أضيف في 10 مارس 2017 الساعة 18:39

حكايات من ذاكرة الزمن الجميل : ايام في مرسيليا ........(2)


د موسى أبومحلولة

حكايات من ذاكرة الزمن الجميل :

ايام في مرسيليا ........(2)

 

كان طقس المساء جميلا ومنعشا وكانت الساعة قد تجاوزت التاسعة ليلا عندما خرجت من بوابة مطار مرسيليا وعبرت الشارع في إتجاه غير معلوم وكأني ابحث عن شيء ما ... 

 

كنت وحيدا متعبا أجر حقيبة صغيرة وأحلم بسيارة صغيرة كذلك وكانت اﻷفكار والهواجس وحتى المخاوف تتزاحم على رأسي وأنا أحاول دفعها عني حتي أتمكن من إستدعاء بعض النصائح التي زودني بها صديق لي كان قد مر من نفس الطريق وخاض ذات التجربة المرسيلية وهو اليوم يقود سيارته الرينو سانك (5) مزهوا في شوارع طرابلس ... 

 

النصيحة اﻷولى : مرسيليا مدينة خطرة تعج بالمجرمين ويجب إلتزام الحذر الشديد 

 

تذكرت هذا ونظرت إلى حالي ونظرت في وجوه من حولي اتفرسها وابحث عن أية ملامح إجرامية او نزعات عدائية ظاهرة او كامنة، وشعرت ربما بشيء من الخوف المشروع لكن الثقة والطمأنينة عادت الي عندما لم ألمح بين الوجوه ذلك الشاب التونسي الفرنسي الذي شاركني الحديث على مقعد الطائرة ولم اطمئن اليه ابدا ... وقلت في نفسي رب ضارة نافعة فتحقيق عقيد الجوازات معي جعلني اتأخر وجعل الشاب التونسي الغامض والذي شعرت أيضا انه كان يراقبني في صالة اﻷمتعة يعدل ربما عن ملاحقتي ويغادر الى مزرعته في ضواحي المدينة ... أو هكذا خيل الي.

 

 تحسست الدولارات في جيبي وأخرجت جواز سفري من جيب الحقيبة ودسسته بحرص وعناية في جيب سترتي الداخلي وتوجهت إلى محطة الحافلات عملا بنصيحة صديقي الثانية والتي تقول: لا تستعمل التاكسي من المطار إلى مركز المدينة فالحافلة العمومية أكثر أمانا ...

 

دفعت بحقيبتي في جوف الحافلة المظلم وصعدت اليها ملقيا بتحية عابرة على السائق الذي إعتدل خلف عجلة القيادة متحفزا للإنطلاق حال صعود آخر الركاب :

- بون سوار مسيو

- بون سوار

كانت المرة اﻷولي التي انطق فيها بكلمة فرنسية منذ ان غادرت آخر حصص اللغة الفرنسية بمدرسة يفرن الثانوية منذ اعوام عديدة وكانت ربما هي الجملة الوحيدة التي بقيت عالقة بذاكرتي المجهدة والمحشوة بمصطلحات الطب اللاتينية الجافة والتي حلت محل كلمات وتعبيرات لغة فولتير الشاعرية ...    

 

جلست بجانب النافذة في مقعد الحافلة الزرقاء المكيفة المريحة وشرعت افكر في حديث مدير جوازات المطار وهو يرفع رأسه عن صفحات جواز سفري وينظر إلي بود واحترام قرأته في ملامحه ولم أفهمه في كلماته التي كانت في أغلبها باللغة الفرنسية قبل أن يقول بلغة إنجليزية لا يجيد منها إلا بضع كلمات:   

 

- هل انت طبيب

- نعم سيدي ... طبيب متدرب حديث التخرج

- مرحبا بك في مرسيليا

 

وضع جواز السفر على المكتب أمامه ومد يده اليمني الي حمالة أختام أنيقة وضعت أمامه... أإلتقط احد اﻷختام وضعط كلمة "دخول" على صفحة جواز السفر ... شكرته بسرور غامر وظاهر وطلبت منه أن يدلني على مصرف المطار فاوعز إلى الشرطي الذي رافقني في الطريق إلى مكتبه أن يصحبني إلى المصرف ففعل ...

 

ناولتني موظفة المصرف مايعادل مائة دولار من الفرنكات الفرنسية وكنت بذلك قد طبقت نصيحة صديقي الثالثة والتي تقول : صرف 100 دولار بمصرف المطار 

وبينما كنت أقلب هذة ألافكار والنصائح في ذهني أطلق السائق العنان لحافلته التي إنطلقت مسرعة في إتجاه ﻻ أعلمه وتمنيت ان يكون الي مركز مدينة مرسيليا ...

 

بعد حوالي النصف ساعة كنت أجر حقيبتي ثانية وأعبر طرف الميدان الرئيسي للمدينة والمطل على البحر المتوسط والذي ذكرني بميدان الشهداء بمدينة طرابلس وفجأة سمعت صياحا وجلبة عالية ونشبت معركة شوارع حامية الوطيس بين مجموعة من المراهقين وفي لمح البصر كانت سيارة البوليس قد وصلت واحاط رجال اﻵمن بمثيري الشغب وأبتعدت أنا عن المكان عملا بنصيحة ذهبية لم ترد ضمن نصائح صديقي النصوح تقول:

إبعد عن الشر وغني له ......................يتبع.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق