أضيف في 13 مارس 2017 الساعة 11:26

المسارب الداخلية للاختراق الأجنبي


عبد الإله بلقزيز

ما كان الاختراق الأجنبي للوطن العربي، في ما مضى، يسيراً على القوى الخارجية وطريقاً مفتوحاً أمامها، ولكنه، في الوقت عينه، لم يكن أمراً صعباً عليها أو متعسراً. ليس في القول مفارقة أو تناقض، لأن الحديث في وطن عربي، إنما يجري على بلدان ودول متعددة الاختيارات والسياسات والولاءات، بحيث لا يجمع بينها سوى الانتماء إلى الرابطة العربية. مر على قسم من هذه البلاد، مثلاً، حين من الدهر لم يكن فيه أمام إرادة الاستباحة الأجنبية (الاستعمارية والصهيونية) سوى أن تلقى الرد الوطني المناسب لها من الداخل العربي، ومن قوى متعددة فيه (النظام، المعارضة، الشعب).
كانت إرادة حماية السيادة الوطنية والأمن القومي غلابة في مدرسة سياسية تحررية شهد على سلطانها ذلك القسم من البلاد العربية، خاصة في الحقبة الفاصلة بين الخمسينات والثمانينات من القرن العشرين. غير أن تلك ما كانت حال البلاد العربية جميعها؛ إذ المعظم منها لم يكن يبدي كبير حزم في صون السيادة الوطنية من الاختراقات الأجنبية، حتى لا نقول إنه كثيراً ما تخيل أن تلك الاختراقات «تحميه» من مخاطر اختراقات أخرى لمعسكر آخر غير الذي ينتمي، أو يُعتقد أنه ينتمي إليه.
في الحالين، عادت مقاومة الاختراق الأجنبي أو التمكين له إلى النظام السياسي القائم في البلد العربي هذا أو في البلد ذاك؛ إلى تقديره لمضار الاختراق ذاك أو منافعه عليه وعلى البلد وطبعاً إلى طبيعة مشروعه السياسي ونظرته إلى التناقضات الدولية وموقفه من مسائل عدة؛ منها مسألة الاستقلال الوطني والأمن القومي والإمبريالية والصهيونية، وغير تلك، من المسائل التي يتمايز أمامها هذا النظام من ذاك. ولكن مقاومة الاختراق أو التمكين له ليسا فعلين نظاميين حصريين، وإنما أتتهما قوى أخرى من خارج دائرة الأنظمة: من المجتمع ومن المعارضات. فقد يحصل أن تصبح قوىً بعينها من المجتمع مادة للتدخلات الأجنبية وحوامل داخلية لها؛ وتلك، مثلاً، حال طوائف دينية معينة، أو مذاهب إسلامية صغرى، أو جماعات أقوامية ذات منازع انفصالية، وجدت في التدخل الخارجي مصلحةً لها، أو هي هكذا تعتقد، ووجد فيها التدخل ذاك ضالته ومطيته. وقد تصبح قوىً اجتماعية أخرى بيئة لمقاومة اختراق تعجز الدولة عن مقاومته إما لغيابها (فلسطين مثلاً) أو لضعفها (لبنان).
ولفترة مديدة، كان عنوان الاختراق الأجنبي للداخل العربي يكاد أن يختصر في مقولة مصادرة القرار الوطني الذي يفترض أنه قرار الدولة؛ بما هي المؤتمنة على السيادة تلك. والمصادرة عنت انتزاع الإرادة الوطنية الحرة ورهنها، في أشكالها التي تجلت فيها كافة؛ من ربط سياسات نظام عربي ما بمركز خارجي (بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة...)، إلى خضوع نظام آخر لتوصيات المؤسسات تلك (توصيات «صندوق النقد الدولي» و«البنك الدولي» مثلاً)، إلى الاندراج التبعي في شبكة اتفاقات دولية أو إقليمية تلقي القيود على أي سياسة وطنية مستقلة، إلى الارتباط باتفاقيات سياسية واقتصادية مذلة للكرامة الوطنية من قبيل اتفاقيات «السلام» والتطبيع مع الكيان الصهيوني... إلخ. في جميع هذه الحالات من المصادرة الأجنبية للقرار الوطني، وهي ثمرة من ثمار الاختراق والاستباحة، كانت الدول في قفص الاتهام، وللدقة كان النظام الحاكم فيها هو المتهم. ولكن ما لبث أطراف آخرون أن دخلوا على خط العلاقة بمشروع الاختراق الأجنبي، فلم يعد الأمر مقصوراً على النظام وعلى الجماعات الأهلية الفرعية من قلات (أقليات) دينية وأقوامية.
ومن الأطراف أولاء المعارضات الحزبية و«منظمات المجتمع المدني». وما كان تحول قسم كبير من المعارضات، ومن قوى «المجتمع المدني» نحو التعاون مع قوى الاختراق الأجنبي جديداً؛ شهدنا على سوابق منه منذ قيام علاقات بريطانية - إخوانية في مصر، قبل ما يزيد على ستين عاماً؛ ومنذ أن تحولت القوى «الليبرالية» العربية في الخمسينات والستينات إلى حوامل صامتة لمشروع التدخل الغربي لإسقاط النخب الوطنية الحاكمة، ومنذ أصبحت الأحزاب الشيوعية الستالينية العربية أحصنة طروادة لسياسات الاتحاد السوفييتي... إلخ. ولكن المنعطف الحاسم في التحول ذاك، إنما كان في ثمانينات القرن الماضي لحظة ارتضاء الإسلاميين العرب (الأفغان العرب) تقديم السخرة السياسية لمشروع التدخل الأجنبي وسياسات دوله، وارتباطهم بشبكات استخبارات الدول الغربية. وهو عينه ما سيجري في العراق المحاصر حين تحولت المعارضات السابقة (الدينية والكردية والعلمانية)، الحاكمة اليوم، إلى حوامل لمشروع التدخل والغزو الأجنبي، ومسارب داخلية لمرور قواه ومفاعليه.
وإذا كان سؤال هذا المأزق الحاد في الكيانات العربية المستباحة بدأ يفرض نفسه على الوعي منذ عقود، على نحو ما رأينا إلماحاً، فهو فرض نفسه، أكثر من ذي قبل، بمناسبة اندلاع أحداث «الربيع العربي»؛ ففي غمار الأحداث تلك استفحلت أوضاع الاختراق الأجنبي ذاك للداخل الوطني حين توافرت له بنى استقبال محلية واجتماعية لا حصر لها، ومن نصابات متعددة (طوائف، مذاهب، عشائر، أقوام، أحزاب، جمعيات مدنية، ميليشيات...)، ما عادت تتحرج في كسر المحرمات الوطنية! والمفارقة أن النظام السياسي في بعض بلاد «الربيع العربي» أبدى مقاومةً للاختراق أشد، حتى من التي أبداها بعض المجتمع الحي الذي لم ينجر إلى حبائل العلاقة بالأجنبي.
لا نبغي التعميم، هنا، ولا نتهم المجتمع كله بالصيرورة بيئةً حاضنةً للاختراق الأجنبي، وإنما نشير إلى ظواهر مرضية محددة في الاجتماعين المدني والأهلي تحتاج معالجتها إلى تفكير رصين في أسبابها، في الوقت عينه الذي لا نملك إلا الاعتراف بأن مساحات واسعةً من ذينك الاجتماعين لا تزال تبدي المقاومة ضد الاستباحات الخارجية للداخل الوطني. نعم، في كل مجتمع متعاونون مع الأجنبي، وأدوات طيعة في يده، ولا يكاد مجتمع في الأرض أن يشذ عن ذلك، بما فيه المجتمعات المتقدمة والمتشبعة بالفكرة الوطنية والقومية (الفرنسيون المتعاونون مع الاحتلال النازي لوطنهم مثالاً)، ولكن المخيف (هو) أن تنخرط جماعات أهلية ومدنية وحزبية في مثل ذلك التعاون بكاملها، لا أن تنخرط فيه، منها قطاعات محدودة. وعليه، سيكون على الفكر العربي أن يقارب - بأدوات التحليل السياسي والسوسيولوجي والنفسي- الظاهرة هذه في محاولة لوعي عواملها التأسيسية، عسى أن يساعد حسن التشخيص العلمي على توفير المعالجات السياسية المناسبة، على النحو الذي تتمتن به الوشائج الوطنية وتتحصن به الأوطان.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق