أضيف في 15 مارس 2017 الساعة 20:33

الباسل و المغوار


رشيد اليملولي

الباسل و المغوار .

يقدم حمزة ممتطيا فرسه متجها إلى الكعبة ، التي يحيط بها جماعة من المسلمين ، و قد كال لهم أبو الحكم الإهانة و الضرب و الجرح ، يقول حمزة :

باسل أنت و مغوار يا أبا الحكم .

مشهد عالق في ذاكرة كل من شاهد الفيلم الرائع لمصطفى العقاد ، و المعنون ب" الرسالة " .

أجدني في كل لحظة و حين أتذكر هذا المشهد ، كلما حاصرني تصريح أو خرجة إعلامية ، أو موقف صدر و يصدر و سيصدر عن رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران .

قد يحتج البعض بالقول إنها مبالغة ، و لا تستقيم المقارنة مع وجود الفوارق منها الزمني و النفسي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي .

و لكننا نقول ما يهمنا روح المعنى ، و العلة من المقارنة ، ووجود الشبه بالرغم من الاعتراضات التي تصدر عن البعض .

استحضارا لمقام القول ، و ارتباطا بالخلفية القيمية للقلم ، و ما يصدر عنه نحاول أن نقيس الاعتراض على الشخص ، و الثقافة التي ينمتي إليها و يتكلم باسمها ، و نحترم المؤسسة التي تعلو على الشخص مهما كانت طبيعته .

إن الثابت خلال المسار الحكومي للسيد عبد الإله بنكيران ، هو تنامي و تصاعد وثيرة الخطابات و التصاريح و الأقاويل ، التي قل أن يستحكمها عقل سياسي راجح ، تؤطره لغة سياسية تقطر اتزانا ، و ترسل خطابا مفعما بالثقافة الديمقراطية و القانونية ، و بالقدرة على مراقبة الروافد المصطلحية ، و الشحنة النفسية التي ترافقها ، اعتبارا للقيمة السياسية و الاعتبارية للمؤسسة التي يمثلها ، و احتراما للمغاربة ما دامت رئاسة الحكومة تعني بلدا ، و المنزلقات أكبر من تختزل في موقف وطني أو دولي ، و كثيرا ما كانت تنتج علاقات باردة أو تشنجا في المواقف .

إن الشخصية السياسية التي تقف وراء هذا العوز ، ترتبط ارتباطا جذريا بالتنشئة السياسية و الاجتماعية و الأخلاقية ، و التي أفضت إلى هذا المنتوج السياسي ، و تتأطر ضمن قيم التنظيم السياسي " الإخواني " ، و الذي وقف عنده الأستاذ عبد الله حمودي بشكل مميز في كتابه المعروف " الشيخ و المريد " ، بشكل جعل من كل الرموز الثقافية و السياسية التي ترتوي من هذا الحياض تعاني من ثقافة ديمقراطية يشوبها الجفاف و الشيص ، و تستمد سلطة الزعامة من مقوم هذا التنظيم ، الذي يرفع " شخصياته " إلى النموذج ، و الذي يؤسس قيميا للزعامة خارج الاحتكاك ، و يفضي إلى " الأنا " المتعالية على الاختلاف بإيعاز من القوة المعنوية التي تستمد عادة من تأويل حدي لمفهوم الزعامة الدينية ، ذلك أن احتكار الحقيقة و الصواب ، لا يبرره غير السعي في احتكار السلطة ، هذا العنف يعبر عن ضيق خانق في أفق السيسة و العمل السياسي ، و عن جنوح للتعويض عن النقص الحاد في شروطها كمنافسة مدنية سلمية على اكتساب السلطة ، أو من أجل المشاركة فيها كما قال الأستاذ عبد الإله بلقزيز في كتابه الدولة و الدين في الاجتماع العربي الإسلامي ، لذلك تختزن خطابات و مواقف السيد عبد الإله بنكيران أنماط من العنف تفصح على نحو ما مادي و رمزي في الأغلب عن المواقف السائدة في طبيعة المعين الذي تربى فيه سياسيا و ثقافيا وفق ما أكدته باربرا ويتمر في " الأنماط الثقافية للعنف " .

لم تنفك جل الخطابات و المواقف " الإخوانية " عن التخلص من عقال التقليدانية في تقديم النماذج السياسية ، التي طفحت في ظل ما سمي بالربيع العربي ، حيث كرست هذه المرحلة إعادة التوسل بالماضي لبناء المستقبل ، و أمعنت في صياغة نماذج سياسية مقتولة رمزيا ، تتغذى آليا على النفعية السياسية بتلاوين عدة ، و الأدهى أنها تؤسس للمحافظة و الارتكاسية بنفس حداثي ، معتقدة عن طريق الوهم أن الحتماء بنموذج " طهراني " كفيل بتجنيبها السقطة الحضارية و الموت العلمي و الثقافي ، و إن دل هذا على شيء ، فإنما يدل على فشل التربية " الإخوانية " في بناء الفرد البديل ، حيث سقطت و ستسقط في القالب نفسه ، الذي سقطت منه التجارب السابقة من قومية و اشتراكية و ليبرالية معوجة .

لكن الذي يبعث على " الألم " الحضاري هو الكتلة الاجتماعية و التاريخية و النفسية ، التي تقتات منها النماذج الإخوانية ؛ إذ المشكل ليس في الشخص الذي يعد نتيجة طبيعية لنموذج في البناء ، بقدر ما أنه في " الجماهير " التي تقدم هذه النماذج و غيرها ، و التي تعتقد جازمة أن البسالة في القدرة على التجييش ، و إنتاج الجهل السياسي و الأمية المعرفية ، و إن حصلت على شواهد عليا ، حيث أن المشهد السياسي شهد استقطابات كبرى ، نقلت النسق الاجتماعي و الثقافي من حالة تجانس و اتساق مع الذات ، إلى تشتيت و توتر ، و من ثم القابلية للانفجار و التسارع على وقع تسارع وثيرة تلك الثنائيات المتضادة ، حتى عاد الدين عامل تفرقة ، و ليس عامل توحيد كما لاحظ ذلك مصلح خضر الجبوري في كتابه ، جذور الاستبداد و الربيع العربي .

إن قراءة متأنية للمنجز الإخواني في التجربة السياسية المغربية ، لا يعدو أن يكون إلا هجوما نوعيا على القدرة الإنتاجية للطبقة الوسطى ، و محاولة قتل دورها الريادي في بناء ثقافة الصراع ، و الغرابة أن قوة المد " الإخواني " مستمدة من هذه الطبقة ، لدرجة دفعت العديد من الملاحظين إلى اعتبار تجربة العدالة و التنمية في المغرب ، هجوما منظما على هذه الطبقة ( صندوق المقاصة ، إصلاح نظام التقاعد ) ، في وقت أبانت تجارب أخرى على تقوية هذا النسيج الاجتماعي ، و مده بالوسائل الكفيلة بتجاوز محنه في ظل الأزمة الاقتصادية ( تونس مثلا ) ، و لعل تقرير لجنة تقصي الحقائق في ملف إصلاح منظومة التقاعد خير مثال على ذلك ، و الذي أكد أن الإصلاح لم يكن في محله ، و أنه أرهق المنخرطين في الإجراء القياسي الذي اعتمده ، و تغاضى عن إسهام الدولة فيه ، و هذا الأمر يطرح العديد من علامات الاستفهام في مقدمتها حجية الإصلاح و دعاماته الاجتماعية و الاقتصادية ، و دعوى اللجوء إليه و الجهة و الخبراء الذين وقفوا إلى جانبه ، بشكل يجعل الباسل و المغوار موضع شك حقيقي .

ومرة أخرى نرجع إلى المشهد الأول

أبا الحكم يستقوي على الضعاف ، يلطمه حمزة و يقول : ردها علي إن استطعت ، و نحن نقول رد علينا إصلاحاتك إن كنت سياسيا متدينا .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق