصير لتُذكِّر بالنشاط الأستثنائي الذي ستقيمه الجمعية يوم 27 من الشهر الحالي والمتمثل في أحتفالية مصغرة باليوم العالم للمسرح الذي يوافق هذا التاريخ حيث ستُقرأ كلمات وبحوث من الأساتذة منصور أبوشناف وأحمد عزيز ومفتاح قناو تتعلق بتجربة الكاتب المسرحي فرج قناو .

رامز النويصري الشاعر والناقد وصاحب المشاركات العديدة والمتنوعة في المهرجانات والملتقيات الأدبية والمشهود له ببصمته الواضحة في الصحافة الإلكترونية , ويكفي أن نقول انه مؤسس وصاحب موقع بلد الطيوب الذي قدم للثقافة الليبية خدمات جليلة على مدى عقود ولا يزال , وصاحب دواوين " مباهج السيدة واو " و " فيزياء المكان " و " من سيرة المشاكس " . رامز النويصري وهو رابع الشعراء الذين تناوبوا على طاولة الإلقاء تلى نصوص " حلم الخروج " و " وطبول الحرب " الذي كتبه متأثرا بالحروب العابرة لليبيا اليوم ونص " لم أسطع معك صبراً " أهداه إلى الكاتب رضوان أبوشويشة . ونضحت النصوص المقروءة بشعرية غامرة وببساطة آسرة ترقرق معها الشعر عذبا فراتا وانسابت المعاني في الذوائق سلسبيلا , قصائد لم ترهق المتلقين بتكلفها أو بافتعالها للشعر , سيما وأنها قصائد نثرية لم تلتزم بحرف روي أو بإيقاع مدروس وولدت هكذا كما هي عارية من كل زخرف .

ودائما بين الشعر والشعر وفي الفواصل يتم التذكير بالانشطة المبرمجة للجمعية حيث جرى الإعلان عن مناشط شهر مايو القادم والمتمثل في محاضرة يلقيها الأستاذ أمين مازن تحت عنوان " معارك الامس "

أطلق بعدها الشاعر عمر عبدالدائم صاحب ديوان " تسكنني " والذي يكتب الشعر والنقد , أطلق عصافيره لتجوب المدى باحثة عن الحرية والالق لتعود إلينا في هيئة قصائد شجية أياً كان موضوعها تراها مُثقلة بالموسيقى كعناقيد عنب أدركها النضوج , وبصرف النظر عن المعاني الإنسانية السامية التي انطوت عليها القصائد يمكن للمستمع أن يتفاعل فقط مع الإيقاع غامر العذوبة المتولدة عن القوافي الجميلة التي توج بها الشاعر أبياته التي تحدثت سلاستها المعتادة عن الأم والحب وطرابلس حبيبة الجميع وعن مداهمة القصيدة للشاعر ومفاجأة سهوه وحين يخاطب سيد الدهشات , هذا الذي ككائن نوراني ظلت القصيدة تحاول رسم صورة جلية لهُ , هذا الذي يهمس له الشاعر .

أفرد جناحيك , حلق في أعاليها

بئس السماء , سماء لم تكن فيها .

وحين اجتمعت في شعر عمر عبدالدائم الذي نثرهُ كعطر استثنائي , الرقة والشعرية والتدفق والسلاسة وصدق المشاعر والعاطفة المشحونة والبوح المشبوب وتوهج المعنى ورُقي الخطاب , حين اجتمعت هذه العناصر شكلت توليفة رائعة جعلت الجمهور يتفاعل مع هذا الشاعر أكثر من غيره لأنه شدهُ إلى ناصية شعره المسبوك جيدا والمُشتغل عليه بحذق .

" الإعلام والسلم الأهلي " أيضا عنوان آخر مُقترح من قبل الجمعية الليبية في الأشهر القادمة كندوة يشارك فيها أساتذة مختصون في هذا المجال بحسب ما أعلنت مديرة الأمسية .

يُستأنف الشعر هذه المرة مع الشاعر والصحفي صاحب دواوين " ما تبقى من مسيرة الوجد " و " بعضا مما خبأ الياسمين " وترأس في فترة ماضية هيئة تحرير مجلة الثقافة العربية , محمد المزوغي الذي تلى من جهته عدة قصائد عمودية مطولة حمّلها شجونه وهمومه كإنسان وكشاعر وكمواطن ليبي يرى بعين الحسرة ما آل إليه حال الوطن والبلاد وبدلا من ان يستسلم لليأس ويذعن للقنوط أطلق عقيرته بالشعر لعله بفعلهِ هذا ينقد ما يمكن انقاده أو على الأقل ينأى بنفسه عن الخراب ويقلل من زحفه وسطوته على رقعة الوطن من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه , وللوطن دين على الشاعر أن يؤديه وهذا الشعر الجميل الشعر الذهب بعضا من دين الوطن في ذمة الشاعر ولعلنا كنا شهودا يوما بأن الشاعر قد أدى بعضا مما علق بذمته للوطن ورد شيئا من جميل صنيعه .

وهذا شيئا مما قرأ الشاعر .

وعلى بلادك كل من أوليتهم

ثقتك أروك الغدر كيف يكون

إن الأخوة في السياسة كذبة

قتل الأمين فما بكى المأمون

قتلوا أبن مقلة ما بدا في مقلة

حزن ولا في الكاتبين حزين .

الشاعر نصرالدين القاضي صاحب ديوان " من سيرة الصباح والمساء " الذي قرأ شعره بأكثر من مناسبة في ليبيا وفرنسا وتونس قرأ من قديمه وجديده فأسر القلوب بإلقاءه الحماسي في غير افتعال وطريقته الرائعة في القراءة التي رافقها بحركات يديه اللتين ظلتا ترتفعان وتنخفضان تبعا لقوة المعنى وتردد الإيقاع , ومن رآه في حالة الأستغراق تلك رآه كصوفي عريق ولا شك حكم بأن الشاعر كان في تلك اللحظات شاعراً من قمة رأسه حتى أخمص قدميه , شاعرا بأسره يجلس أمام الجمهور لتقوله القصيدة لا ليقولها , يقرأها بشغف كما تريد هي لا كما يريد هو , وغني عن القول أن الشاعرية ألقت بخفتها على القاعة فلا تسمع همسا , سيما وأنها – أي القصائد – تنهل من قاموس لا يمت للخراب وللواقع المأزوم بصلة , شِعرية تنتصر للحب وللجمال وللخير رغم الواقع الملتبس , شعرية تتوسل مفردات مثل الحدائق والعصافير والأشتهاء والمسرات والنشوة والقُبل كفيلة بأن ترتقي بالمستمع لها إلى فضاءات الامل والحبور .

ولا نُخطئ إن قلنا أن الشاعر نجح في نقل عدوى الأمل إلى الجمهور الذي يقابله وضخ فيه قدرا من التفاؤل والسرور رغم معاناة الشاعر الذي تعرض مؤخرا لعملية سطو مسلح , ولعل بث السرور ونشر الجمال في كل الأحوال هدف من أهداف الشعر وقدر الشاعر أن يكون جسرا للجمال ومعبرا للأمل .

والشاعر وحتى آخر نفس ظل يتغنى بالحبيبة وبالوطن وبالسفر وبالموسيقى وبالحدائق وبالعصافير وبكل ما يمت للحياة بصلة ويتعالق معها بوشائج متينة , لما لا وهو الشاعر نصرالدين القاضي .

وطوف بنا الشاعر عبدالله الماي في أفاق الشعر بومضاته شديدة التركيز كثيفة المعني , والتي هي الأخرى كانت مثقلة بالشعر رغم انزياحها بين الحين والآخر نحو الحكمة والقول السائر إلا أنها وفي كل الأحوال قدمت شاعرا ليس له حضور قوي في الساحة الشعرية ولعل هذه الأمسية أدت بعضا من مهامها حين استدرجت هذا الشاعر من عزلته ووضعته وجها لوجه أمام جمهور نخبوي ومتذوق للشعر

آخر الشعراء وختامها مسك كما يقال كان الشاعر الفلسطيني المقيم بليبيا منذ عقود الشاعر جميل حمادة صاحب دواوين " قصائد من رذاذ المدينة " و " أسئلة الهذيان " على سبيل المثال , استهل قراءته بقصيدة عن طرابلس ومُهداة إلى طرابلس , قصيدة حب شاهقة ومُغناة طويلة هذه القصيدة التي وشت بتلك العلاقة الوجدانية الخاصة والعميقة بين الشاعر وطرابلس وفناء أحدهما في الآخر عن طيب خاطر , ومثلما محضها حبه وشوقه بادلته المدينة التي فيها كل شيء الأصدقاء والأماكن والأجواء الحميمية والشعر والتاريخ , بادلته حبا بحب , ومثلما أعطاها من شعره أعطته من فيض فتنتها وإلهامها ووهبته أسرار تألقها حتى تعينه على كتابة القصيدة بحبر معجون بالحب والتوق والحنين إلى كل ذكرياته فيها وبها .

كتب الشاعر وهو الحداثي في أغلب إنتاجه الشعري هذه القصيدة وفقا للبناء التقليدي , وفي خطوة جريئة وتجريبية يُحسد عليها قرأ الشاعر علينا قصيدة " من محطة الأوتوبيس في كوكب بلوتو " التي بدت أقرب إلى أدب الخيال العلمي لمّا احتوت على بعض السرد ومفردات مثل المجرات وأسماء بعض الكواكب والسفر عبر الفضاء والأتوبيس الذي يسير بين الكواكب , حتى أننا كمستمعين كدنا ان نربط الأحزمة ونحن نتتبع إيقاع هذه الرحلة التي تنقل بنا الشاعر عبرها من كوكب إلى آخر ورصد بعدسة الشعر ما صادفه في تلك الرحلة , بقيَ أن نشير إلى أن شيئا من السخرية والتهكم والرمزية طفحت به القصيدة وإن كان بشكل مضمر وغير ظاهر .

قصيدة " وصلة لسير الغائبين " هي آخر ما قرأ الشاعر قبل انتهاء الفعالية وفيها حشد الكثير من المصطلحات والشخصيات والأحداث وعناوين الأعمال الأدبية والأمكنة حتى أن المنصت إليها لا بد أن يكون ذا ثقافة عالية حتى يستوعب ما جاء فيها من معاني ويتفاعل معها التفاعل الأمثل , أما فيما يخصني وبعد التجوال في التاريخ وفي الشعر وفي الادب وفي الأساطير وفي الحكايات والأحداث وبعد استحضار كل هذا الكم من الشخوص التاريخية والنبش في الذاكرة وهذا الفيض ذو النسق الملحمي , ألتقطت الجملة الشعرية التي تندرج في إطار وغرض الفخر والتي تقول :-

نحنُ آخر المرتفعات

ومن بعدنا تنحدر الأرض .

وهي الجملة التي أرى أنها مترعة بالشعر إلى الحد الذي يغنيني عن الكثير ويلبي حاجتي للشعر أو لنقل أن هذه الجملة القصيرة تكفيني وتسُد رمقي شعرياً .

عند هذا الحد تنتهي الأمسية التي حضرها جمهور معتبر من اصدقاء الدار ولم تمنعه برودة الطقس وهطول المطر من الحضور والأستماع إلى الشعر طازجا من قرائح الشعراء , ونأمل بهذه الحوصلة أن نكون قد أفلحنا في نقل أجواء الأحتفالية التي تواصلت لما يقارب الساعتين لمن لم يتسنى له حضورها .

وبما أن الحديث عن الشعر والشيء بالشيء يذكر فلا بأس من أن نختتم المتابعة بالشعر فأقول :-

أغمض عينيك

ودع الشعر يقودك حين لا وجهة في البال

ولا طريق يؤدي إلى أين

دع الشعر يقودك لما تلتبس عليك العناوين

وتأخذك الدروب إلى خارج الجدوى

دع الشعر يقودك

إذا ما أظلم أُفق الرغبات

وغامت في الروح الأحلام

دع الشعر يقودك

إلى ما لن تصل بعير نوره

وإلى ما لم يصل البشر

دع الشعر يقودك

أستسلم لذبذباته تقترف العذوبة

وتخترع الضفاف

دع الشعر يقودك

لما يتكدس في مسارب العمر طين الخيبات

وتغوص أقدامك في أوحال اليومي والمكرور

دع الشعر يقودك حين تحاصرك بنات الفوضى

وتلتف حولك حيات الهواجس

دع الشعر يقودك عندما لا مناص من الحياة

ولا مفر من البهجة

دع الشعر يقودك

عندما يتعطل الرقص

وتغور في اعماق النفس الموسيقى

دع الشعر يقودك

وأذعن للذيذ خدره

وعلو نفحاته .

لن تخسر

في كل الأحوال

دع الشعر يقودك .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق