أضيف في 4 مارس 2017 الساعة 00:46

صاحبة الجلالة تحت شعار '' اهْبَشْ تَجْبَدْ احْنَشْ ''..


نورالدين موهيب

راكمَت عبر مراحل التاريخ من الصلاحيات الشيء الكثير. رسمت مسارات وتحكّمَت في موازين القِوى لأفراد وجماعات وتجمعات بشرية، في أماكن مختلفة من المعمور. رفعت البعض للأعلى، وهوَتْ بآخرين أسفل سافلين. وبذلك ، وغيره، استحقّت من التّسميات أسْماها وأكثرها بريقا ، وأغناها وأشرفها حُمولة، لعل أهمّها أن تُنعَت بصاحبة الجلالة.

خبِر دهاليزها وامْتهَنَها نُخْبة من مُروِّضي الكلمة ، والمُتَمرّسين في اللغة ، والسّابِرين لأغْوارِها . نُخبة مُثْقلَة بمعارف وثقافة تمتَح ممّا هو محلي ووطني ودولي ، من الحديث المعاصر والضّارِب عُمْقا في دهاليز التاريخ. وكل ذلك في إطار مهني يعتمد كدعائم ومبادئ عامة : الأخلاق والشفافية والنزاهة واحترام الآخر والحرفية العالية ودحض الخلاف والإيمان بالاختلاف...

لكن ، في ظل انْدِحار الحْسّ المهني وتبلُّد الذوق وانتشار الأمراض والعُقد النّفْسية بفعل الضُّغوطات الحياتيّة والفراغ الفكري ، وتفاقُم داء الوصولية والانتهازية ، اسْتُبيح دمُ ولحْمُ صاحبة الجلالة ، وغذت كَعاهِرة يَنْفُث فيها ومن خلالها كل من هبَّ ودبَّ من المُصابين بمُختلف العاهات سُمومهم وأوهامهم وسخافاتهم تحت مُبررات ويافطات تنَوّعتْ بين تعْرية ومعالجة الواقع ،ومحاربة الفساد وحرية التعبير. يافطات سمحت بتسَلًّل وافدين من أزقةٍ وحَواري ومَنابع غارقة في الْوحل والسّموم الراكدة ، ومن حلقات التّشدُّق بالحِوارات التافهة . كما أمست مَلاذا للعاطلين والمعطوبين فكريا والمهْووسين بحُب الظهور، وتحت مسميات عدة من قبيل : المراسل والمنْتسِب والمُتعاون والمندوب وغيرها.

كل ذلك ساهم في ارتفاع عدد مُرتادي مِحْرابِها وانْتشارِهِم كالْفِطْرِ السّام ، مُنْتِجين رُكاما من الكتابات والخَرْبَشات المُؤثَّثَة بتراكيب لغوية ركيكة ومنحلة وهجينة ، تستقي من العامية والفصحى في قوالب غريبة ومشوّهَة ، جعلت المادّة الْخَبريّة والتّغطية الإعلاميّة تفْقدُ بريقَها وقوّتها وتتَحلّل من كل مُقوماتها ، لِتغْدُو مادّة فُرْجة رخيصة وتَنْكيت بئيس وغَرْفٍ من كل الْبِرَكِ الآسِنَة بلا تعَمُّق أو تَمْحيص ، والركض وراء الخُصوصيات ،باعتبار ذلك مَسْلَكا سَهْلا لا يَتَطلّبُ مجْهودا فِكْريا ولا مَخْزونا معرفيا ، ولا مُؤهِّلات من أي نوع ،عدا ما يُمكن أن نُسمّيه: " السنطيحة " .

فما العملُ إذن، حين تجِدُ نفْسَك في مرحلة من مسار حياتك ، في مواجهة "مُتَصاحِفين مُتسَنْطِحين" شَتّامين لَعّانين ، يخْتلِقون الأقاويل والحكايات ويُفبْركون السّيناريوهات ، ويقْتاتون على البقايا . يَنْفُثون دخّان نفْسِياتِهم الْمُثْقلَة بالأمراض والْعُقَد النّفسية التي لا تحصى. "مُتصاحِفين" يتحَرّكون كالدُّمى ب"الرّومونْتْ كونْتْرولْ" ؟ يكتُبون ويتنَفّسون ويتغَوّطون تحت الطّلب ، ويُنْتِجون تَفاهاتٍ بأساليب وتراكيب مُفَكّكَة وأخطاء لُغوية لا تُخْطِئُها عينُ تلميذ بالابتدائي ، ويَتَبجّحون بعد ذلك، بِلا حَياء، بكَوْنهم صحفيين أكْفاء؟

ماذا تقول "لمُتصاحفين" أقزام يرْزَحون تحت مَسّ شياطين البُؤْس وهَوَس الْعظَمَة . يُصيبُهم الْهَلَعُ ويَتَلقّفُهُمُ الْجُنون ، وتُكشِّرُ ذِئاب الْحقْد عن أنيابها ، وتَعْوي داخل أقْفاصِهُم الصّدْرِية ، حَنَقا وحِقْدا لِمُجرد تَشَمُّمِهم رائِحة نجاح هُنا أو هناك، أو لِمُجرد أن أٌشيرَ عليهم بنَهْش لَحْم هذا الشخص أو ذاك ؟

ماذا تقول لمن يدّعُون كونهم صحفيين ، وتَجِدُهُم يَتَفاخَرون ويَتَبَجّحون ،بعِظام ألْسِنَتِهِم ، بكَوْن شِعارِهم في الْعَمل هو: "اهْبَشْ تجْبَدْ حْنَشْ" ؟ ألا يعكس ذلك تفاهَة مُستواهم الفكري والمهني ، وقُصور نَظَرِهِم ،ودَناءَة الرُّؤْية والرُّؤْيا لديهم ؟

طبعا ، وبعد رفْع القُبّعة تحِيّة وإجْلالا لِفِئة الصّحفيين ، ممّن يمارسون المهنة بِحِرفيّة عالية ،وحسب ما تُمْليه عليهم ضمائرهم وتُؤَطِّرُه الأخلاقيات المهنية ، وفي حِيادٍ واسْتقْلاليّة تامّيْن. بعد هذا ، لن نَكون شتّامِين ولَعّانين ، ولا مُهَرِّجين بئيسين لفئة "المُتصاحفين" ومثْلهم، ولكن لهُم نقول : اعلموا أنه " ما كُل الطّيْر يُؤْكَلُ لَحْمُه " وأن " الْحُرّة تَموتُ ولا تَأْكُلُ من ثَدْيِها" .

بِئْس ما تَتَقَيّؤون من عَفَن في مِحْراب صاحبة الجلالة ، واسْتَحِموا من أَوْساخِكُم لِتَرْتَقوا، فرائحَتُكُم تُزْكِمُ الأُنوف، والقاع بِكُم ازْدَحَم .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين موهيب

أستاذ   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق