أضيف في 8 مارس 2017 الساعة 23:59

الناقدة التشكيلية خيرة جليل: الفنان التشكيلي رشيد مورتاقي تجربة موندولوجية الإبداع في التشكيل المغربي المعاصر


خيرة جليل

إن تطوير الفن التشكيلي يخضع عموما لنفس الشروط التي يجب توفرها في كل فن، من ثقافة ، ومحيط ، وإمكانيات مادية .

كما يعتبر الفن التشكيلي رافدا أساسيا للتربية الجمالية ، والإحساس الراقي بأهمية الإبداع ، لتصبح رسالة الفن التشكيلي الراقي والمتجدد ، أنجع واقصر السبل لإيصال وترسيخ قيم الجمال والتنظيم والتواصل مع الأشياء والمحيط كواقع والفن كطريق للحوار مع الواقع المعاش والذي يبقى البشر المحرك المركزي له. وبما أن فلسفة الفن أو الإستيتيكيا (الاستيتقيا ) تنبني على السند الجمالي وتتخذ من السؤال والتأمل مسعى للتحليل والتأويل، فإن هدف هذا المقال يقوم على تأملين أساسيين: الأول يرتبط بالمكان وبلاغته في الجمال الفني لدى الفنان التشكيلي رشيد مورتاقي والثاني إنه طريق إخراج الأشياء المجردة داخل الطبيعة نحو إعادة صقلها وتركيبها بإبداع طرق وأدوات جديدة تؤثث المنجز التشكيلي كالمكان بنظرة واقعية تشكيلية .فمن هو التشكيلي رشيد مورتاقي كذات مبدعة في المجال التشكيلي المغربي ؟ ما هي المدرسة التشكيلية التي اختار أن يعالج في إطارها اشكالياته الفنية ؟ وكيف تعامل مع المكان وبلاغته الجمالية في التشكيل ؟ وكيف تعامل مع المقومات التشكيلية ليضيف لمسته الشخصية في المجال التشكيلي المغربي ؟ فهل يمكن لحاضره التشكيلي أن يصير موضوع معرفة في المستقبل القريب أو البعيد ؟ وهل باستطاعته كفنان تشكيلي أن يعيد صياغة هذا الإشكال لكي يعبّر عن سؤال التاريخ من داخل الفن التشكيلي؟

لطالما كان هاجس كل مفكر ومثقف داخل أي دولة كيفما كانت أن يرتقي بوعي الشعب وأن يكون صوتاً وموجها له في كل الصعاب، ويرقى بذائقته الجمالية حتى يستطيع أن يُنظِّر لإبداع معاصر ينمي القدرات الذوقية والفنية لدى المتلقي والمشاهد على حد سواء ، ويستفز بداخلهما ذلك الكائن المبدع والمبتكر . وهذا سيجعلنا نكون في حاجة إلى قراءات فلسفية/جمالية للأعمال الفنية للفنان رشيد مورتاقي مما تطلب منا للقيام بذلك استحضار مرجعية فكرية التي عادة ما تحال إليها كل كتابة نقدية.

الفنان مورتاقي تلقى تكوينا في مجاله ،فهو مدرس مادة التربية التشكيلية مما يجعل الفنان بحكم عمله مؤهلا أكثر من غيره ليمارس التشكيل كإبداع فني عن دراية ثقافية ، لان الفن لا يقوم في جوهره على المحاكاة ، وإنما يستدعي صناعة وتطوير ما هو جديد عبر الابتكار للأشياء والموضوعات والنماذج ، فأتى المنشأ التشكيلي في أعماله الأخيرة منشأ تجريديا ينتمي للمدرسة التجريدية بعدما مارس لسنوات طويلة إبداعه في اطار المدرسة الواقعية. و من هنا فهو ابتكر أشياء ومواضيع ونماذج ليس بالرجوع للواقع الطبيعي ومحاولة محاكاته ، بل إلى أعماق الروح الإنسانية وانطباعاتها بعدما شاهد الواقع الطبيعي وتعامل معه في حركاته وسكناته. وعلى هذا الأساس فإن الفن الإبداعي لدى مورتاقي رجع للعقل البشري وليس لمحاكاة للطبيعة في المرحلة الثانية من مساره الفني ، فاستخلص جمالية الأشياء من خلال تأملها وملاحظتها وترجمها لألوان وأشكال ورموز غنية بالدلالات الفنية والرمزية والروحية في حد ذاتها ، وهذا ما دعا إليه أرسطو في نظريته لاستعمال العقل . فحين يقف المتأمل للوحاته القديمة التي مارسها في اطار المدرسة الواقعية التي كانت تنبني على محاكاة الطبيعة يقف أمام ذائقة فنية واعية بواقعها وترجمت انفعالاتها العاطفية والفكرية إلى إبداع فني يحقق نوعا من الشعور بالارتياح ومن هنا ندرك من الملفوظ النصي أنه يتطابق مع المفهوم الهيغلي : إن ما يخلق فعل الابتهاج والراحة للإنسان هو محاكاة الطبيعة للإنسان، وبالتالي فإنه يشعر بفرحة عارمة عندما ينتج ما مطابقته بين الفلسفة وتاريخها حيث جعل من هذا الأخير موضوعا للفلسفة. وفي أعماله الأخيرة التجريدية نلاحظ نوعا من الانفلات من قبضة هيغل ليبدع إبداعا تجريديا يعج بالحركة والرموز والدلالات فينهل لإعماله من الفلسفة المعاصرة والتي هي برمتها حسب فوكو ما هي إلا محاولة للانفلات من قبضة هيغل في المنطق والتاريخ و ما جعله يتوج بآخر نسق في تاريخ الفلسفة. وهذا التمييز لمرحلته الأولى عن المرحلة الثانية في حد ذاته ماهو إلا نتيجة لقراءته للمذاهب والمدارس الفلسفية التي صنفها الباحثون والنقاد في محاضراتهم في تاريخ الفلسفة وعلاقتها بمفهوم الجمال . فنجد المنشأ التشكيلي لدى الفنان في نقلته من المدرسة الأولى إلى المدرسة الثانية يكون عن دراية فنية ، وعن محاولة لمسايرة التطورات بالمجال التشكيلي الوطني والعالمي خصوصا انه شارك في ملتقيات دولة عالمية ويشرف على تنظيم بعضها ، مما جعله يدخل في احتكاك مباشر مع تجارب عالمية أخرى ليخرج فنه من الخندق التقليدي والرؤية الضيقة لمفهوم المنشأ التشكيلي إلى ما هو أوسع . لكن في الوقت ذاته يجعلنا أما م نفس التصور للفن ومحطاته وكذلك تطور فكرة الروح والمطلق أو العقل مع اليونان. وخروجه عن المدرسة الواقعية إلى التجريدية يجعلنا نعود إلى إشكالية كبرى تنطوي على أن ما موت الفن أو نهايته إلا تنبؤات هيغلية بقدوم الفن الحديث مع أواسط القرن التاسع عشر، ويبقى هيغل إلى جانب كانط أبا للجمالية التي وثق أسسها بومغارتن عام 1750، لكن لدى الفنان مورتقاي التجريد والفن المعاصر يتخذ موضوعا فنيا من مرجعية فلسفية يتحدى به الطبيعة في جمالية التصوير النظرية الهيغلية و جمالية الرسم النظرية الكانطية وينتج ما هو أرقى منها . وبذلك فهو ابتدأ مساره الفني من هذين المسارين الذين حددا الفن فلسفته وجماليته وقواعده، وانزاح مع المدرسة التجريدية المعاصرة انزياحا مع فنون ما بعد الحداثة، فأنتج إبداعا معاصرا يحقق البهجة والارتياح النفسي لدى المتلقي من خلال تعامله مع مرجعيات فكرية حددت معايير التقويم الخاصة بالعمل الفني . لقد حلق في عالم المدرسة الحديثة ،فانهالت لوحاته التجريدية المكونة من صباغة متعددة : أكريليك، الزيت على القماش أو حبر على ورق الكارتون ... من واقعه اليومي فأنزل أفكاره بكل سلاسة وتناغم وانسيابية كبيرة مؤثثا إياها برموز استقاها من عالمه المغربي الغني بروافده الفنية المتعددة والتي اتخذت الموروث الثقافي نبعا لها : امازيغية افريقية عربية .....، فكانت لوحاته تعج بالألوان من مختلف المقامات والطبقات وكانت ضرباته بالفرشاة أحيانا قوية تعكس غضبه وتمرده عن ما أثقل قلبه من اضطرابات نفسية أو عاطفية وأحيانا أخرى خفيفة تتناغم مع سكونه العاطفي والنفسي ، وفي بعض الأحيان يستغني عليها ليعمل بيده مباشرة ليعبر على أن الذات المبدعة هي المتحكمة في زمام الأمور . فحين تقف أمام لوحاته تتمتع بها وتتمتع هي بسلبك مفهوم الزمان والمكان , فتستقطبك برموزها من خطوط عريضة وضيقة أفقية وعمودية ومائلة , وبألوانها التي تحملك إلى عالم أحزانه وآلامه وانشطارا ته الروحية تارة والى فرحه وعبثه كطفل راشد أحيانا أخر ى ، فكانت هذه اللوحات الفنية ناطقة بلغة الجمال ولغة الحرية من خلال مظاهر فلسفية بلغة الفن, كأفكار تناولها الفكر الفلسفي مثل مفهوم السعادة والحرية والخلود والجمال فتخمرت طويلا وفتح لها نافذة الحرية الفكرية والإبداعية ليعالج قضايا فلسفية روحية في اطار التفكير المنهجي الذين هما أعمق من التمثلات الفكرية البسيطة ، ليحلق بعيدا عن النموذج الشعبي الفلكلوري والذي ظل التشكيل المغربي لسنوات طوال سجين له . إن أعماله ترسم الطريق نحو إخراج الأشياء التي لا نراها بالعين المجردة داخل الطبيعة نحو إعادة صقلها وتركيبها بتلمس طرق وأدوات جديدة تعالج قضايا واقعية بمقومات جمالية ثاوية خلف بلاغة المكان والجمال الفني لكي يعمل على استرجاعها بعيدا عن التكرار التشكيلي الذي يغتال تطور للفن ،أو أية محاولة للتفكير المنهجي والعلمي حول الفن التشكيلي وإشكالية الرقي به ثقافيا وحضاريا. إنه وعي رسمه هذا الفنان بدقة متناهية وبألوان خاصة تدل على افتتانه بجمالية المكان المراكشي بشكل خاص والمكان الفلسفي الإبداعي بشكل عام ، مخرجا إياه من عتمة الذاكرة المظلمة إلى لوحاته الفنية من خلال عملية خلط الألوان التي تستدعي حضور الظل والضوء بوعي بالذات المبدعة التي تدرك ذاته وحقيقة وجوده بالنظر إلى هذه المقومات. فينظر إلى الحامل على أساس انه بناء بنيوي دقيق في أدق التفاصيل التشكيلية ولا يمكن فصله عن المكونات الجمالية الاخرى ، محدثا بذلك " قطيعة " إبستيمولوجية بالمعنى الباشلاري هدفها خلق عمل تشكيلي يسعى إلى الرقي و التطلع نحو أفق علمي ومنهجي مفكر، فيه إبداع فني بطرق علمية أكاديمية تستمد مشروعيتها من الرياضية والهندسية وعلوم الصباغة المتعددة والعلوم الإنسانية : علم النفس، علم الاجتماع ، التاريخ، الأنثروبولوجيا والجغرافيا والفلسفة لكن يبقى فنا غير خاضع لقانون علمي محض كما قال كانط في هذا الصدد: (لا يوجد علم للجميل بل نقدٌ للجميل فقط، ولا يوجد علمٌ جميل بل فنٌ جميل فقط).

عموما إن أعمال الفنان مورتاقي هي فعلا ترتقي بالعمل التشكيلي لمستوى التنظير التشكيلي بالساحة الفنية المغربية مكونا عملا فنيا تشكيليا يجمع بين التنظير الأكاديمي للأعمال التجريدية والابتكار الفني الشخصي بعدما حقق نقلة نوعية من خلال خوضه مغامرة الواقعية ليدخل في مغامرة التجريدية الواقعية التي تؤسس لمونادولوجيا تشكيلية مغربية أصيلة وقائمة بذاتها تستمد مشروعيتها من الروافد الفنية المتعددة والمتنوعة ومنفتحة على التجارب العالمية في تجاربها الروحية الإبداعية لكن بصيغة كانطية إذ أن له غاية جمالية وأخرى امتاعية......خيرة جليل

1- المونادولوجيا ، وهو مفهوم فلسفي أسسه ليبنيز، وهو فيلسوف ألماني. ويعني المفهوم مجموع الذرات الروحية التي يتألف منها العالم ،وهي درات لا تقبل الانشطار.

يمكن الرجوع الى بعض المواضع المفيدة بهذا المجال

2- هيغل فلسفة الجمال والفن لدى هيجل - سليمان السلطان - حكمة

3-محيي عيدان - وظيفة الفن عند هيجل - الحوار المتمدن

4- الفنون الجميلة من منظور إيمانوايمانويل كانط

 

Hegel, esthétique , tome 1 , aubier, 1944, pp.31- 36

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق