أضيف في 6 مارس 2017 الساعة 22:05

بين واقع وعناوين براقة...!


المصطفى سالمي

ضغط "جلون" على زر شغيل جهاز التلفاز، كانت الساعة وقتها قد تجاوزت منتصف النهار بقليل، إنها نشرة الظهيرة التي يترقبها، تمدد على السرير منتظرا أيضا وجبة الغداء، وأخيرا ظهرت المذيعة التي تعتصر أحرف الكلمات اعتصارا، وتضغط على مخارج الحروف في تكلف واضح، لقد تعودت أعصابه المرهقة على هذا النوع من تقديم نشرات الأخبار في بلده السعيد، ضغط بدوره على نفسه حتى تتقبل هذا القدر الذي لا مفر منه، فهو يود أن يسمع آخر مستجدات حالة الطقس بربوع وطنه الميمون، ذلك أن طريقا طويلة تنتظره باتجاه أقصى الجنوب هذا المساء، وسيقوم بعد قليل بمراقبة الوضع الميكانيكي لشاحنته التي ينقل بواسطتها الخضر إلى تلك الرقعة من وطنه السعيد، لكن المذيعة ذات الملامح الشاحبة ـ التي تحاول إخفاءها بمساحيق بليدة ـ ما زالت تتناول أحداثا يحسها "جلون" غير ذات قيمة، أحاديث لا تنتهي عن أنشطة هنا وهناك، وعناوين براقة كاذبة، مثل هذا الحديث عن السلامة الطرقية التي تزعم المذيعة أنها تتم تحت إشراف خبراء من رجال الدرك والوقاية المدنية، وهو الذي خبر الطرق وعرف أسرارها، إنه يطلب السلامة فقط من قراصنة ببدلات أنيقة يتلقفونه ويبتزونه، فيقدم لهم بعض الغلات والفاكهة، حينها تغتبط أساريرهم، وإن كانوا يثيرون شفقته أحيانا حين تهب الزوابع والعواصف، أو تنهمر الأمطار أو يشتد القيظ، ورغم ذلك لا يبرحون أماكنهم، ساعتها يقول "جلون" لنفسه: (ربما تكون الأوضاع أشد سوءا بغيابهم، إنهم على الأقل يحققون الأمن والأمان لأمثاله في هذه الطريق الطويلة المتمددة)، إنهم بالنسبة له مثل الزكام أو أي مرض مألوف يمكن التعايش معه.

ويستفيق صاحبنا على صوت المذيعة وهي تترنم بالحديث عن الأنشطة الثقافية في بلاده، فيبتسم "جلون" الذي قضى زهرة عمره بين فصول الدراسة، وخرج بشهادة جامعية لم تنفعه في شيء، ليقتحم مجال السياقة، وينسى كل ما تعلمه في سنوات دراسته، إنه من السخف والسخافة بالنسبة له أن يسمع حديثا عن دعم الثقافة من مسؤولي بلاده وهم الذين لا ينفكون يتلعثمون في صياغة جملة سليمة أمام شاشات التلفاز، لغتهم لغة الخشب والكذب، لقد تعلم "جلون" في مهنته الجديدة من أسرار الحياة ما لم يتعلمه بين صفحات الكتب المدرسية ومقررات التعليم الجافة القاتلة للروح والإبداع.

أخيرا تتحدث المذيعة التي تضغط على الحروف وتعتصرها اعتصارا عن أحوال الطقس المرتقبة، لا جديد سوى بعض السحب العابرة هنا وهناك، الحمد لله أنها لن تمطر هذا المساء، حسبه سحب داكنة عبرت حياته وسنوات شبابه، وها هو يسعى نحو آفاق أشد صفاء، بعيدا عن الشعارات والعناوين البراقة التي يحفل بها إعلام الخشب والكآبة، بعيدا عن بهلوانات مزخرفة على واجهة الشاشات تزيف الواقع الذي يمتصه ويعتصره أصحاب بطون كبيرة يقبعون خلف كواليس خفية.

أخيرا يوضع أمام "جلون" صحن عدس ساخن ورغيف مستدير، اعتدل صاحبنا في جلسته وهو يردد لفظ البسملة، بينما تراءت لمخيلته طريق متمددة بلا حدود، ولسان حاله يقول: "استعننا على ما ينتظرنا بالله"، بينما كانت شاشة التلفاز تستعرض وصفة اليوم المعتادة لأكلة ليست مفرداتها من قاموس "جلون" أو ثقافته، وإن فكر فيها فجيبه لن ينعم بالسلامة لأسابيع طويلة!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق