أضيف في 27 فبراير 2017 الساعة 19:42

مسألة العدالة الاجتماعية في الحراكات العربية


عبد الإله بلقزيز

ما جرى بمحض الصدفة أن جموع المتظاهرين، في أحداث ما يسمى «الربيع العربي»، اندفعوا مطالبين بالخبز والكرامة والعدالة الاجتماعية، وبمحاربة الفساد، جنباً إلى جنب مع المطالبة بإنهاء حال الاستبداد؛ فالفساد والاستبداد وجهان لعملة واحدة فاسدة، وإلى ذلك فهما يتولدان من بعضهما تولد اعتماد وضرورة. من يسيطر على السلطة، ويحكم عليها قبضة الاحتكار يحتكر الثروة بالتبعة، ويختص نفسه بثمراتها. والذي يحتكر هذه يحتاج إلى توسل السلطة واحتكارها لمدافعة ما تحت تصرفه من ثروة. وكما أن الاستبداد يغطي الفساد، لأنه شريك فيه، كذلك الفساد يسكت عن الاستبداد لأن مصلحته فيه. وقد يكون هناك استبداد من غير فساد، فيكون في حكم «الاستبداد المستنير»، كما سماه بعض مفكري الأنوار الأوروبيين -أو في حكم «الاستبداد العادل» كما سماه إصلاحيّو القرن التاسع عشر الإسلاميون- كما قد يكون هناك فساد من غير استبداد، فيكون في حكم الفساد الشائع في الرأسماليات المعاصرة. أما حين يجتمعان في نظام واحد -اجتماعهما في النظام العربي- فتكون الطامة أكبر والخطب أعظم، ويكون في اجتماعهما التربة الخصبة للاحتجاج العمومي والانتفاض نظير ما حصل في مطلع هذا العقد الثاني من القرن.
لم يكن الموت الغزير في الساحات والشوارع والميادين، ولا صدور الناس المفتوحة لرصاص قوات الأمن، مسرحيةً سياسية لإخراج نص سياسي آخر غير المعبر عن نفسه في مشهد الموت، كان ترجمةً لتوق جماعي إلى كسر طوق الحيف والتهميش والفاقة الذي ضرب بخناق الملايين من المواطنين العرب، والتأميل في بناء نظام اجتماعي جديد يحترم حقوقهم ويصونها. وإذا كان هناك من استثمر سياسياً في فقر الناس وحاجتهم وإصفار أيديهم، فزج بهم في الشوارع والساحات، فهو لم يخترع حال البؤس التي يرزحون فيها، وإنما وجدها مستفحلةً وقابلة للاستخدام فاستخدمها. وهكذا، أياً يكن موقف المرء من ذلك «الربيع العربي»، ومن خيوط اتصاله ب -أو انفصاله عن- مشاريع لزعزعة الأوضاع القائمة وتغيير القوى والخرائط، فالأمانة التاريخية تقتضينا الاعتراف بأن استشراء الفساد، واتساع الفوارق الطبقية الفاحشة، وسوء توزيع الثروة، وما اقترن بذلك من إفقار متعاظم وتهميش متسع النطاق هي الوقود الذي أشعل حرائق ذلك «الربيع» وسوغ الهبات الشعبية الغاضبة، أو خلع عليها بعض المشروعية السياسية، بقطع النظر عما آلت إليه أمورها في «نهاياتها». من الدروس المستفادة من تجربة «الربيع العربي» -وهي كثيرة- درس العدالة الاجتماعية، ومنها التوزيع العادل للثروة: بين طبقات المجتمع وفئاته وبين المناطق والأقاليم داخل الوطن الواحد. أنفق قسم كبير من المجتمع السياسي ومن المجتمع الثقافي العربي شطراً مديداً من الزمن مدافعاً عن العدالة الاجتماعية؛ مرةً تحت هذا العنوان، ومرةً تحت عنوان الاشتراكية، وثالثةً تحت عنوان الإنماء المتوازن والتوزيع العادل للثروة. لكنه، في الأحوال جميعاً، ظل وفياً لمسألة عدها أمّ المسائل في الاجتماع السياسي العربي هي المسألة الاجتماعية.
كان تجاهل النظام السياسي (العربي) للمسألة هذه تجاهلاً صارخاً: في السياسات العامة، في برامج التنمية، في الإنفاق. وحين ضاق عليه الخناق الاقتصادي والمالي لجأ إلى الاستدانة، وحين عجز عن سداد ديونه (بل الفوائد السنوية لديونه)، لجأ إلى طلب جدولة سداد الديون، ثم كان عليه أن يرضخ لشروط «صندوق النقد الدولي» و«البنك الدولي» لقاء قبول طلبه، تماماً كرضوخه لتلك الشروط، قبلاً، للحصول على قروض. وكان الثمن فادحاً جداً: ما استطاع النظام ذاك أن يحقق التوازنات التي سعى إليها، غير آبه للتوازنات الاجتماعية، وما استطاع أن يحد من استفحال أوضاع الفقر والتهميش حين مسّت القوى الحية المالكة للخبرة (خريجي الجامعات)، نظير عجزه عن الحد منها حين أصابت، قبل عقود، قوى العمل المهمشة. كان كل شيء في المشهد العربي ينبئ بأن انفجارات اجتماعيةً على الأبواب.
سيتكرر قطعاً، ما حصل من انفجارات هائلة في أحداث «الربيع العربي» إن لم يقع تدارك عواملها الاجتماعية بالتصحيح والتصويب. والتصحيح والتصويب عندنا ليسا شيئاً آخر غير إنتاج رؤية سياسية جديدة للمسألة الاجتماعية، وترجمتها في مخططات وبرامج عمل للتنمية الاجتماعية تغطي الحاجات الأساسية، وتقلص الفجوات الخرافية بين الطبقات الاجتماعية، ومساحات الإفقار والتهميش، وتحارب الفساد وهدر المال العام، وتوفر فرص العمل لملايين العاطلين عنه، وتؤمن الخدمات الأساسية: التعليمية والصحية، وتوفر شبكات التأمين الاجتماعي من ضمان صحي وسواه. إن أي تنمية اقتصادية غير ذات مضمون اجتماعي، أو لا تقوم على مقتضى التنمية الاجتماعية؛ وأي تنمية لا تكون العدالة والنصفة في الحقوق ميزانها، هي حكماً آيلة إلى إخفاق أو على الأقل، إلى الاصطدام بالنتائج الاجتماعية الثقيلة المترتبة على سوء توزيع الثروة. وكما أن الإخفاق التنموي، والتجاهل الصارخ للمسألة الاجتماعية، والانعدام التام للعدالة في توزيع الثروة، توفر جميعها البيئة الخصبة المناسبة لانفجارات هائلة، نظير الانفجارات الاجتماعية التي حصلت في أحداث «الربيع العربي» فإن انعدام حياة سياسية طبيعية، في البلاد العربية، يزيد من فرص انفلات الانفجارات تلك من أي ضابط يعقلها، ومن أي إطار اجتماعي (نقابات، أحزاب، منظمات مدنية...) يحتويها، الأمر الذي ينجم عنه الاحتداد الشديد في تعبير تلك الانفجارات الاجتماعية عن نفسها، وفي جملته الجنوح للعنف.
على أن دروس «الربيع العربي» -إذا كان هناك في البلاد العربية من يقرأ ويتعظ- لم تنبه النخب الحاكمة، حصراً، إلى خطورة إشاحتها النظر عن الاجتماعي في التنمية، وإلى ما سيكون عليها أن تدفعه -من بقاء سلطتها أو استقرار تلك السلطة- لقاء تجاهلها المديد للمسألة الاجتماعية، وإنما هي نبهت أيضاً النخب المعارضة -أو هكذا يفترض- إلى مركزية المسألة الاجتماعية في أي تغيير!


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق