أضيف في 5 مارس 2017 الساعة 07:13

عن فيروز والأبواب وأشياء أخرى


ناصر سالم المقرحي

عن فيروز والأبواب . . وأشياء أُخرى

على باب منوقف تنودع الأحباب

نغمرهن وتولع ايدينا بالعذاب

وبواب بواب شي غرب شي صحاب

شي مسكر وناطر تا يرجعوا الغيَّاب

آه آه آه البواب

وقت اللي بلوحلك وبسكر الباب بياخذني الحنين

بفكر رح أشتاق لك بفكر عا هالباب رح أنطر سنين

آه يا باب المحفور عمري فيك رح أنطر وسميك باب العذاب

آه آه لبواب

في باب غرقان بريحة الياسمين

في باب مشتاق في باب حزين

في باب مهجور أهله منسيين

هالأرض كلها بيوت يا رب خليها مزيني ببواب

ولا يحزن ولا بيت ولا يتسكر باب .

وهي الأغنية التي وكما نرى مخصصة للأبواب في حالتيها الواقعية والمجازية والتي ترددت فيها لفظة الباب والأبواب حوالي أربعة عشرة مرة دون أن يحس المستمع والمنصت بالأجترار أو التكرار الممل , فكلما تنطق فيروز بكلمة الباب ينفتح امام المستمع باب من أبواب السحر .

أدرك الرحابنة الشحنة الشعرية التي تحتويها مفردة الأبواب فاختاروا بضعة قصائد تحتوي على معاني إنسانية راقية يكون للباب دور في تجسيدها وتقريبها من المتلقي وقدموها بصوت فيروز الأخاذ , فالأبواب التي تتحدث عنها فيروز في أغنيتها هي الأبواب التي تحرس البيوت وتحفظ أسرارها هي الفاصل ما بين عالمين وتقف كبرزخ بين وجودين وعتبة ما بين الداخل والخارج , الأبواب منها ما هو يخص أُناس تعرفهم ومنها ما هو عائد لأُناس غرباء , منها ما هو مقفل في انتظار عودة الغائبين وما هو غارق في روائح الياسمين , وما هو مشتاق وما هو حزين , هنا تذوب الحدود الفاصلة ما بين الإنسان والأبواب , فإذا الأبواب عبارة عن أُناس تحس وتشعر تشتاق وتحزن وتفرح وإذا بالناس عبارة عن أبواب , والأبواب الموصدة التي تقصدها فيروز هي أبواب البيوت التي هجرها أصحابها جراء اندلاع القتال بين الفئات المتحاربة في لبنان سبعينيات القرن المنصرم أو الحرب الأهلية التي يصفها اللبنانيون الذين اكتووا بنارها بجملة " تنذكر ما تنعاد ".

ثم أن هذا العالم كله بيوت مُزينة بأبواب , فيارب أحفظ هذه الأبواب بحيث لا يحزن ولا بيت ولا يتسكر باب , هكذا تُنهي فيروز الأغنية بهذا الدعاء وتترك الأبواب مُشرعة على الأمل .

الأغنية من كلمات الشاعر اللبناني الراحل جوزيف حرب – رغم أنه لا يمت للحرب بصلة – ومن ألحان الموسيقار فيلمون وهبة .

لمَّا عا الباب يا حبيبي بنتودع

بيكون الضوء بعدو شي عم يطلع .

أما باب أغنية " لمَّا عا الباب " , فالباب هنا هو الشاهد الوحيد على عملية الوداع التي تتم فجراً والناس نيام وما رافقها من مشاعر جياشة وعواطف وانفعالات ودموع وتوجس إذ غالبا ما تترافق لحظات الوداع بالحزن وهيمنة الشعور بعدم الألتقاء مرة أخرى , فيها تشف النفس ويبلغ التأثر مداه وتُفصح العواطف عن نفسها أو تسيل بهيئة دموع ونظرات متأسية , إستثنائية هي لحظات الوداع وثمة من يخشى خوضها كتجربة مريرة ويهرب من مواجهتها ومعايشتها وتذوق مرارتها الأكيدة .

أما باب أغنية .

من عز النوم بتسرقني

بهرب لبعيد بتسبقني

يا حبي صرت بآخر أرض عم أمشي وتمشي في الأرض

لا وينك بعدك لا حقني

كن تودعنا وصوتك غاب وناداني العمر الفاني

ولما عا حالي سكرت الباب لقيتك بيني وبين حالي .

فهو الباب الذي يفاقم من المحنة ففي الوقت الذي كانت تعتقد فيروز التي تقمصت هنا شخصية الحبيبة أنها بقفلها للباب تكون قد تخلصت من محنتها , يتسلل الحبيب من تحت الباب – مجازاً – ليحول بينها وبين نفسها هاته اللصيقة بها وهذه صورة شعرية مدهشة فعلا والشعر في تصوري هو ما استطاع رسم الدهشة على ملامح المتلقي .

حبيبك وصاكِ تا تظلي بالبيت

ومين ما حاكاكِ ما تتركي البيت

ما بدو تشوفي حدا ولا تردي عا حدا

كل الأبواب مسكرة

هيك الهوى يا قمرة

قمرة يا قمرة لا تطلعي عالشجرة

والشجرة عالية وأنتِ بعدك صغيرة

ياااااااااااا يا قمرة .

الأغنية من كلمات الشاعر ........ وألحان ........ وفيها كما نلحظ كغيرها من الأغنيات تتردد مفردة الأبواب بالغة الدلالة .

دق الهوى عالباب قلنا حبايبنا

قلنا الحلو اللي غاب جاي يعاتبنا

قمنا فتحنا الباب والشوق غلبنا

تاري الهوا كذاب بدو يلاعبنا .

الباب أيضا في هذه الأغنية التي كتب كلماتها ....... ولحنها ........ حاضر بقوة وبدلالاته الشاعرية العميقة التي تجسد حالة الغياب والترقب بما يرافقه من توتر وقلق .

وأنا عم أنطر على الباب

لو فيا يا عينيا خبيك بعينيا

رجعت الشتوية .

كثيرة هي الابواب التي تغنت بها فيروز سوى أن الباب الذي يفصلها عن الحبيب أو الباب الذي يكون شاهدا على انتظاراتها المريرة وأملها في الوصال هو الأكثر بروزا من بين كل أبواب فيروز , فيروز الصبية العاشقة الخجولة التي لا تعرف حتى ما أصابها وما سبب ارتباكها وتلعثم لسانها عند وقوعها في الحب , لأنها وإن كانت تحب مثل كل البشر , فهي لا تعي الحب أو بالأصح لا تعي كيمياءه ومفعوله في الجسد والروح إلا متأخرة أي بعد الوقوع والتورط فيه .

خذني ياحبيبي عا بيت مالو بواب

خذني يا حبيبي عا قمر الغياب

أنساني بالجفا بأيام الصفا

تا يرجع ......

تا يرجعوا الأحباب

يا حبيبي .

هل يمكن تصور بيت بلا أبواب إلا إذا اقترحت علينا فيروز ذلك والبيت الذي بلا أبواب في اعتقادي هو الذي يضمها وحبيبها بحيث لا يفكر أحدهم في المغادرة والأبتعاد وببيت لا أبواب به لا طريق للخروج وهذا يعني الدنو الأبدي والأقتراب حتى النهاية وهذا غاية مرام العشاق والمحبين .

وعلى باب السهرة تبكي المواويل

تطفي القناديل وتبكي المواويل

ونسهر على العتمة ثنينتنا سوا

فايق يا هوى منين كنا سوا

والدمع سهرني وصفولي دواء

تاري الدواء حبك وفتش عالدواء .

لا فُضَ فوكِ فيروز على هذا السحر والجمال الفتَّان , لو أن للأبواب ذاكرة لكنتِ حارستها , وهي محض أبواب صارت أيقونات صارت طاقة للجمال حين تغنت بها السيدة فيروز واستدرجتها إلى مملكتها العامرة بأطايب البهجة والسرور , شكرا لفيروز شكرا للابواب شكرا للرحابنة شكرا للحياة التي أهدتنا فيروز وأسفرت عن أحلى ما تمتلك في حضرة دهشتنا , جميلة فيروز وهي تغني وصوتها ينساب عذباً في المدى يطرق أبواب القلب ليهطل غزيرا مطر غوايتها فتخضر الحنايا وتزدهر الروح .

وتستمر فيروز في الشدو المباح والترنم بالألحان الشجية وهي تقف على باب الحبيب .

أنا على بابك مسا والصباح

وبعيونك ربيعي نور وحلي

أنا لا حبيبي وحبيبي إلي

يا عصفورة بيضاء لا بقى تسألي

لا يزعل حدا ولا يعتب حدا

أنا لا حبيبي وحبيبي إلي .

ولا شك في أن كلمات الأغاني السابقة بها من الصور الشعرية والمجاز المولد للمعاني والجمال ما يستطيع أن يجعل الأقلام تسيل ولا تتوقف لتحليلها , سوى أننا نكتفي بهذا القدر ولن نتوغل أكثر على أن نترك للمتلقي التفاعل مع إيحاءات وأبعاد الأغنيات المنتقاة كلماتها بعناية سواء كتبها الأخوين رحباني أو كتبها شعراء آخرون وحسبنا أننا أوردنا بشأنها إشارات ونوهنا بها .

وأجمل ما في السيدة فيروز أنها تجعلك تعيش الكلام الذي تقوله في أغنياتها , فإذا ما غنت للحب فأنت تشعر به وتحسه , وإذا ما غنت للوطن فأنت تستفيق على حبك له وانصهارك فيه وإذا ما تغنت بالأمكنة فأنت تشتاق لها وتحبها وتعشقها فقط بناء على شهادة فيروز حتى وإن لم تكن تعرف الأمكنة التي تتحدث عنها فالميت الإحساس فقط هو الذي لا يحب لبنان الذي تتغنى به فيروز أو لا تأخذه نفسه إلى بغداد التي احتفت بها فيروز ذات غناء أو دمشق التي لم نراها جميلة بالقدر الكافي إلا بعد أن تغنت بها فيروز , وإذا ما غنت فيروز عن العلاقات الإنسانية وللمحبة وللمودة فأنت بلا شك تهفو لما تغني وتتمنى أن تحياه صوت وصورة مثلما يقال , وإذا ما غنت عن الطبيعة من جبال وأنهار وبحار وحقول وسماءات وأقمار وغيوم فأنت ترتادها وتجوسها على متن صوتها وفوق صهوة شدوها , أجمل ما في فيروز أنها تقترن بالأمل .. أيه في أمل , تسأل فيروز وتُجيب بثقة لتنقل لنا عدوى الأمل وتصيبنا بداء التفاؤل .

قادر الصوت الفيروزي على شعرنة الأشياء وإضفاء لمسة من السحر عليها ما أن يتغمدها بذبذباته , كثيرة هي الألفاظ والجُمل التي لا تعني شيئاً في سياق آخر غير السياق الفيروزي , ومن بين هذه الأشياء , الأبواب التي لا تحمل شحنات شعرية عالية التركيز في سياقات أُخرى غير أنه وما أن تترنم بها فيروز حتى تكتسب صفة الشعر وتصير إلى حالة غير حالتها الطبيعية , وتدخل في نطاق الساحر والفتان الفني الجميل الجذاب والآسر , ولفيروز قصة مؤثرة مع الأبواب كما يبدو وإلا لما تغنت بها واحتفت , بهذا الحب وهذا الشغف الذي لا يستطع أن يكتشفه إلا عاشق مثلها أو مُريد رفعت عن عينيه الغشاوة .

واجمل ما في الغناء الفيروزي – إن جازت التسمية – أنه وخلال لحظات بعد الإنصات إليه ينتزعك من سياق المعتاد ويزرعك في مدارات الدهشة والعذوبة , أجمل ما فيه هو تلك الأجواء الشاعرية التي يضعك وسطها ويعزلك عن كل ما حولك حتى أنك لا تعود كما كنت قبل الأستماع والأستمتاع إذ أنت حينها كمن نبتت له أجنحة فطفق يسمو ويعلو فوق المعتاد واليومي , وإذ أنت كمن صار خفيفا كقشة في مهب الريح , وإذ أنت نقطة تلتقي فيها كل الأفراح وأنواع السرور وترى من البهجة ما لم تعهد من قبل ومن الحبور ما لم تختبر ومن السعادة ما لم تعتد مشاعرك , وإذ أنت كمن به مس من الهناءات , وتُقبل على نهارك متفائلا مبتسماً إن أنصتت إليها صباحاً وتنم قرير العين مرتاح البال إن استمعت إليها مساءً , أجمل ما في صوت فيروز أنهُ يُعطِّل الكدر ويُبطل مفعول الأسى , أنهُ يُحيل إلى أوقات مخملية حميمية ويُتيح هنيهات حريرية , أجمل ما فيه أنهُ ينظف أذُنك من النشاز ويتركك مُعلقاً في سماء النشوة .

وأخطأ من قال أن فيروز فنانة صباحية لا يحلو الإنصات إلى شدوها إلا صباحا , ومثلما أن فيروز صالحة لكل الأزمان بعد ظهورها – وهذا ما أثبتته الخمسون أو الستون سنة الماضية هي عمر تجربتها – صالحة لكل الأوقات في الصباح وفي المساء في الظهيرة وما بعد الليل , في السَحر وفي العشايا , فيروز بمحض صوت فتان قادرة على تأثيث الأوقات - كل الأوقات - بالأجمل وبالممتع .

يطيب لنا أحيانا أن نُسبغ الألقاب على بعض الأشخاص الذين نحبهم ونخلع عليهم من المزايا ونمتدحهم , غير أننا قد ننتبه في لحظة ما إلى أننا نُبالغ في مدحنا ونشطط ونُهول ونندفع في عملية الإطراء حتى أننا قد تؤنبنا ضمائرنا على هذا التسرع ونشعر بأننا أعطينا الشخص الممدوح أكثر من حقه وأننا نسينا في خضم حبنا له الموضوعية وأننا أنسقنا وراء عواطفنا ومشاعرنا غير أن هذه المشاعر والأحاسيس بتأنيب الضمير لا تراودنا إذ نتحدث عن فيروز ونمتدحها أو نمتدح صوتها وفنها بل على العكس من ذلك فمهما قلنا واستحضرنا من أوصاف جميلة نحس بأننا لم نفيَها حقها من الإطراء ومهما قلنا فإننا لم نصل إلى ما تستحقه من توقير وثناء , وكيفما اجتهدنا تظل تعابيرنا قاصرة على أن تبوأها مكانتها الحقيقية وكلماتنا عاجزة عن بلوغ مرتبتها وسمو فنها .

هذه فيروز

التي . . تزورها العصافير لتأخذ عنها التغريد والزقزقة

وتتفتح الأزهار على ندى صوتها

التي . . يخترع شدوها كوناً موازياً

خالياً من الحروب والفتن

منزوع الأحقاد والضغائن

كوناً يؤطره الشذى وتحفه الأقمار

بلا أسلاك شائكة متربصة

ولا بنادق متأهبة

كوناً لا تنقصه الأجراس ولا الأراجيح

لا القناديل ولا هديل الحمام في الصباحات

كوناً . .

به ما يكفيه من الأفراح ومواسم الغِبطة ومتطلبات السرور

بِهِ ما يُلبي حاجة أهله من الفراشات والحدائق والأنغام

بِهِ من المسرات أنواعاً

ومن الأقمار أقماراً

لهُ نكهة الهناءات ومذاق الطمأنينة

لا شيء يشبهه ولا شيء يُعادل أقماره الجذلى

وباقٍ ويتمدد .

 

 

 

 

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق