أضيف في 5 مارس 2017 الساعة 01:55

الاديبة خيرة جليل المغرب: لقصة الومضة إبداع تفرضه الساحة الأدبية بقوة ... نموذج القصص الومضة للكاتب المغربي أحمد أيت داود


خيرة جليل

ا

يقول الأديب والناقد : داود سلمان الشويلي في دراسته القصة الومضة ... التنظير والانجاز

....إن قصة الومضة ، تؤكد على آن الحدث غير معني بالاشتغال والانشغال من قبل القاص ، وإنما المهم أن يكون النص قد أدى غرضه الفني في أن يكون بارقا – من البرق - في ذهن ووجدان المتلقي ، وهذا لا يتم ما لم تتضافر مقومات القصة الومضة من التركيز والتكثيف ، والكلمات القليلة الموحية ،والمفارقة ، المؤدية إلى حالة الإدهاش التي هي كالصدمة لذهن ووجدان المتلقي .....ما قال عمران أحمد حول القصة الومضة فهي " قصة الحذف الفني,

والاقتصاد الدلالي الموج, وإزالة العوائق اللغوية والحشو الوصفي ... والحال هذه أن يكون داخل القصة شديد الامتلاء , وكل ما فيها حدثًـا وحوارًا وشخصيات وخيالاً من النوع العالي التركيز, بحيث يتولد منها نص صغير حجمًا لكن كبير فعلاً كالرصاصة وصرخة الولادة وكلمة الحق.

وإحدى الحقائق المهمة التي ينبغي أن نفطن إليها هو أن القصة الومضة (القصة القصيرة جدًّا) جنس أدبي ممتع، ولكن يصعب تأليفه , كما يقول هارفي ستابرو

ولذا فإن كثيرًا من النصوص التي تكتب باختزال واقتضاب ويُظن أنها قصة ومضة, لا يعد من قبيل القصة الومضة. وهذا ما جعل الدكتور فايز الداية يصر على أن يكون المسهم في هذا اللون القصصي متمكنًـا في الأصل من الأداء اللغوي والفني ومن أساليب السرد , وعنده رؤى يقدمها في الحياة وفي المجتمع وفي جوانب الفكر والسياسة وما إلى ذلك

وهذا الارتباك في كتابة القصة الومضة يوازيه ارتباك في الرؤية النقدية لدى كثير من النقاد أيضا , إلى حد جعل الناقد ياسر قبيلات يذهب إلى أنها تبدو محيرة وملتبسة , تكاد لا تجد تقعيدها الحقيقي , في قائمة الأنواع الأدبية إلا بصفتها عنوانا جديدا يضاف إلى فهرست التباس الأنواع الأدبية

وقد أتى على هذه المقومات بصورة متكاملة الناقد د. محمد رمصيص في قوله:

"إن قصر هذا الجنس الأدبي ليس خاصية كمية بقدر ما هو خاصية جمالية.بمعنى أن اعتماده على التكثيف والحذف يجعله يترك وحدة الانطباع من جهة،ومن جهة ثانية يعوض قصره بامتدادات المعنى وتداعيات الدلالة من خلال جعل القارئ في قلب تشكيل دلالة النص وملأ بياضه وفراغه..لكن هذا يستدعي من القاص كذلك دقة انتقاء اللحظة القصصية واعتماد النهاية غير المتوقعة والمفاجئة..وبالتالي نهجه لكتابة مجازية تحيل ولا تصرح،ترمز ولا تقرر

إن القصة الومضة لا يهمها الانشغال كثيرًا بالحدث والأحداث بقدر ما يهمّها أن تؤدي غرضها الفني في أن تبرق وتشع داخل النص القصصي أولاً ، ثم في داخل وجدان المتلقي ثانيـًا .‏ وإذا ما توافرت على هذه الشروط وهي : والتكثيف , والموحيات والدلالات, ومعها المفاجأة الصادمة التي تصل حدّ الإثارة وتحفيز مخيلة القارئ وهواجسه تجاه ما يقرأ ويتفاعل معه وينفعل به , فهي قصة ومضة بامتياز.

من هذا المنطلق وجب أن نطرح مجموعة من الأسئلة : فما هي مقومات القصة الومضة التي اشترطها النقاد؟

كيف تكتب قصة ومضة ناجحة؟

؟ هل تتوفر هذه المقومات في الومضات الثلاث التي تم اختيارها للدراسة والتحليل ؟ هل هذه القصص الومضة هي وليدة المستجدات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعرفها المجتمعات العربية أم إنها مجرد تسلي المبدع بالكلمات والسعي وراء الموضة الأدبية ؟

لنعد للجواب على السؤال الأول فالقصة الومضة هي القصة التي تتصف بالإيحائية ، وبلغتها الشاعرية وبأقل عدد ممكن من الكلمات قد لا تتعدى ثمانية كلمات في أقصاها

ما هي مقوماتها ؟

يمكن تلخيصها فيما يلي:

- التكثيف والتركيز.

- الإيحاء

- المفارقة.

- الخاتمة المدهشة

هل هذه المقومات تتوفر في الومضات الثلاث التالية :

1-خبر عاجل

أعلنت الهدنة الإنسانية ؛ خرقتها قوى شيطانية

2-لاجئون

طردوا من الوطن ؛ طاردهم حراس السواحل

3-دواء

أرقهما الحب ؛ عالجاه بالأحلام.

ولترسيخ مقوماتها ونتفحص وجودها يجعلنا نؤكد ونكرر مقولة الناقد د. محمد رمصيص .‏ وإذا ما توافرت على هذه الشروط فهي من التكثيف , والموحيات والدلالات ومعها المفاجأة الصادمة التي تصل حدّ الإثارة وتحفيز مخيلة القارئ وهواجسه تجاه ما يقرأ ويتفاعل معه وينفعل به , فهي قصص ومضة بامتياز.

أولا : تمتاز النصوص القصصية الثلاثة بقلة عدد كلماتها التي لا تتجاوز سبعة كلمات في أقصاها

هل هذه القصص الومضة مكثفة إذا ، وموحية، ومبنية على المفارقة، ونهايتها مدهشة .؟

بالنسبة للتكثيف هناك فعلا اقتصاد في الكلمات والاكتفاء بالقليل منها مما أوفى بالغرض. فهي مكثفة جدًا ، وخالية من الزوائد والحشو الوصفي والاستطرادات والانثيالات الواعية وغير الواعية ، إضافةً إلى تركيزها على خط قصصي هام يتمثل في النقاط والكلمات التي توصل إلى الموقف ورصدها بمهارة شديدة حالات إنسانية شديدة الصدق كما انه استعمل أفعال الحركة حيث في الومضة الأولى والثانية مثل أعلنت وطرد.... ولم يستعمل أفعال الوصل والأفعال الناقصة،هناك اختيار الكلمات الموحية ، والممتلئة بالمعاني الحافة للمعنى الأصلي لكن تغيب في الثانية والثالثة لفظا بالكلمات ولكن تظهر وبإنشاء علائق رابطة بينها ،يولد الإيحاء ، وذلك من خلال إبراز طرد الوطن للمواطن وفي الضفة المقابلة لم يكن استقبال بل طرد كذلك، تنثال الذاكرة لترسم حالات وصور عديدة ومتنوعة لحالة الطرد والمعانات النفسية لهذا اللاجئ، من هنا يفضي التكثيف الناجح لدى الكاتب إلى لغة مشعة بالإيحاءات والدلالات فتكون رشيقة في إيصال المعنى والمضمون.والإيحاء هنا جعلنا نعرف ما يتحدث عنه ـ أو أنه قادنا إلى الاعتقاد بأننا تعرفنا عما يتحدث، من دون إعلامه ذلك بصورة مباشرة. مما جعلنا نستنتج، فزاد انشغالنا بقصته". إن الإيحاء هنا لدى الكاتب من خلال لغته هو عكس المباشرة والتقريرية .

والمفارقات واضحة في الومضتين الأولى والثانية بشكل صريح : الهدنة والخرق والإنسانية و القوى الشيطاني ثم والطرد والوطن و الإيحاء في الثالثة حتى في المفارقة في حد ذاتها الأرق والحب والعلاج والأحلام...لكن الومضة الأخيرة المفارقة فيها ليست بنفس قوة الومضة الأولى والثانية

و" المفارقة " تظهر لنا هنا نوعا من النوع التصويري،و التي هي واحدة من مقومات القصة الومضة،هي موازنة ومقارنة بين حالتين قد قدّمهما الكاتب في صورة تضاد واختلاف يُلفتان النظر إليهما بحدة، مما زاد إحساسنا بما نقرأ، و شاركنا في تعميق الفهم ، لنصل لحالة ما نقرأ بطريقة إيحائية.

فالمفارقة هنا درامية. والمفارقة عمومًا صيغة بلاغية تعني: قول المرء نقيض ما يعنيه لتأكيد الهدنة والخرق والإنسانية والقوى الشيطاني والحب والحلم مثلا وهي تقنية قصصية تبعث على الإثارة والتشويق،"الذي يتحقق من ثنائية المفارقة, التي من الممكن أن تحمل أبعاد التقابل أو التضاد، الرفض أو القبول، الواقعي وغير الواقعي المؤمل أو المتخيل".

إن "المفارقة خلاصة موازنة ومقارنة بين حالتين يقدّمهما الكاتب.

هل كانت هناك دهشة في الختام ،مما يعطي المتلقي راحة نفسية بعد وصوله إلى حالة الاندهاش تلك ، فيحس بالرضا دون أن ينتظر المزيد.

فعلا عنصر الدهشة واضح كذلك بقوة في الأولى و الثانية نحن نندهش من طرد الوطن لأبنائه ومن كيف أن يكون الحب مؤرقا وكيف يعالج الحب بالحلم ؟ مما يجعل الومضة الثالثة أكثر قوة من الاثنين.

…. فإذا كانت الثقافة كما عرفها كليفر جيرتز تتمثل في إنها وببساطة هي مجموعة القصص التي نرويها لأنفسنا ،و أن الواقع القصصي الأدبي للكاتب هو بلغة دقيقة تمكنه من تمثل¬ الصور القصصية كنص له سياقاته الفكرية والثقافية¬ والجمالية و الاجتماعية والسياسية العالمية الحديثة وما أفرزته كل التحولات فحتى عناوين ومضاته هي وليدة ذلك. بحيث نجد العناوين : خبر عاجل ولاجئون ودواء وهي كلها مصطلحات وليدة ما يعرفه العالم وخصوصا السوريون من طرد الوطن لهم وطرد السواحل العالمية لهم وكذلك ما يعرفه العالم من حروب فان كانت المنظمات الدولية لحفظ السلام تنص علي الهدنة فان شياطين السياسة تخرق هذه الهدنة كما في الومضة الثالثة نجد أن شباب العالم العربي أصبح يؤرقه الحب لانعدامه حقيقة والطموح إليه ، مما جعلهم يطلعون إلى حل مشاكلهم بالحلم وهذا واقع مرير بالطبع . وبهذا فقد توفق الكاتب في نقل الصور الاجتماعية والسياسية والعاطفية لزمنه إلى ابعد حد.

فعلا ، تتضافر مقومات القصة الومضة لدى الكاتب ليا داود من التركيز والتكثيف ، والكلمات القليلة الموحية ،والمفارقة ، المؤدية إلى حالة الإدهاش التي هي كالصدمة لذهن ووجدان المتلقي في هذه الومضات الثلاث النموذج مما يفرض على الكاتب أن يحافظ على نهجه في الومضات الباقية إذا أراد أن يتبوأ قائمة المبدعين المتمكنين من منتوجهم الإبداعي وإذا أراد أن يبحر في هذا الاتجاه ....خيرة جليل .

 

 

 

 

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق