أضيف في 25 فبراير 2017 الساعة 22:52

الناقدة التشكيلية خيرة جليل : أحمد عقيل أبو العدس: المعادلة التشكيلية الصعبة : مراقصة الحرف العربي والقصائد الشعرية لانبثاق لوحات تشكيلية واقعية كونية تحكي قصصا تعج بالحركة والحياة والإبداع


خيرة جليل

الناقدة التشكيلية خيرة جليل : أحمد عقيل أبو العدس: المعادلة التشكيلية الصعبة : مراقصة الحرف العربي والقصائد الشعرية لانبثاق لوحات تشكيلية واقعية كونية تحكي قصصا تعج بالحركة والحياة والإبداع

إن مراعاة الشخصية الثقافية ،بكل عاداتها وتقاليدها وتاريخها بكل آلامه وآماله ، بكل أفراحه وخيباته- بنيتها الفكرية وكيفية تشكيلها لتمثلاتها وتصوراتها ، لطبيعة مخيالها بمعزل عن المحيط الوطني أو العالمي ...لن يؤدي إلا إلى الاحساس بالاختناق ، وتكريس اللامبالاة ، وحفر هو سحيقة بين الكائن المبدع ومحيطه، والذات المبدعة وموضوعها، وتلك أقصى حالات الاغتراب التي تجرد الكائن من الفعل وتحوله إلى رد فعل يهدد باستمرار كل أمن ثقافي . وهو الذي لن يتأتى بدايته إلا بتشجيع المبدعين الحقيقيين واحتضان مشاريعهم الإبداعية وتسويق منتوجهم الفكري والفني في إطار هيكلة الاهتمام بالسياحة الثقافية والمبادرات الفردية التشكيلية و الخلاقة . إذ يستحيل الانتماء إلى الفسيفساء الثقافي العالمي إلا بالإضافة النوعية للمنتوج الوطني الأصيل ، فلا كونية بلا محلية ، ولا محلية دون الاعتناء بجذورها. والتشكيلي أحمد عقيل ينتمي إلى هذه الفئة المبدعة التي أصبحت ناذرة في زمن الإكراهات الفنية المتزايدة بوثيرة خطيرة في عصر العولمة والانفتاح التكنولوجي .

هذا المبدع استطاع حل معادلة صعبة وتتجلى في كيفية استثمار الموروث العربي : الخط العربي والشعر العربي وتمكن من الاثنين ليبلورهما في قالب فني تجريدي جديد تنبثق منه لوحات تشكيلية واقعية تعج بالحركة اللونية والابتكار الفني والدقة الاحترافية ترسم لنفسها مسارا عالميا يحمل بصمته الشخصية من حيث جميع المكونات الفنية والتشكيلية الجمالية . فكيف استطاع الوصول إلى هذه النتيجة المضبوطة من خلال انتقائه لمواضيع لوحاته وقصائده الشعرية إلى رسم تصور ذهني لها وإنزال هذا التصور التشكيلي من المخيلة إلى فضاء لوحته التشكيلية ؟ وكيف تعامل مع وسائله التقنية الفنية من أصباغ وفرشاة ومزج وكتلة وتوزيع وضوء ليعطينا منجزا تشكيليا يتطابق مع ما أعلنا عنه مسبقا وبمواصفات جمالية ؟ وماهي البصمة الشخصية له في هذا المنوال التي ينوي من خلالها تحويل المورث العربي الفني الخطي والشعري والقصصي في لوحة تشكيلية إلى موروث فني وثقافي عالمي ؟

تملك فضاء لوحاته بل أصبح يتحكم في حركات ريشته وألوانه. فصعب أن ترسم بالفرشاة حروفا عربية منفصلة لتشكل كلمات وقصائد شعرية من تكتلها مع بعضها تخرج لنا كتلة لونية بتدرج وتنوع ألونها لينزل من وسطها شخوص وأجساد بشرية وحكاية عشق تشكيلي في سمفونية لغوية عربية . إنه عمل يتطلب جهد وعناء وتركيز وصبر في حذق وممارسة مضنيين. فهو رسام ملون فنان ومن الصعب أن تستخرج ألوانا أنت تتصورها ذهنيا فوق سطح اللوحة في شكل أحرف وكلمات ومقولات لتشكل شخوصا فاعلة ومتفاعلة بوسطها التشكيلي قبل أن تضعها على ارض اللوحة البيضاء . إنها معاناة التخليط والمزج والتصور والإنزال التدريجي الذي قد يستغرق شهورا إلى سنة على سطح اللوحة وانزياح لمضامين لغوية شعرية إلى مضامين تصويرية تحكي عن رحلة الحرف نحو الصورة الواضحة والمعبرة …التي تدفع الفنان إلى المزيد من الإضافات الصباغية والتصورات الحرفية التمثلات التصويرية الذهنية ، بل لا يتوقف حتى يكون هناك إشباع بصري وروحي للذات المبدعة سواء من حيث النغمة اللونية التي يراها مناسبة لتكوينه التشكيلي، أو العزف الحرفي المسترسل بلا توقف كعزف لسيمفونيته بيتهن أو موزار بكل أبعادها الفكرية والروحية في أبهى التجليات لتظهر لنا الصورة المنبعث من كتلة اللون و الأحرف المتشابكة كبزوغ خيوط الشمس الفجرية من غبش ظلمة الليل . فيكون الإمساك بجمالية اللحظة كالإمساك بتراتيل قرآنية بأذن واعية في الصبح الباكر، وهذا لا يتأتى لأي كان بل إلى ذات مبدعة واعية بذاتها وبالأخر وبالعلاقات المتشعبة التي تربطها بمحيطها الإبداعي والاجتماعي العربي ككل. فهي ذات متمرسة ولها خبرة في مراقصة الأحرف ومغازلة الأصباغ وترويض السطوح التشكيلية العسيرة ، وهذا طبعا يستمد جذوره من التربية الدينية التي تلقاها المبدع منذ صغره ودراسته بالكتاب القرآني والتي غرست فيه الصبر والإتقان والضبط الدقيق لرسم الحرف العربي مع حسن الإنصات لسقوطه على أذن المستمع والملتقطة للشعر العربي والتمثل البصري الممتع في جمالية الخط العربي وجمالية التشكيل العالمي لإخراج صورة تعكس ذائقة فنية وتشكيلية عالمية تلقى إعجاب المتأمل العربي و الغير العربي على حد سواء نظرا لبروز الصورة التي تؤثث اللوحة بانسياب ألوانها وتدرجها وانسجامها وقوة تشخيصها لشخوص يعجون بالحركة والحياة والإرادة في لوحات واقعي حضاري يقظ و مستيقظ تربطنا بمخيل عيني يقظ .

البحوث اللوني في لوحات الفنان تبرز أن البحث عن اللون ترغم التعبير التصويري على الانزياح.فتنمحي المضامين التي اعتدناها لدى غالب الفنانين العصاميين في التشكيل الواقعي المباشر، لكن لا يغيب الحكي والسرد ووصف شوائب المجتمع والمحيط إذا حضرت الشخوص من وسط كتلة لونية حرفية مضبوطة ومرسومة بدقة متناهية حتى لا تترك فرصة للصدفة أو لعبة الحظ أو العشوائية فتجدها متلبسة بدورها، بتهمة الانزياح من الكليغرافية النمطية العادية إلى كليغرافية تصويرية تجسيدية بأدق التفاصيل الجسدية في الحياة اليومية باحترام الذائقة الجمالية الراقية . فالشخوص ليست حاضرة لحكي قصص الظواهر الإتنوغرافية أو سرد نوادر حياة التشكيلي ، لكن حضورها هو انبثاق للضوء من الكتلة اللونية وانبثاق للذوات الحاضرة من غياهب النسيان لإعطائها وزنها الثقافي والاجتماعي بوسطها . وهذا في حد ذاته معادلة صعبة لا تخضع ولا يمكن حلها إلا من طرف فنان باحث في مجال التشكيل المعاصر عن دراية وثقافة ودراسة وتمحيص، لينتهك بعض من قوانين العالم الفني ليروض ما هو تجريدي رمزي و رسمي حرفي كليغرافي لميلاد ما هو صوري تجسيدي واقعي طبقا لمعايير سيمفونيته اللونية واللغوية . هذا الميلاد القيصري لتلك الشخوص ينسجم كليا مع رسم الحرف العربي و نوتة الألوان التي يسعى عقيل لكتابتها ليزعزع ترتيب أبجدية التشكيل والأشكال والرمزية والواقعية في آن واحد وبأن البحث التشكيلي يحمل في طياته المفاجآت ، وليقول: إن لوحاته واقعا حضاريا يقظا مستيقظا تربطنا بمخيل عيني يقظ، ، وأن كل المعالجات التشكيلية لمواضع الحياة هي نسبية وآنية .، وأن الصورة لا يمكن جعلها أثاثا إضافيا يشهد على انطولوجيا العمل الفني الحضاري بل هي وليدة ثقافات ولغات محلية يمكن أن تعرج نحو الكونية في ابعد تجلياتها .، وذلك من خلال الألوان بحرارتها والأشكال الحرفية المشحونة بحمولتها الرمزية التي هي كافية وحدها لتحقيق هذا الغرض. إن حضور الشخوص،كما هو حضور عناصر الحرف العربي بامتداداته وانكساراته يولد صورا واقعية مستمدة من الطبيعة العينية لا يكسر امتداد الفضاء التشكيلي للوحة بل يصبح نافذة معرفية ولونية وثقافية في امتدادها اللا منتهي نحو جميع الآفاق، وأحيانا تطل على عالم خيالي يحيل على مضمون مجتمعي. بينما غياب العناصر “الطبيعية” يجيز أمكانية توسع الفضاء التشكيلي وتمدده فتصبح اللوحة الواحدة قطعة من عالم تجريدي شاسع، حر، يصعب الوقوف عند حدوده النهائية. من تم يمكن قراءة اللوحة من جهات مختلفة : من جهة الرسم الحرفي التجريدي الكليغرافي كرمزية دلالية الكتلة لونية ، ومن خلال الدلالة النصية كقصيدة لها معناها وإبعادها الفكرية أومن حيث الصورة الواقعية المنبثقة من هذه الكتلة الحرفية اللونية بتغير نقطتها القطبية حسب نظرة المتأمل لها كمتلقي محايد بعيد عن الذات المبدع .

إذا فالفضاء التشكيلي لعقيل أصبح مسرحا تنبعث لنا منه شخوصه التشكيلية التصويرية بواسطة الحرف العربي Figuratif لتزيد من حدة الوفرة التعبيرية للوحة. فالشخوص حاضر ة كرموز تحيل إلى ثقافة بعينها، الثقافة العربية الإسلامية الممتدة من الخط العربي بجميع أشكاله وثقافته ، الشخصية العربية بألبستها، عاداتها، وحرفها، والقيم العربية كالفروسية والشهامة وتبرز شخصية المرأة العربية بدلالتها الاجتماعية و الإسلامية الاحتفاء بها سواء كزوجة أو كأم وأخت كما أوصى الرسول عليه الصلاة والسلام في خطبة الوداع ....فتغيب الحدود بين تلك الشخوص وما يتكون حولها من أشكال غير تشخيصية وكأنها تسبح في الذاكرة الإنسانية أو تخرج من العتمة اللونية المظلمة والغير الواضحة نحو الرؤية الواضحة لتعلن الإنعتاق و التحرر، فيسبح الكل في عالم كوسمولوجي تنصهر فيه ثقافة التجريد المميزة للتراث الفني الخطي مع ثقافة التشخيص ليسعى لأن يكون حضور الإنسان العربي تشريحيا وتلميحا في الوقت نفسه بالرموز الحرفية العربية ، إذ أنه يرى أن مجازية الرمز الحرفي يجب أن تتكتل مع بعضها لرسم شخوص يقظة ومتيقظة ومتطلعة لما وراء المرموز كعلامة كافية لسبر خبايا الأعماق المتطلع إليها .

فيما يخص ضربات الفرشاة هي ليست اعتباطية ولا عشوائية ولا عنيفة بل هي ضربات على شكل حركات رسمية مدروسة بدقة ومنفذة بإحكام وصبر ونفس طويل حتى لا تخرج على حيز الفضاء المتخيل لها في ذهن التشكيلي حتى تنزاح نحو كتلة لونية معينة بجميع تدرجاها وكثافتها وانصهاراتها وانفراجاتها ، غايتها ميلاد صورة واقعية من عالم تجريدي حرفي هدفتها حكي قصة أو حياة شخوص معينين من واقع اليومي أو من واقع ثقافته العالمية لتصبح ذاتا متحركة فوق فضائه التشكيلي تعج بالحياة .

هذا المبدع استطاع حل معادلة صعبة وتتجلى في كيفية استثمار الموروث العربي : الخط العربي والشعر العربي وتمكن من الاثنين ليبلورهما في قالب فني تجريدي جديد تنبثق منه لوحات تشكيلية واقعية تعج بالحركة اللونية والابتكار الفني والدقة الاحترافية ترسم لنفسها مسارا عالميا يحمل بصمته الشخصية من حيث جميع المكونات الفنية والتشكيلية الجمالية.<<<<خيرة جليل

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق