أضيف في 1 مارس 2017 الساعة 21:31

حالة تذبذب


المصطفى سالمي

جرب "عباس" أن يعيش حياة التعقل لسنوات طويلة، لكنه أحس فجأة وكأنه لم يجن منها إلا الخيبات والنكسات النفسية والذهنية في وسطه الموبوء، لقد أورثته هزالا وإرهاقا ومعاناة رهيبة، الناس في محيطه لا يطيقون صرامته المنطقية، إنهم يحبون الاستهتار كثيرا، ولا يحترمون مجرد ميعاد صغير، يعشقون التسلية والمتعة، يثرثرون ويقهقهون لأبسط المواقف التي تثير اشمئزازه، يحبون القشور والإسفاف، ورغم ذلك فأكثرهم ناجح في علاقاته الاجتماعية في عالم قائم على الهزل والنفاق والمظاهر الزائفة، لذلك قرر "عباس" أن يستدرج نفسه إلى عوالم الآخرين، لعله يجد سعادة أو متعة أو على الأقل يتخفف من أثقال السنين، ربما يعثر على شيء مفتقد في عالمه الذي أصبح يبدو بئيسا جدا، رغم اعتقاده أن الآخرين فيهم دون شك من يتوق ليتحول لموقعه، ويصبح صارما حازما مثله، من أدراه؟! إن الناس يحلمون دائما بالتغيير، فليكن إذن غير ما هو عليه، هكذا ارتدى صاحبنا رداء اللامبالاة والعبث، ولم يكن ذلك سهلا عليه أول الأمر، فقد كانت قسمات وجهه وملامحه تفضحه وتظهره بخلاف ما يود أن يصبح، ولكنه سيحرص على أن يتحول من الداخل أولا، وستأتي المتغيرات الخارجية لتكرس وضعيته الجديدة مع مرور الزمن.

تمر الأسابيع والشهور، ولا يرى الناس إلا شخصا مستهترا ضاحكا لاهيا لا يبالي بشيء، كان يبدو أول الأمر ممسوخا ذابلا، كنبات اقتُلع من تربته الأصلية، وزُجّ به في بركة آسنة، ولكنه ما لبث أن مدّ جذورا في أعماق الوسط الجديد أو هكذا بدا الأمر، لقد أصبح له اسم مختلف هو: "بسبس"، وأصبحت مشيته قفزا وتمايلا، كما اكتسب رفاقا جددا، وأصبحت له حلة زاهية، لباس مختلف وحلاقة تساير العصر والمستجدات، وقته يقضيه في المقاهي والأندية، اهتماماته أصبحت صغيرة، ولكن أين السعادة التي كان يبحث عنها؟ أين الشيء المفقود الذي كان يظن أنه سيعثر عليه؟! لقد أصبح "بسبس" يعيش فراغا قاتلا وخواء وعبثا لا يطاق، تردد كثيرا في أمر نفسه، وخاف أن يطول به المقام في وسطه الجديد، فيستحيل عليه بعد ذلك العودة لسابق عهده، ويصبح مثل الغراب الذي أراد تقليد مشية الحمامة، ولكنه عجز عن ذلك، وحين أراد العودة لمشيته الأصلية عجز وبقي متأرجحا فاقدا لهويته، لقد كان رفاق "بسبس" في عالم العبث أشبه بالدمى أو البهلوانات، كان يحسهم مجرد مهرجين، ورغم ذلك تاه ـ وبإرادته واختياره ـ زمنا بينهم، ثم عاد متذبذبا ومتأرجحا أشد ما يكون التذبذب والتأرجح، إنه التيه نفسه، فهل يعود لحضنه الأول، حضن الكتب والمعرفة والقراءات، إلى عالم الجدية والوقار، لا مفر من ذلك، إنه قدره، هكذا عاد صاحبنا واثق الخطى، كان قلبه يرتجف من أن يكون قطار الحزم والصرامة قد فاته، لم يهتم بالقيل والقال من هذا الطرف أو ذاك، عاد ليكتشف دفئا في حضنه السابق، وجمالا وإشراقا غير مسبوق في عوالمه السالفة، طرح خلفه لقب "بسبس" غير مأسوف عليه، وارتدى تسميته الأصيلة: "عباس"، فهو ليس مخلوقا ليكون دمية أو بهلوانا أو فقاعة، لقد وجد صاحبنا الشيء المفتقد، إنها نفسه التي سيجعل منها موضوع الدراسة، أسباب الإخفاق هنا وهناك، وسر اللذة العجيبة بعد العودة!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق