أضيف في 18 مارس 2017 الساعة 13:06

خاطرةٌ في الميزان العمري والإمارة


أحمد حسيسو

إن الأنانية المبنية على الإفراط في حب الذات ورفعها فوق قدرها لعمري من أفتك الأمراض النفسية الإنسانية، وهي أساس معظم الخلاف والنزاع. وما من شيء أكثر إثارة للصراعات والحروب بين الدول والحضارات والأجناس والقبائل، وبين الجيران والأقرباء والإخوان، ويزهق الأرواح ويدمر العمران، من شهوة الرئاسة، يقول بعض المربين المصلحين أن حب الرئاسة هو آخر ما يغادر قلوب الأولياء؛ فلا غرابة أن يشتد التنافس بين النفوس الأمارة بالسوء على حب الظهور والجاه والريادة والسلطان، وغير ذلك من أطماع الدنيا المادية والمعنوية وشهواتها في كل زمان ومكان.

لا يختلف عاقلان في كون تولي الإمارة على قوم مسؤولية جسيمة وأمانة ثقيلة تنوء بحملها السماوات والأرض والجبال، فقد قال رب العزة جل جلاله: « إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا »، ويؤكد سيد المرسلين سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم خطورة مسألة الأمانة في أحاديث شريفة عدة، ولئن كان من طبيعة النفوس الغافلة عن الدار الآخرة التطلع إلى الإمارة والشفوف على الأقران، كما من شأنها التهرب والنفور من الطاعة والانقياد للغير، فإن المؤمن الصادق المقبل على ربه تبارك وتعالى مُطالبٌ بتقريع نفسه إذا تغولت وإلزامها قدرها، بل من صدق المؤمن الراجي عفو ربه ألا يرى لنفسه فضلية ولا مزية على أحد، ولا يطلب الإمارة ولا يسعى إليها سرا ولا علانية لما يعلمه من صعوبة حسابها وخطورة تبعاتها يوم القيامة، اللهم إلا في حال تعذر الأمر، والخوف من إسنادها إلى غير أهلها وغلبت الخشية على احتمال ضياعها، ويقين المؤمن من كونه هو المؤهل للقيام بحقها خير قيام، مثلما قص علينا رب العزة قولة نبيه يوسف عليه السلام: « اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم »

عدم طلب الإمارة إذن قاعدة ذهبية أصيلة في الهدي النبوي الشريف، وعدم إسنادها لطالبها إلا بحق قاعدة ذهبية أخرى، « نحن لا نعطي هذا الأمر من يطلبه » بهكذا خطاب أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  أحد أصحابه عندما سأله إمارة معينة، منعه طِلْبَتَهُ تربية له ولصحابته، وتربية للأجيال اللاحقة، ذلك لأن من تولاها وهو طالبٌ لها وُكِّلَ إليها وإلى نفسه فيدركه الفشل، ومن حُمِّلها من غير السعي إليها أُعين عليها، ويرجى له التوفيق. ها نحن الآن في صميم موضوع إسناد الإمارة، فما هي شروط هذا الإسناد؟

وضع الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ميزانا ذا ثلاث أسس عليها يقوم اختيار الشخص الأولى بالإمارة والمسؤولية في شؤون الأمة، أولى هذه الأسس المرء وسابقته في الإسلام، ثانيها المرء وغناؤه في الإسلام، أما ثالثها وأعظمها والله أعلم، فالمرء وحظه من الله، ولئن كان للحظ من الله تجليات وأنوار وعلامات، فإنه يبقى دائما سرا بين العبد وربه، صدق العبد وإخباته وخشيته ورجاؤه أسرار وأعمال قلبية جليلة، بصلاحها تصلح سائر الأعمال الظاهرة، وبفسادها يبطل كل شيء والعياذ بالله.

يصلح لإمارة الأمة من كان ذا مجموع حسن في مكونات الميزان العمري الثلاث، فإن تعذر اجتماع الركائز الثلاث كاملة في القوم المرشحين، يُنظر في الأوفر منهم حظا من شمائلها وخصالها، وتختلف الخصال الضرورية المطلوبة باختلاف المهمة الإمارية، فالإمارة العظمى وشروطها مثلا ليست بنفس الحجم في ولاية منطقة جغرافية محدودة، وإمامة الصلاة ليست هي قيادة الجيش، لكل مهمة خاصة شروط خاصة وشخصية مناسبة.

كم من نقي تقي خانته الحكمة في البلاغ والبيان، وكم خطيب مفوه لا ينبغي استئمانه على الدين ولو أشير إليه بالبنان، وهكذا…

ونظرا للملاحظات السالفة الذكر، أرى أن نضيف إلى الأسس العمرية الثلاث، أساسأ رابعا هو أساس الكفاءة بما تحمله الكلمة من معاني الخبرة والتجربة والقدرة والمهارة.

قد نجد مؤمنا ذا مجموع مقبول في الميزان العمري، له سابقة محمودة في الإسلام والالتزام، وغَناءٌ وجهاد وعطاء، وعلى استقامة وصلاح وحظ من تقوى الله وقربه، لكنه يفتقد الدُّرْبَة والخبرة والمهارة التي تتطلبها المهمة الدقيقة المراد ترشيحه لها، فيوشك أن يضيع تلك الأمانة عندما تناط به، ولذلك فإن وجدنا بدله من كان له نصيب لا بأس به، حتى دون الأول في الأسس العمرية الثلاث، لكنه على دراية وخبرة بالمهام المطلوبة ودقائقها، وعلى مهارة بمقتضياتها، فهو أجدر لها وأحق بها ويرجى له التوفيق فيها إن شاء الله تبارك وتعالى.

في علوم القيادة والنجاعة والجدوى والتنمية البشرية لا يمكن القفز أبدا على عامل الكفاءة مهما رسخت الأقدام في الإسلام، ومهما كان حجم البذل والعطاء في سبيل الله، وصدقت الإرادات وصفت النيات في ابتغاء وجه الله.

ولذلك نرى أن معيار الكفاءة بمفهومها الواسع أمر حاسم في تولي الإمارة، لا ينبغي إغفاله أبدا، لا مناص من إضافته وربطه بمقتضيات الميزان العمري، رضي الله عن سيدنا عمر وأرضاه.

تنغير، ليلة الثلاثاء 14 مارس 2017 م.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق