أضيف في 1 مارس 2017 الساعة 16:06

قراءة في رواية '' الجريمة والعقاب '' لفيودور دوستويفسكي '' .


Ebdullah Peer

قراءة في رواية " الجريمة والعقاب " لفيودور دوستويفسكي " .

" اما الفئة الثانية فهي تتألف من رجال يتميزون بانهم جميعا يكسرون القانون ، بانهم جميعا مدمرون ، أو بانهم جميعا ميالون الى ان يصبحوا كذلك بحكم ملكاتهم . جرائم هؤلاء الرجال تتفاوت خطورتها و تتنوع اشكالها طبعا و اكثرهم يريدون ، بأساليب متنوعة جدا ، تدمير الحاضر في سبيل شيء افضل ، فاذا وجب على احدهم من اجل تحقيق فكرته ، ان يخطو فوق جثة ، او فوق بركة دم ، فان يستطيع ان يعزم امره على ان يخطو فوق جثة و فوق بركة الدم وضميره مرتاح ؛كل شيء رهن بمضمون فكرته ، وبما لها من اهمية طبعا ." رواية الجريمة و العقاب ج1-ص 467-468 .

نبذة عن الرواية :

              الجريمة والعقاب هي رواية الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي، ظهرت اول مرة في مجلة (الرسول الروسي ) في الاعداد من كانون الثاني الى كانون الاول لعام 1866، يتميز اسلوب دوستويفسكي بقدرته على التعبير عن مكنونات النفس البشرية ، فقد عرف بتوجهه الإنساني وبنزعته الفلسفية التي بدت واضحة في أعماله الأدبية ، حيث يتجلى في هذه الرواية التزاوج بين الصناعة الفنية والبعد الفكري الذي يضفي على الرواية ملامح رسالة للإنسانية كافة ، ولعل أسلوبه يمثل خير دليل على وجود الصراعات البشرية ، وكيف أن الانسان يصبح متوحشاً ، حينما يمس مصالحه خطر ما ، في هذه الرواية كما يتبين من عنوانها ( الجريمة و العقاب )، يتناول الكاتب موضوع الخير والشر الكامن في أعماق نفس الانسان ، والذي يرتبط بالجريمة بالمعنى الواسع ، فقد صورت ما يعتمل في نفس المجرم وهو يقدم على جريمته ، يصور مشاعره في ثلاث مراحل ، مرحلة ما قبل ارتكاب الجريمة ، ومرحلة ارتكاب الجريمة ، ومرحلة ما بعدها ، كما يرصد لنا الكاتب كيف ان المحرك الأول والأساس للجريمة هو التمرد على الأخلاق العامة ، لقد اكتشف بطل الرواية ( راسكولينكوف ) ان هناك قوة غريبة تدفع الانسان المتفوق إلى ركوب المغامرة إلى أبعد الحدود ، ويشرع في ارتكاب الجرائم ليثبت تفوقه ، والبطل يقلد من يراهم من المتفوقين ويرتكب جريمته ، ولكن العقوبة التي يتلقاها من هذه الجريمة قاسية جداً ، فيُتهم بالجنون،  وأنه مصابٌ بأمراض نفسية غريبة ، حتى يصل به إلى حد التفكير في الانتحار .

شخصيات الرواية :

1.     (روديون رومانوفتش راسكولينكوف(روديون) ) هو بطل الرواية ، شابٌ يبلغ من العمر ثلاثةٌ وعشرون عاماً ، وطالب جامعي سابق ، ذو شخصية مزدوجة، فهو من جهة بارد غير مبالي ومعادي للمجتمع، ومن جهة أخرى محب ودافئ  وحنون ، إنه مريض نفسياً ، ويحدث له هذيان بكثرة، يكون هذه سبباً في افتضاحه كقاتل للعجوزة المرابية .

2.    (بولشيريا الكسندروفنا راسكولينكوف ) والدة (روديون راسكولينكوف )، قدمت إلى (سانت بطرسبرغ )على أمل زواج ابنتها من (لوجين) .

3.    (أفدوتيا رومانوفنا راسكولنيكوف (دونيا)) أخت (راسكولينكوف )، فتاة جميلة عملت مدبرة منزل مدة من الزمن  عند " سفيدريجايلوف" .

4.    (صونيا سيمونوفنا مارميلاردف )وتسمى ( صونيا) ، هي الابنة الكبرى لرجل سكير يدعى (سيمون مارميلادوف )، فتاة خجولة ، وبريئة على الرغم من أنها تضطر إلى ممارسة البغاء لمساعدة أسرتها .

5.    (ديمتري بروكوفيتش رازميخين) صديق (راسكولينكوف).

6.    (بروفيري بيتروفيتش) المحقق المسؤول عن حل قضية (اليونا إيفانوفا) وأختها (إليزبيث) ، ومحاولة إرغامهما على الاعتراف بجريمة القتل ،يقوم بذلك من خلال الوسائل النفسية ،على الرغم من عدم وجود أدلة .

تحليل مغزى الرواية :

           تتطرق الرواية لموضوع مهم جداً  وهو الجريمة  كمشكلة اجتماعية وأخلاقية ، وما لها من نتائج على الواقع الاجتماعي، وردود أفعال أخلاقية لهذا الفعل ، حيث ترتكز الرواية على قيام طالب جامعي موهوب وهو ( راسكولينكوف ) بالإقدام على قتل مرابية عجوزة وشقيقتها لدوافع نفسية و أخلاقية ، ومن هذا المنطلق  نجد الكاتب يهتم كثيراً في روايته بإبراز ظروف الواقع الاجتماعي ،التي تحصل فيها الجريمة كثمرة من ثمار ( السكر و الدعارة و الفقر) ،وهذه الأمراض الاجتماعية هي التي يعانيها سكان مدينة بطرسبرج ( مسرح احداث الرواية ).

 إن حياة الناس البسطاء أمثال الشخصية البطل  (راسكولينكوف) وأمه وأخته ، وعائلة (مارميلادوف ) ، من معارف (راسكولينكوف ) وابنته (صونيا) ، تبدو مظلمة وقاتمة، يشوبها اليأس والعذاب والفقر والانحراف ، الذي انغلقت أمامه كل السبل ، ومن الفكرة التي اثارها بطل الرواية ، والمأخوذة من مقالة زعم بأنها نُشرت في إحدى المجلات الدورية ، ومن خلال أحداث الرواية  ، يجري الحديث بأن المجتمع الانساني مقسم على قسمين هما :  العامة ، والمتميزون الذين يحق لهم خرق القوانين في سبيل تنفيذ افكارهم . كما أنه قسّم  شخصيات الرواية إلى مجموعتين تمثلان مواقع اجتماعية متعارضة: مجموعة تمثل الشعب المسحوق، الذي يطحنه الفقر والحاجة والحرمان، وتتمثل في كل من (راسكولينكوف وصونيا وعائلاتهما)، ومجموعة أخرى تمثل أصحاب المال الذين تعطيهم ثروتهم “حق” الإساءة إلى المحتاجين، وفي مقدمة هذه المجموعة تبرز( اليونا إيفانوفا ) ، العجوزة الشريرة التي تمارس الربا مع الناس ، تمتص دمائهم وتقتص منهم  ، والداعر المجرم (سفيدريجايلوف)، الذي تمكنه ثروته من الإساءة إلى المعوزين بلا رادع ولا عقاب.

           لقد أثار (دوستويفسكي ) بوساطة هذه الرواية سؤالاً هاماً هو : هل قتل الانسان للانسان جريمة ؟ ، إذا كان الجواب : ( نعم) ، فلماذا لا نحاسب بعض الأشخاص الذين قتلوا المئات ، بل الألاف من الناس ، ومع ذلك يُنظر اليهم كأبطال أو كقادة كبار، و ما الذي جعل هؤلاء بمرتبة عليا لا تمسهم يد القانون و العدالة ؟  من هذه الحالة يندفع بطل الرواية ( راسكولينكوف ) الطالب الجامعي للقيام بارتكاب جريمة قتل ، بدوافع اجتماعية وانسانية وفق رؤيته ، فيصبح هذا السؤال عاملاً يحثه على ارتكاب الجريمة ، ومن هنا يتولد سؤال آخر في نفس القارئ عن ماهية العدالة بين البشر ، أي هل هناك عدالة ؟ ام انها صنيعة الانسان ، لتمرير ما يراه مناسباً ، و لمحاسبة ما يراه خطراً عليه وعلى مصالحه ؟ يحاول (راسكولينكوف ) تحطيم مبدأ العدالة نفسها ، بارتكابه جريمة يراها ليست جريمة بل انقاذ الانسانية من كائن ضار وسيء للإنسانية ، وندرك هذا من خلال تسميته لضحيته بالقملة ، فكما هو معلوم القملة حيوان طفيلي ضار ، يمتص دم ضحاياه ، وينقل الأمراض ، وهي ليست ذات أهمية بالنسبة للإنسان ، ضحية بطل الرواية هي عجوز مرابية ، لا تعمل شيئاً سوى الربا ، أي امتصاص مال الناس ومحاولتها سلب مالهم عن طريق الرهن و الفائدة ، وهي في عمر لا تستطيع عمل شيء ، هذه العجوز غير نافعة بل ضارة ، باكتنازها المال دون نفع للعالم ، وإن التخلص من هذه الانسانة كانه تخلص من قملة، لأنها بنظره قملة في جسم المجتمع ، من هنا  يثير الكاتب مسألة شرعية الجريمة أياً كان نوعها ، أي هل هناك جرائم مشروعة وقانونية وأخرى غير قانونية وغير مشروعة ؟ أليس قتل انسان جريمة اي كان هذا الانسان ؟ إذن لماذا لا يُحاسب البعض على ذلك ؟ ثم كيف يمكن تعريف الجريمة قانوناً ؟ أليس تعريفها من هذا المنطلق تعريف سطحي و مؤدلج ؟ إن الكاتب يعيد صياغة تعريف الجريمة عبر تصنيفها إلى أنواع  من الجرائم ، حسب رؤية الشخص المعني .

         ناقش دوستويفسكي في روايته هذه موضوع الجريمة كموضوع أخلاقي يثير مسألة الخير والشر ،وكيف أن أي ضرر يصيب الانسان في حياته فلابد أن يعد جريمة ، فالجريمة لا تقتصر على القتل فحسب ، وقد أظهر ذلك من خلال شعور بطل الرواية بحالة نفسية مركبة من ( الحب و الكراهية ) ، حب من يماثله ، ومساعدتهم والدفاع عنهم ، والتضحية بكل شيء في سبيل سعادتهم و راحتهم ، كما يظهر من خلال مواقف كثيرة بأن البطل يضحي بماله و وقته و راحته  من أجل الآخرين،  الذين يعانون الفقر والعوز، كمسالة أخلاقية ، او كالتزام اخلاقي امام الآخرين ، تظهر الجريمة  عندما تكون هناك فوارق طبقية كبيرة بين فئات المجتمع الواحد، ويؤدي هذا الأمر إلى التفكك الاجتماعي ، وانتشار الفساد ، الذي يهدد  البنية الاجتماعية لذلك المجتمع ، أما بالنسبة للكراهية ، فهي الجانب الآخر الذي يمارسه البطل مع الذين يتصور بأنهم سبب بؤسهم و شقائهم ، وهو يكره الذين يرتكبون الجرائم في المجتمع دون أن يحاسبهم أحد ، كذلك يكره رجال القانون لأنهم ينحازون إلى طبقة أخرى ، وهذا العامل يعد حالة سلبية في أي مجتمع يؤدي به إلى حالة من التفكك و الانهيار الاجتماعي ، إن الفقر والعوز من أهم الأسباب التي تؤدي إلى تفشي الفساد والجريمة في أي مجتمع ، لذا نرى بأن الكاتب  يبرز هذه المسالة من خلال هذه الرواية  ، فيصور كيف أن اجتماع ( الفقر ، والفساد و الشعور بالمهانة ) كلها عوامل قوية لحصول الجريمة وانتشارها بشكل واسع ، مما يهدد الواقع الاجتماعي ، ومع ذلك فقد وضّح الكاتب بأن الخير والشر نسبيان حسب المنظورين الأخلاقي و الفلسفي ، لأننا ما نراه خيراً قد يبدو شراً عند الآخرين ،أما ما نراه شراً فقد يجده الآخرون خيراً ، لذا نرى بأن هذا الأمر من أهم المرتكزات التي حاول (دوستويفسكي ) إظهاره للقارئ.    

            حاول  دوستويفسكي  في روايته وعبر بطل الرواية (راسكولينكوف ) عرض أحاسيس الشخص الذي يقوم بارتكاب الجريمة  ، و صنّف هذه الأحاسيس على ثلاث مراحل ، مرحلة ما قبل الجريمة ،وهي أحاسيس فياضة ، تحفز الشخص للقيام بما ينوي ، ويفكر بان تكون جريمة متقنة ، من غير ان يترك أي أثر ، قد يُستدل عليه اثناء التحقيق ، يفكر ويخطط ، ماذا يفعل ؟ وكيف يمكن استدراج الضحية ؟ وكيف ينفذ الجريمة ؟ ثم ماذا يعمل بعد الانتهاء من جريمته ؟ أما مرحلة ارتكاب الجريمة فيصاب المجرم بقلق شديد ، ويفقد السيطرة على بعض من أفعاله ، وقد تكون الظروف ضد خطته في اللحظات الأخيرة من ارتكابه للجريمة ، وفي تلك اللحظة  يرى نفسه ضعيفاً ، ويرتكب أخطاء قاتلة أو تصرفات غير مدروسة و لاعقلانية ، ثم تأتي المرحلة الثالثة وهي الأهم ، مرحلة ما بعد ارتكابه الجريمة ، وفي هذه المرحلة  يقع المجرم فريسة لحالة نفسية مشوبة بالقلق و تأنيب الضمير، وهذه الحالة قد تؤدي إلى اعتراف المجرم بالجريمة ، كما حدث مع بطل الرواية .

 

المصادر :

·      رواية ( الجريمة و العقاب ) للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي ، ترجمة : الدكتور سامي دروبي ، دار ابن رشد للطبع والنشر .


·      عن رواية الجريمة والعقاب ، من  موقع ويكيبيديا  .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : Ebdullah Peer

French language   / Duhok , العراق


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق