أضيف في 22 مارس 2017 الساعة 00:01

الناقدة التشكيلية خيرة جليل : الفنان عزيز المسناوي : هيولية الخط الزمامي والتشكيل التجريدي ، صورة مغربية في أبجدية الفن التشكيلي المعاصر .


خيرة جليل

الفنان عزيز المسناوي : هيولية الخط الزمامي والتشكيل التجريدي ، صورة مغربية في أبجدية الفن التشكيلي المعاصر .

وإذا كان بعض علماء الجمال قد عرفوا الفن بأنه إرادة الصورة في ذلك فإنهم فطنوا إلى أن العمل الفني هو في جانب كبير منه مجرد خلق لمجموعة من العلاقات الصورية، كما أن العناصر التي يستخدمها الفنان ترتب على نحو يجعلها ذات قيمة فنية عميقة. وإذا كان "هربرت ريد" قد نفى أن يكون معنى الشكل متضمّنا لمعنى الانتظام أو التوازن، فإن "جُيروم ستولنيتز" قد رأى أن هناك أربعة معاني من أكثر معاني اللفظ (أي الشكل ) شيوعاً، وهى:

-المعنى الأول:تنظيم عناصر الوسيط المادي أي تتضمنه اللوحة، وتحقيق الارتباط المتبادل بينها. فعناصر الوسيط هي الألوان والخطوط..الخ، والشكل لفظ يدل علـى الطريقة التي تتخذ بها هذه العناصر موضعها في العمل كلّ بالنسبة إلى الآخر، والطريقة التي يؤثر بها كل بالنسبة للآخر،وقد علق عليه "ستولنيتز" بأنه تعريف عام، ولا يقدم إلينا من المعلومات أكثر مما يقدم وصف "كولريدج" الممـاثل للشعر بأنه أفضل الكلمات في أفضل نظام. فهو - أي التعريف - يمثل ثوبا فضفاضاً يحتوى كل شيء أو يمكن تكييفه تبعا للأشياء الداخلة فيه. وان كان - على حد قول"ستولنيتز" ليـس شاملا بما فيه الكفاية. وهذا يأخذنا إلى المعنى الثاني.

-المعنى الثاني:الذي يرى أن الشكل ينطوي على تنظيم للدلالة التعبيرية. إذْ أن تنظيم التعبير لا يؤدى فقط إلى زيادة الدلالة الفكرية للعمل، بل إنه يضفى على العمل وحدة أيضا.

- المعنى الثالث: فإنه كثيرا ما يستخدم لفظ الشكل للدلالة على نمط محدد من التنظيم، يتصف بأنه تقليدي ومعروف. ومن أمثلة ذلك شكل "السونيت" Sonnet).

- المعنى الرابع :فإنه يرى أن استخدام كلمة شكل - في بعض الأحيان - يكون فيه مدح أو استحسان، أو ذم أو ستهجان فالقول بأن هذا شكل جيد، أو هذه اللوحة بلا شكل. هذا المعنى لا يمكن أن يستخدم في التحليل الفني. لأننا لا نستطيع أن نقرر إن كان الشكل جيداً أو رديئاً إلا إذا كنا نعرف ماهو الشكل ؟.

وإذا كان "ستولنيتز" يجد ضرورة معرفتنا لما هو الشكل؟ قبل أن نتكلم عـن الشكل الجيد أو الشكل الرديء. فإننا نجد أن "هربرت ريد" يضع شروطا، توافرها، حتى يصبح شهادة للشكل بأنه جيد. ويرى أنها هي تلك الشروط التي تمنح المسرة، ليس فقط لحاسة واحدة فقط في وقت واحد، بل وأيضا لحاستين أو أكثر تعمل معا، وأخيرا لذلك الخزّان الحاوي لحواسنا جميعا الذي هو عقلنا..

وإذا كانت حالة الإبداع في الخط المغربي بجميع أنواعه الكوفي المغربي المرابطي الثلث المغربي بنوعيه الجلي والعادي المبسوط بنوعيه الجلي والعادي والمجوهر فقد استقر الخط الأندلسي المتمغرب في خمسة أنواع، وأشكال:

المبسوط:.والخط المجوهر:.الخط المسند أو الزمامي: وهو خط خاص بالوثائق العدلية والمذكرات الشخصية والتقييدات الذاتية.و أخيرا الخط المشرقي و الخط الكوفي: .

فإننا اليوم أمام أعمال فنية للفنان عبد العزيز المسناوي الذي استغرق بحثه الفني أكثر من عشرين سنة ليعلن عن لوحاته الفنية التي جعلها زينة لبيته وبيوت أصدقائه وعائلته باستثناء بعض المعارض الجماعية العالمية ، دون أن يعرضها أمام العموم المغربي لأنه مازال يفكر في تجربته والتي تجعلنا حائرين في تصنيفها ضمن المدارس التشكيلية الكبرى ،ولكن نجزم بأنها تجربة فنية فريدة من نوعها . ففي لوحاته مزج بين الخط المغربي وبين بعض لمسات المدرسة الانطباعية والتجريدية مما أعطانا منتوجا فنيا ينم عن ذائقة جمالية راقية يجب أن نقف عندها بالدراسة والتمحيص .

فكيف تعامل الفنان المسناوي مع الشكل الفني ؟ وما هي خصوصية هذا الخط الذي وظفه في لوحاته ؟ وهل لوحاته تدخل في فن الكليغرافية أم الانطباعية أو التجريدية ...؟ وما هي خاصية الألوان والرموز التي وظفها ؟ والى أي حد يمكن أن نقول أن عمله يحمل إضافة فنية للحقل الفني المغربي؟

إن المتأمل العادي لإعمال الفنان المسناوي يدرك عن قصد أنها أعمال فنية مائزة ومتجذرة ومنفتحة وكاشفة عن الإمكانيات الإبداعية للثقافة المغربية وذلك تماشيا مع ما قال المرحوم ادمون عمران المليح في مقال له معنون ب"حضور الرسم المغربي " ("فكر وفن") العدد 44 ،1986 عند تحدثه عن خصائص التشكيل المغربي . والأكثر من ذلك أن فنه معبر عن الثقافة المغربية لعدة أسباب .

إن رسم الفنان قد افلح في " تمثيل " الثقافة المغربية حيث لديه سبب انتفاء حاجز اللغة لأن ألوانه و أشكاله تمثل – وبلغة فريدناند دي سوسير – التي يستعين بها إدمون-"الدال"و"المدلول" أو بلغة أخرى "الحامل"و"المحمول " في آن واحد،1..... والفنان المسناوي بالرجوع إلى تكوينه هو فنان عصامي يمتهن فن المسرح والتمثيل ، ونحن نعلم أن المسرح أبو الفنون ومما يزيد من عمق تجربته هو تخصصه بالدرجة الأولى ،قبل أن يعتلي خشبة المسرح كممثل ، في فن الديكور والذي كان يعتمد على رسم لوحات تمثل فضاء المسرحية ،مما يجعل تجربته التشكيلية غنية وتمتح من تجربتها المسرحية و موروثها الثقافي المتعدد الروافد الفنية واللغوية من عربية ،امازيغية ،إسلامية ،افريقية وحسانية ....مما جعل الفنان لا يحس بأدنى مركب نقص ب"التجذر في تراثه أو في ثقافته المحلية المخصوصة . ولا مجال لما يسمى ب"الرسامين الفطريين"لما ينطوي عليه هذا التوصيف من حكم لا يعبر عن مضمون هؤلاء باعتبارهم رسامين بمعنى الكلمة كما نبه لذلك محمد القاسمي في إشارة من إدمون. فالمسناوي فنان من نوع آخر، يمارس فنه عن وعي بمعنى الإبداع بمفهومه الفلسفي الجمالي الأعمق ولا ينسلخ عن الثقافة المغربية وخصوصا " الشعبية " في أنماطها المختلفة وتعبيراتها الحية بمعنى" الانسلاخ " ، فهو يبدع بمرجعية ثقافية لأنه في الغالب يعمل على نصوص مسرحية تتطلب ذائقة فنية راقية وواعية بجميع أدوارها لتجسيد واقعه المغربي ، وما يعرفه من تحولات وإرهاصات فكرية واكراهات يومية. إنه يمارس الفن التشكيلي في إطار أو سياق " الانخراط الواعي "....2 وهذا راجع لنشأة الفنان المسناوي ببيئة غنية ينهل من رموز الزريبة والخزف والفخار ( اللوحة ) والنسيج والتطريز والأعمال الجلدية والنحاس والحديد المسبوك و النقش على الخشب ....وفي مدن بحرية ( العيش بين الدار البيضاء وطنجة وأصيلة وتطوان والرباط ) ،مما جعل الألوان الزرقاء بجميع درجاتها تطغى على أعماله بالدرجة الأولى ،لكن لمسته تتجلى في تأثيث هذه اللوحات بكتابات في مظهرها العام هي كتابة مغربية . مما يجعلنا نتساءل عن ماهية هذه الكتابة وفي أي اطار يمكن إدراجها ؟ و كيف استطاع التوليف بين الكليغرافية والرسم للخروج بعمل تشكيلي له مرجعية ثقافية لفنان له شخصية كرسام،وشخصية كمغربي مسرحي؟

إن تأثيث لوحاته بكتابة عربية مرموزة هو امتداد من ثقافته الشعبية وتنشئته الصوفية التي تعتمد على ولوج المسيد أو الكتاب القرآني بالدرجة الأولى . وفي اطار محاولتي لتصنيف هذه الكتابة التي وظفها في لوحاته إلى جانب الرسم ، اكتشفت أن اللوحات بحروفها العربية المنفصلة أو الكلمات والجمل المستمدة من المعجم القرآني تستمد مرجعيتها من النظرة التقديسية للنصوص القرآنية و لشخصية الفقيه الممتلكة لهذا العلم الديني المتشعب والمالك لأسراره في التنشئة الاجتماعية التي تلقاها الفنان ، وهو صغير . لقد كانت الكتابة بالنسبة إليه طلاسم ورموز يصعب فك شفرتها ، وقراءتها وهو تحدي للفنان في طفولته خصوصا مع انتشار ثقافة فك الخط ألزناتي في الثقافة الشعبية . وفي اطار تعميق البحث وجدت أن هذه الكليغرافية تنطوي في اطار الخط المسند أو الزمامي: وهو خط خاص بالوثائق العدلية والمذكرات الشخصية والتقييدات الذاتية. وهو ما كان يعتمده الفقهاء وكتاب العدل في توثيق العقود والمراسلات وعقود الزواج والإرث ..... ونظرا لجهل عامة الناس لماهية هذا الخط وضوابطه، فإنهم كانوا يطلقون عليه الخط الزناتي .

وفي اطار بحثي عن المقصود بالخط الزناتي وجدت انه "هو «الخط الزناتي» نسبة إلى الشيخ محمد الزناتي الذي طوره ووضع له أسسا وقواعد «علمية» ضمنها مؤلفه الشهير: «كتاب الفصل في أصول علم الرمل» فتطورت الممارسة وانتقلت فيما بعد من ضرب الرمل على الأرض إلى «علم معقد» «يمارس بالمداد والورق ولا يفلح فيه إلا الحاذق من الفقهاء والشيوخ الذي يكون متمكنا من هز الخط: أي رفع الأثر وقراءته لطالب الاستشارة». وهذا امتداد للثقافة الشعبية التي نشأ فيها الفنان المسرحي والتي تقول : ويعتبر الخط الزناتي أكثر أشكال قراءة الطالع مصداقية نظرا للهالة العلمية التي تحاط به في وسط العامة ،والحقيقة أن الشيخ الزناتي ومن جاء من شيوخ الحكمة قد بذلوا جهدا كبيرا في جعل خط الرمل شبيها بأبراج الكواكب والنجوم » 3 ولهذا قد نتفق أو لا نتفق مع مصداقية ما جاء حول هذا الخط ، السؤال الذي يطرح نفسه : هو لماذا الفنان لجأ إلى هذا الخط لتأثيث لوحاته التشكيلية ؟

بعد دراسة وتمحيص للوحاته لاحظت أن هذه الكتابة تزيد كثافتها في منطقة لتنفرج في مناطق أخرى بذكاء وجرأة لتنبثق منها رسوما وأشكالا تجريدية لونية أو أحجاما بيضاوية ، وكلها ترمز للثقافة الشعبية عند تَخرُّج الدَّارس للقرآن الذي يحمل لوحته المكتوبة بسور قرآنية بالصمغ ويطوف على أمهات باقي " الطَلْبة" وتعني طالب العلم لجمع البيض ، وهو رمز من رموز تخرج طالب العلم في البوادي المغربية ومازال مستمرا إلى حد الآن في بعض المداشر بالجنوب المغربي حيث مازال العرف القبلي يضبط العديد من العلاقات الاجتماعية ،ورغم انتقال العديد من الأسر نحو المدن الكبرى مازالت تحتفي بمثل هذه المراسيم بحضورها سواء بمنطق تافراوت أو تارودانت أو العطاوية وسيدي رحال بإقليم السراغنة .... فالفنان احتفى بمورثه الثقافي والديني في لوحاته وهذا يجعلنا نقول: إنها نستالجيا الذات المبدعة للطفولة البعيدة وتأريخ لذاكرة جيل هو في طريق الانقراض ليحل محله جيل العولمة والطفرة الالكترونية السريعة، والتي تلتهم كل موروث شعبي وهذا تأريخ تشكيلي بواسطة أعمال تشكيلية لا تقل قيمة عن ما عبر عنه العلامة ابن خلدون، وهو نتاج هذه الآفاق، الذي جال في أرجائها، واستبطن أحوال أهلها، وسبر أغوار ساكنتها، واستقرأ الثابت والمتحول عندها، كان أحذق علماء الحضارة الذين درسوا خصائص الشعوب والأمم، كما تبلور ذلك من خلال نظريته في العمران البشري التي ضمنها مقدمته المشهورة، وأملت عليه كتابة تاريخه الكبير المسمى ب "العبر"، وقد التفت بصفة أساسية إلى جملة من خصائص أهل المغرب والعوامل الكامنة وراءها، والبواعث التي أدت إلى سيادتها وفشوها في البلاد عبر العصور، واستمرارها فيه في الأقطار والأمصار. ولعل أهم تلك الخصائص هي المتعلقة بمحورية القرآن الكريم في حياتهم الدينية ونظمهم التعليمية، ومالهم في حفظه وتحصيل علومه من النبوغ الذي لا يضاهيهم فيه شعب من شعوب ديار الإسلام. فالفنان حين يرسم ذاكرة شعب فانه يذكرنا حين يتحدث ابن خلدون في تاريخه عن هذه الساكنة، فيُلفت النظر إلى هذه الخاصية فيقول في هذا السياق: "وأما إقامتهم لمراسم الشريعة، وأخذهم بأحكام الملة، ونصرهم لدين الله، فقد نُقل عنهم من اتخاذ المعلمين لكتاب الله لصبيانهم، وتدارس القرآن بين أحيائهم، وتحكيم حملة الفقه في نوازلهم وقضاياهم... ما يدل على رسوخ إيمانهم، وصحة معتقداتهم، ومتين ديانتهم، التي كانت ملاكا لعزهم، ومقادا إلى سلطانهم وملكهم"[4]. ليضيف حين تحدث في مقدمته عن مذاهبهم في التعليم الأولي، وإشكالية ترتيب الأولويات فيه قال: "اعلم أن تعليم الولدان القرآن شعار الدين، أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض فنون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات".(5) وهكذا ينتهي بنا ابن خلدون إلى إبراز أهم خصوصية للمغاربة في هذا المجال، وهي خصوصية عريقة في واقعنا التاريخي، وما تزال لها وجود إلى يومنا هذا ، مما جعل الفنان المسناوي يحتفي بالخط المغربي لكن ربطه بأسطورة الخط الزناتي تماشيا مع المقولة التي تقول : حين ينتهي التفسير العلمي لظاهرة معينة تبدأ الأسطورة لفك الألغاز العالقة لدى العقل البشري ،علما بأنه يمارس فن الخط المغربي لمجوهر لكنه وظف هذا الخط ذلك كرمزية لكشف اللثام عن فن مغربي عريق . فهو بذلك يمارس فنه كمهارة لديه كخطاط مبدع من حيث المرونة والمطاوعة و الميل إلى الاستحداث والابتكار والإثارة والإعجاب والامتزاج الفني والروحي والتدريب المستمر والتركيز الذهني الجيد وحيوية الخطوط وقابليتها على التشكيل و مواكبة روح العصر بالمحافظة على الأصالة الثابتة في اطار التنافس المشروع بإشاعة روح الجمال . لكنه يرفض أن يصنف في خانة الخطاطين فيدخل التجريد واللعب بالألوان لتوليد أشكال فنية تارة من الانطباعية وتارة أخرى من التجريدية في رمزية محتشمة لتجسيد بعض الأجسام تارة ، وفي إفصاح واضح لها وسط الكتل التجريدية تارة أخرى. مما يجعلنا نحس بالراحة النفسية والانجذاب والسفر عبر مساره الفني في رحاب ألوانه التي في عمومها ألوان تعبر عن السرور والانفتاح الفكري والثقة في النفس، خصوصا وهو من يلعب على خشبة المسرح و أمام كاميرات التلفاز بكل أريحية ...

فيما يخص تعامله مع مكونات المنجز الفني ، نلاحظ انه يأخذ نفس طويل ليقرر ما يفعله سواء في تعامله مع الصباغة من حيث المزج والانتقاء أو الكتلة اللونية و توزيعها داخل فضاء المنجز التشكيلي ليسهر على توازن وتوزيع تلك الكتلة اللونية من المركز نحو الأطراف مما يحيلنا على فكرة التموقع الجيد في تنفيذ وإنزال أفكاره على الفضاء الأبيض والذي عادة ما يلونه بلون موحد يشكل قاعدة أولى لتنفيذ مشروعه الفني .

ضرباته بالفرشاة معظمها خفيفة ومتأنية و مركزة في الوسط بدقة متناهية لتدخل جدلية المد والجزر مع كتلة الخطوط والكلمات في وثيرة تعبر عن الحركة والسكون في منظومة متتالية نسقية تتكرر بنفس الحركة .إن الحركة والسكون متلازمتان تحيلنا على الحركة والسكون الذين كان يقوم بهما فقيه الكتاب عند خياطته للجلباب المغربي ،فهو ينصت لطفل يستظهر القرآن الكريم ويغرز الإبرة بموضعها الصحيح بدقة متناهية والإنصات لاستظهار الطفل للقران الكريم . من هنا تكون قمة التركيز لديه لإتقان الخياطة التقليدية والحفظ الجيد لدى الطفل باستحضار التغذية الراجعة للسور القرآنية وضبط مخارج الحروف واحترام علامات الوقف والغنة والقلقة وكلها ضوابط تتطلب الممارسة اليومية والتمكن الجيد مما ابهر الفنان في طفولته ،وهذا كان لا يقتصر لدى فئة معينة بل المغاربة عامة .... ولعل أهم هذه الخصائص هي المتعلقة بمحورية القرآن الكريم في حياتهم الدينية ونظمهم التعليمية، ومالهم في حفظه وتحصيل علومه من النبوغ الذي لا يضاهيهم فيه شعب من شعوب ديار الإسلام، كما ذكر ابن خلدون في تاريخه ودراسته ، ومن هنا نستخلص انبهار الفنان بذلك مما حاول ترجمته في الحركة التي يمثلها رسم الحرف والكلمة والسكون بمساحة اللا لوان ....ومن هنا نجده يتطلع لخلق فن تشكيلي يستمد مرجعيته من القاعدة الشعبية بغناها وثرائها الحركي واللوني ويتطلع إلى التأسيس لفن منفتح على المعاصرة بمعناها العريض في اطار مواكبة روح العصر بالمحافظة على الأصالة الثابتة و التنافس المشروع بإشاعة روح الجمال.

عموما وجود هذه العناصر السابقة الذكر لدى الفنان في المنشأ الفني مجتمعة في إطار معين هو الذي يضفى عليها القيمة الجمالية خصوصا مع ترابط عناصر العمل الفني ارتباطا وثيقا لا سبيل إلى انفصاله. والشكل أصبح لدى الفنان عزيز المسناوي هو القيمة النفيسة للفن والمميزة له والشكل في أعماله يوضّح وُيثْرى وينظم التعقيد، ويوحّد العناصر البنائية للعمل الفني تماشيا مع ما جاء به "جيروم ستولنيتز" في حديثه عن الشكل الفني والذي ينطوي على تنظيم للدلالة التعبيرية. إذْ أن تنظيم التعبير لا يؤدى فقط إلى زيادة الدلالة الفكرية للعمل، بل إنه يضفى على العمل وحدة أيضا في اطار أحياء الموروث الشعبي المغربي من ثقافة شفهية أومكتوبة في اطار توظيف الخط المغربي في البناء الشكلي والدلالي لتوحيد عناصر اللوحة الفنية ، وهذا ليس بالشيء اليسير كتوليف ذكي بين القديم والمعاصر لبناء رؤية جمالية في مرحلة غابت فيها معايير الفلسفة الجمالية في الميدان الإبداعي العالمي لتنفتح على آفاق عديدة في ابعد تجلياتها.

 

1-ص:44 الكتابة والهويات القاتلة ،دراسات في أدب وفكر إدمون عمران المليح، يحيى بن الوليد منشورات إدمون عمران المليح

2- ص 45-'، الكتابة والهويات القاتلة ،دراسات في أدب وفكر إدمون عمران المليح، يحيى بن الوليد منشورات إدمون عمران المليح

3-«كتاب الفصل في أصول علم الرمل» الشيخ محمد الزناتي

4-العلامة ابن خلدون وخصائص أهل المغرب

د. عبد الهادي حميتو، أستاذ باحث خريج دار الحديث الحسنية، مجلة الجذوة، العدد الأول، السنة 2013

5- التفكير بالشكل في العمل الفني ـ 1 ـ سعيد العفاسي: الثلاثاء 29 نوفمبر 2016 -المصدر : آربريس.

6- " جون ديوى": الفن خبرة - ترجمة زكريا إبراهيم - مراجعة زكى نجيب محمود - ( دار النهضة العربية - بالاشتراك مع مؤسسة فرنكلين) - (القاهرة - بيروت ) سبتمبر 1963.

7-"هربرت ريد": التربية عن طريق الفنّ - ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد - مراجعة مصطفى طه حبيب - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة – 1996..

8- " جيروم ستولنيتز ": النقد الفني - دراسة جمالية وفلسفية - ترجمة فؤاد زكريا - الهيئة المصرية العامة للكتاب - الطبعة الثانية - القاهرة - 1980 .

9- انظر صليبا، جميل: المعجم الفلسفي - جـ1 - دار الكتاب اللبناني - الطبعة الأولى - بيروت - 1971.

10- "هريرت ريد" معنى الفن - ترجمة سامي خشبة - مراجعة مصطفى حبيب - الهيئة - المصرية العامة للكتاب القاهرة - 1998 -

11-"هنرى لوفافر" : في علم الجمال - ترجمة محمد عيتاني - دار المعجم العربي - الطبعة الأولى - بيروت 1954 .

 

 

 

 

 

 

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق