أضيف في 15 مارس 2017 الساعة 23:43

أحكام الأقدار


المصطفى سالمي

            (من حكايات الموروث الشعبي والشفهي التي تحكيها الجدات والعجائز)

تحركت مشاعر الغيرة القاتلة في نفس "زبيدة" وهي ترقب نظرات الإعجاب وكلمات الغزل التي لم يعد (العربي) يتردد في توجيهها لزوجته الجديدة (سلوى)، كانت (زبيدة) نفسها هي من اختارتها له بعد أن تعذر عليها الإنجاب. رأتها طيبة خانعة لا تهتم بمظهرها ولا تبدي أنوثتها، فقدرت أنها ستكون مصدر سعادة وامرأة ولودا لزوجها الذي بدا مع مرور السنين واجما، صامتا كثير التفكير في المجهول، فقدّرت في (العربي) العرفان بعد طول العشرة وعدم التذمر بعد رفقة عمر دامت أكثر من عقدين من الزمن. كان الرجل لا يتكلم في الموضوع، لكن نظراته وآهاته المكتومة وهو يرقب الصغار تقول ما عجز عنه اللسان أو أحجم عن ذكره. هكذا جاءت العروس لتعيش في نفس البيت، لتكتشف (زبيدة) أن حرصها على إسعاد زوجها جعلها تقترف خطيئة العمر، وكبر مصابها أكبر حين حل ضيف صغير بيتا كان هادئا ساكنا، فقد أنجبت (سلوى) مولودا غاية في الجمال، وملك الطفل الذي سماه والده (حمزة) قلب أبيه الذي أفرغ فيه حبا تجمّع وتراكم على طول سنوات مضت، وامتد العشق الجارف إلى الأم التي أصبحت ملكة البيت، أحست (زبيدة) بإحساسها الغريزي فداحة الخطب، لقد تملكت الفرحة والسعادة الجميع في هذا البيت عدا قلبا واحدا كان يحترق بنار متأججة، فاستشعرت الإقصاء والتهميش، ورأت نفسها غريبة في بيت كانت فيه مهابة الجانب طيلة وقت ليس باليسير. أظلمت الدنيا في عيني (زبيدة)، وانكمشت على أحزانها تجترها في ليالي باردة افتقدت فيها الأمومة وأنس الأنيس، فقد انشغل الزوج بالوافدين الجديدين: (سلوى) و(حمزة).

تمر الأيام والسنون، وأصبح المولود صبيا يعدو في البيت وخارجه، وملأ المكان فرحة وضوضاء. وذات يوم أبدى (العربي) رغبة جامحة في حج بيت الله شكرا وعرفانا، كان بيت الله يوجد على مسافة ثلاثة أيام عبر القافلة، وأصرت سلوى على مرافقة زوجها، لكنه اشترط عليها ترك (حمزة) في البيت بعهدة (زبيدة). لم تكن (سلوى) يخامرها الشك في ضرتها التي اختارتها شريكة حياة (العربي)، وخاصة وقد استمرت المودة الظاهرية في ظل حرص (زبيدة) على عدم التنغيص على زوجها الذي تحبه أكثر من نفسها.

بقي (حمزة) مع (زبيدة) التي تضاعف إحساسها معه بنار ولهب أكثر مما مضى، شعرت وكأن شياطين العالم استبدت بها، وكان الصغير يلاحقها كظلها أينما ذهبت، جلست المرأة ـ في اليوم الثالث على سفر الزوجين للحج ـ في المطبخ كعادتها ـ وقد استبدت بها القوة الطاغية التي تملكتها أخيرا ـ وأمسك الصغير بطرف ثوبها، فجذبته من يده الصغيرة الطرية، ودست اليد الناعمة بعنف في وهج التنور حتى تأوه الصغير وقد كاد جزء منه يذوب في الجمر، ندتْ عن الصبي صرخة وتأوه كاد ينخلع له فؤاده، وانتشر صداه في الأفق البعيد، حينها أحست (زبيدة) راحة لم تشعر بمثلها منذ أمد طويل، وحقيقة الأمر أنها لم تدر ما اقترفت يداها، لكنها متأكدة أنها تخففت من ثقل كاد يكتم أنفاسها، قبل أن تعود لرشدها بأن عمدت لمعالجة يد الصغير قبل أن يستفحل أمرها.

تأخر الزوجان الغائبان في العودة، وحملت الأيام أخبارا كاد يطير لها صواب (زبيدة)، فقد اختلطت مشاعرها بين الفرحة والألم، لقد جرف الوادي رفيق عمرها وجرف أيضا ضرتها (سلوى)، وحده الصغير سلم وتعافت يده من النار التي تركت فيها أثارا لن تمحوها الأيام والسنين.

رضيت (زبيدة) بالأمر الواقع، ولا يمكنها إلا أن تتقبله وتخضع له، فمشيئة الأقدار أقوى من أي اختيار، وأصبح (حمزة) ينادي على (زبيدة) بلفظ أمي، فهو لا يعرف أما سواها، وكلما ناداها هكذا يزداد ألمها، وتتذكر ما فعلته به، إنه ابنها رغم أنف الجميع، لن يذكر أحد (سلوى) بالمرة، التاريخ والمستقبل سيقولان إن (حمزة) هو ابنها، إنه عصارة صبرها وعذاباتها، وها هي الأقدار تصالحها وتصبح رحيمة بها، وعليها أن تحمد الله أنها لم تتجاوز حدود الخطأ إلى الخطيئة، هكذا كانت تقول لنفسها، لقد تعذبت بنار الغيرة طويلا، وتعذبت أكثر ـ وما زالت ـ بما اقترفته في حق الصغير الذي نسي تماما ما حدث، ونادرا ما كان يسأل عن الأثر البادي على يده، ولكن (حمزة) أصبح حقا بلسما لجراحات امرأة سطرت لها الأقدار خطوط الطول وخطوط العرض في تقاسيم حياتها كما تسطره دائما وأبدا لكل الخلائق، كل بطريقة وشكل خاص ومختلف عن الآخرين!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق