أضيف في 28 فبراير 2017 الساعة 00:59

الناقدة التشكيلية خيرة جليل : محمد سعيد العلاوي تجربة تشكيل عميقة بشموخ عقل شيخ مدبر وقلب طفل مبدع مشاغب


خيرة جليل

 

ليس الفعل الثقافي ممارسة مناسبتية ينقضي فعله بانقضاء أهازيجه ومراسم احتفاله وإنما بناء مستمر حتى يغدو عرفا اجتماعيا ، يسكن اللاشعور الجمعي بقيم عنوانها العريض الضارب في عمق المحلية المؤهلة للكونية .والفعل الثقافي الجاد ، بما هو بناء مستمر ضمن سلسلة متلاحقة لا تعرف التوقف ، إلا باستحضار دائم للشرط الموضوعي دون ان يظل حبيسا له ، ولن يتحقق هذا الوعي الثقافي المبني على الواقعية وتجاوزها في الآن نفسه إلا بتجاوز كل الوثوقيات وإخضاعها المستمر للمساءلة ، فلا عجب إن وجدت مبدع تشكيلي يقف على إشكاليات إبداعية برى ويقوم بمساءلتها من خلال مداعبته لفرشاته وسط ألوان يمزجها بدراية وشموخ وإدراك واع لذاته المبدعة وسط هذا الزخم العربي الهائل للتشكيليين في ظل التحولات التي يعرفها العالم العربي خاصة والعالم بأسره عامة. إن الفعل التشكيلي لدى التشكيلي سعيد العلاوي يمارس عن دراية ووعي ثقافي وفعل مسؤول أما مجتمعه وأمام فنه ككل خصوصا في السنوات الأخيرة .

فما هي المدرسة الفنية التشكيلية التي ينتمي إليها فنانا ؟ وكيف تعامل مع الفضاء التشكيلي ومع الرموز التشكيلية ليتحفنا بمنشأ تشكيلي تتوفر فيه المعايير الجمالية وتحترم الذوق الإبداعي ؟ وهل بقي سجين الفرشاة والمزج اللوني العادي أم وصل إلى اللون الحركة والإبداع التركيبي ؟ والى أي حد حاول وضع بصمة شخصية تؤرخ وجوده التشكيلي ؟

إذا عدنا إلى المسار الإبداعي للفنان ،نجده في المرحلة الأولى تعامل مع المدرسة الواقعية التشخيصية بأدق التفاصيل الدقيقة و المتناهية في التفاصيل الجسدية والذات العربية بالتحديد ككل الراسمين المبتدئين الذين يريدون إظهار مهارتهم وتمكنهم من الرسم كتعبير تشكيلي . لكن مع تقدم السن والخبرة المتراكمة نجد الفنان انزاح نحو المدرسة التجريدية، تجريدية تستمد إلهامها من واقعه اليومي و تحمل بصمته كيف ذلك ؟

لقد استطاع التحرر من ما هو جسدي تشخيصي ورسم نهجا يحمل بصمته في اطار المدرسة التجريدية التي تستمد رموزها من واقعه السعودي : رموز اتخذت من المتموجات والانعراجات الخطية أفقيا وعموديا يؤثثها بروز مآذن وقبب مساجد واضحة وظلال محتشمة لنساء ورجال عابرين لفضائه التشكيلي وهذا راجع لتربيته الإسلامية الدينية التي تحتفي بالفضاءات الدينية المقدسة وتنهى عن التجسيد والتجسيم البشري ..... مما جعل أعماله متفردة من حيث التجريد الفني الإبداعي الذي لا يدخل في التجسيد الواقعي ولا يخرج عن نطاق استنباطه من الواقع اليومي المعاش بكل تحولاته وإكراهاتها ليفتح أفاقا إبداعية كلها أمل في غذ أحسن بألوان مشرقة ومتدرجة غنية بالضوء المستمد من البيئة العربية في أعمق دلالاتها اللونية والرمزية .

فيما يخص الفضاء التشكيلي خلقت لنفسه فضاء تشكيليا متمكنا منه بممارسته اليومية والذي يعمل على إخضاعه لإرادته أثناء الانجاز بحيث يرفض العمل واقفا أمام سنده في أغلب الأحيان ، بل يضعه أرضا ويمارس نشاطه على فضائه بكل هيمنة وتمكن ، مما مكنه من ضبط حدوده والتحكم في محدداته ومعالمه. وبهذا الإخضاع الكلي لا يستطيع الفضاء تحديه فهو لا يقف أمام اللوحة البيضاء الخام، الخالية من كل لون إلا من الطلاء الأبيض حائرا كبقية الفنانين المبتدئين ، ولا يقف لحظات أو ساعات طويلة، مشدودا حائرا متسائلا مع نفسه عن موضع لوحته لكنه يشرع في تغطية البياض بمجموعة ألوان من اختياراته ، ليشكل عمق اللوحة أو الخلفية بكل ثقة في النفس وتحكم في وسائله ورموزه ، هذه الخلفية التي تحدد أساس العمل الفني لونا وتكوينا ورسما، و ستتموضع فوقها رموزه الممتدة في المجال بلا بدايات ولا نهايات وتؤثثه ظلال شخوص مبهمة ومحتشمة ، متراقصة، متناغمة، وتركيبات لونية قوية ومنها المتدرجة ومنها الحركية . إن العمق بألوانه المتنوعة المغطية لا يشكل خشبة أوركسترا سيمفونية الألوان فقط بل إن الأشكال والشخوص الحاضرة مرة والغائبة مرات عديدة هي شخوص مسرح لانعراجات خطية وتدرجات لونية . وغالبا ما نجد رموز سلالم كدلالة على ارتقاء اجتماعي لشخوص هذه الفضاءات أو كرمزية على أن الحياة هي مثل المرقى فيها الصاعد وفيها النازل ، ما دام البشر مجرد عابرين لدروب الحياة بصفة عامة ولحياة المبدع بصفة خاصة . كما أنه انفتح على عالم تشكيلي عالمي امتد من الهند إلى أوربا وأمريكا و إفريقيا وحاول تأريخ لحظات عبور هؤلاء الأشخاص في حياته. وبذلك أصبح العمق/الخلفية عبارة عن نسيج لوني يحيلنا على أنسجة تراثية أخرى ترتبط أصالتها ببلده الذي يعتبر قبلة مسلمي العالم . إنه فضاء مغطى برموز وعلامات وخطوط تنساب، تائهة في كل اتجاه فتتلاقى وتتقاطع لتتولد عن تقاطعها أشكال هندسية مختلفة المصدر على شكل منازل بشرف خارجية أو مساجد تعلوها قبب ومآذن تتلاشى وسط اللون البني تارة ووسط اللون الأسود تارة أخرى، ونحن نعرف الدلالة الرمزية لكل لون خصوصا أن الأسود رمز الاحتراق والتلاشي في نفس الوقت وقد يحيلنا على الخوف من النسيان خصوصا انه عاصر ثلة من التشكيليين الذين غادروا الحياة من السعودية وليبيا ولبنان والمغرب كالتشكيلي يوسف معتوق وعبير الكيكي .... أو رمزية ما عرفه العالم العربي من احتراق وموجات سوداوية عابرة مع الربيع العربي والحراك السياسي والفكري بالمشرق العربي ، مما يشعرنا وكأن التشكيلي يدق جرس ناقوس الخطر لما يجتاح الساحة التشكيلية من سواد وتعتيم للآفاق الإبداعية سواء لدى الذات المبدعة أو المتلقي ككل وهذا من خلال استعماله الحنة السوداء عوض الألوان الفاتحة وألوان الحركة والضوء...... وبروز رمز الدائر المغلقة بشكل لافت للانتباه في بعض الأعمال .

ومن هنا نلاحظ أن تشكيله يتأتى من ثقافته الثاوية خلف مورثه الثقافي والاجتماعي ، وبما ترسب في قعر تربيته الأصيلة من الثقافة الشعبية الإسلامية السعودية تلويناتها ، وقدرتها على مسايرة الركب الحضاري ، وبذا أيضا تتكامل أضلاع المربع الثقافي وتتناغم داخل سياسة ثقافية شعبية وطنية موحدة لتتحول إلى حركة ثقافية مواطنة اختارت الاختيار التشكيلي الحداثي لمساير الركب العالمي.

في علاقته مع الفرشاة لمزج وتنزيل الألوان لمراقصة رموزه وجعلها اكثر تناغما نوضح انه استثناء متفرد بذاته فهو لا يستكين للفرشاة العادية المتعارف عليها كأداة وحيدة بل صنع أدوات واكسيسوات من الكارتون والبلاستيك خاصة به وخاضعة لأغراضه التشكيلية التي يطوعها كما يشاء هو لا كما تشاء الظروف ، كما التجاء إلى لصق ودمج الجرائد القديمة والكرتون ورقع من الورق أو القماش في منشئه التشكيلي ليستطيع خلق حركة وحياة في فضائه التشكيلي معتبرا أن الجرائد ذاكرة جماعية في طريق الانقراض أمام الاجتياح الخطير للثقافة الالكترونية والتي بشكل حادث عرضي أو بالقرصنة تجعل الفرد يصبح جزء من النسيان الذي يجتاح الذاكرة الجماعية أمام تراجع العلاقات المباشرة بين الأفراد واقتصارهم على العلاقات الافتراضية .....

في طريقة انجازه لتنزيل خلجاته وأفكاره والتي عاينتها عن قرب بالملتقى العربي الثالث سنة 2014 يبدو الفنان وكأنه في سفر زمني عبر بوابة فكرية يعي فيها كل ما يقوم به بفضائه التشكيلي ولكن يغوص في عالمه ويفقد علاقته بالخارج أو العالم المحيط به وكأنه دخل محراب تعبد وجب فيه الصمت والتأمل والتذكير والتفكير والتدبر و رموزه تخرج بسلاسة وهدوء وسهولة وسيولة وحكمة وتمعن وخبرة فأصبح أمامي شيخ مدبر يمارس نشاطه الإبداعي عن حنكة ودراية لكن بشغب قلب طفولي يداعب اكسيسوارته التي اغلبها صنعها من بلاستيك او بطائق تعبئة هاتفية .... كاللعب المركبة ليبدع عملا تجريديا سهلا ممتنعا مما يجعلنا أمام منشأ تشكيلي تتوفر فيه الذائقة الجمالية والثقافة المحلية والتطلع الكوني ....

فعلا ، فلا عجب إن وجدت مبدع تشكيلي اسمه سعيد العلاوي يقف على إشكاليات إبداعية يرى ويقوم بمساءلتها من خلال مداعبته لفرشاته وسط ألوان يمزجها بدراية وإدراك واع لذاته المبدعة وسط هذا الزخم العربي الهائل للتشكيليين في ظل التحولات التي يعرفها العالم العربي خاصة والعالم بأسره عامة. إن الفعل التشكيلي لدى التشكيلي سعيد العلاوي يمارس عن دراية ووعي ثقافي وفعل مسؤول أمام مجتمعه وأمام فنه ككل ، خصوصا في السنوات الأخيرة بحكمة شيخ ودراية زمنية ودينية وبقلب طفل تستهويه الفرشاة والألوان والتي قد يستغني عن أشياء كثيرة في حياته دون أن يفكر في الاستغناء عليها .>الناقدة خيرة جليل

 

 

 

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق