أضيف في 8 مارس 2017 الساعة 20:55

حكايات من ذاكرة الزمن الجميل : أيام في مرسيليا ............. (1)


د موسى أبومحلولة

حكايات من ذاكرة الزمن الجميل :

أيام في مرسيليا ............. (1)

 

في منتصف ثمانينات القرن الماضي كنت قد تخرجت للتو من كلية الطب واردت انت اشتري سيارة جديدة تليق بطبيب شاب لكن كيف السبيل الى ذلك فقد كان إستيراد السيارات والدراجات وكل مايسير على عجلات بل وكل شيء تقريبا موقوفا بقرارات تقشفية عشوائية فوقية اتعبت الناس وجعلت الحياة في طرابلس تعيسة صعبة والمعيشة فيها قاسية ضنكى ... وكان لابد من ركوب المخاطر في مغامرة محسوبة للحصول على سيارة ﻻئقة واﻹستغناء عن خدمات "الركوبة" وهي كلمة اطلقها القاموس الجماهيري على التاكسي في تلك السنوات العجاف ...

 

كانت الحدود مع تونس تفتح وتقفل بين الفينة واﻷخرى تبعا للمزاج السياسي السائد ووفقا ﻹنفراج او تأزم العلاقة بين القذافي وابورقيبة وكان اﻷخير يومها يعاني من امراض الشيخوخة وتبعات ما عرف بثورة الخبر التي إندلعت في يناير 1984م، وكان اﻷول يشاكس جاره العجوز ولا ينسى أو يغفر له عذوله عن إتفاقية جربة الوحدوية ... كانت اﻹجراءات ااﻷمنية مشددة لكن الحدود بين البلدين كانت مفتوحة ومزاج القيادتين رائقا وهادئا وبدت اﻷمور ولو في ظاهرها سمنا على عسل ...

 

تدبرت بالكاد سعر سيارة الرينو 5 التي كانت معشوقة الشباب في ذلك الزمن الجميل ومعشوقتي منذ أن رأيت صورا لنجم كرة القدم اﻹرجنتيني ولاعب نادي فالنسيا ماريو كامبس يقود واحدة منها في شوارع اسبانيا ... وضعت دولاراتي المحدودة والمحسوبة والمقسمة بدقة بين سعر السيارة وتكاليف اﻹقامة والمعيشة والتنقل لمدة اسبوع واحد في جيبي بعد ان تحصلت على التأشيرة الفرنسية بشق اﻷنفس وسافرت بالطائرة الى تونس التي وصلتها وقت الظهيرة وأمضيت ساعات ترانزيت قليلة ومتوترة في مطار تونس قرطاج في إنتظار اﻹقلاع الى مدينة مرسيليا الفرنسية التي ازورها ﻷول مرة ...

 

في الوقت المحدد كنت جالسا بمحاذاة النافذة على متن طائرة الخطوط الجوية التونسية وهي تحلق في الفضاء وتتجه شمالا عابرة مياه المتوسط ، وقرص شمس الغروب يميل ليلامس سطح اللجة الزرقاء معلنا غروب يوم ربيعي جميل.

 

كان الجالس على يساري شاب تونسي قال انه عائد الى عمله بمزرعة في ضواحي مرسيليا وتحدثت اليه بإقتظاب دون ان أعلمه بالغرض من سفري وكنت متوجسا منه بعض الشيء وذلك من باب الحرص والحذر ... 

 

حطت الطائرة على مدارج مطار مرسيليا بعد هبوط الظلام واوقفني رجال الجوازات ﻷني أحمل جواز سفر ليبي اخضر جديد كنت قد إستخرجته منذ اسابيع قليلة بعيد تخرجي ووردت فيه مهنتي الجديدة كطبيب بعد أن كانت طالب، وحولت عليه الف دولار مما تعدون هي كامل مخصصاتي من العملة اﻷجنبية لعام كامل اما باقي المبلغ الذي في جيبي فقد كان مجموع المخصصات السنوية لكل من له جواز سفر ولا يرغب في السفر من اﻷخوة واﻷهل والجيران وتبرع بمخصصاته لي متعاطفا فكنت له شاكرا ... بارك الله فيهم أجمعين.

 

قادني رجل الجوازات الفرنسي الى مكتب رئيس جوازات المطار للتحقيق وقد كنت ربما صيده الليبي الوحيد والفريد طوال ذلك اليوم :

- مساء الخير سيدي

- مساء الخير ... تفضل بالجلوس

كان مدير جوازات المطار بكامل قيافته العسكرية طويل القامة حاد الملامح يحمل رتبة عقيد وبدأ لي جادا أكثر من اللازم لكنه كان ايضا بشوشا ومضيافا إلى حد ما ربما ﻻن سكان جنوب فرنسا ومدينة مرسيليا يختلفون عن أهل العاصمة باريس الذين عرفت بعض طباعهم في زيارة سابقة للعاصمة الفرنسية ...

- هل انت ليبي

- نعم سيدي

- ولماذا أتيت إلى مرسيليا ...

كان يحدثني من خلف مكتبه وهو جالس يقلب صفحات جواز سفري اﻷخضر المدون باللغة العربية دون أن يفهم شيئا ...

وقبل أن ينفذ صبره فيقرر إعادتي إلى الطائرة التونسية أشرت عليه بمكان صفحة البيانات الوحيدة المكتوبة باللغة اﻹنجليزية ... آنفرجت اساريره قليلا وهو يقرأ بياناتي الشخصية ويتفحص التأشيرة الفرنسية على جواز سفري وكنت انا صامتا قلقا مترقبا ما سيقرره سيادة العقيد بشأني إلى أن قال : ......

..... يتبع


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق