أضيف في 25 فبراير 2017 الساعة 06:55

يوميات إعفاء تعسفي لموجه تربوي 1


أحمد حسيسو

مكالمة هاتفية تلقيتها يوم الأحد 12 فبراير 2017م من طرف رئيس مصلحة الموارد البشرية بالمديرية الإقليمية للتربية والتكوين بإقليم تنغير، بالجنوب الشرقي للمغرب الأقصى، يدعوني فيها للقاء السيد المدير الإقليمي صباح غده الإثنين ثالث عشر فبراير !

سبحان الله، ما هذه العجالة؟ إخبار متأخر وحضور مستعجل... أن أُخبَرُ الليلة، ويكون عليَّ الحضور فورا صباحا !

سألته عما إذا كان زملائي أطر التوجيه التربوي بالمديرية مدعوين للحضور أيضا، أم إن الأمر يخصني؟

جوابه يفيد بكون الأمر خاص جدا وسري للغاية !

أدركت أن المخزن (مصطلح يدل على الدولة العميقة بالمغرب) يطبخ ضدي شيئا ما، خاصة وقد تناهى إلى علمي خلال الأسبوع المنصرم نبأ إعفاء مجموعة من أطر وزارة التربية والتكوين، لأسباب سياسية.

صباح يوم الإثنين 13 فبراير، قَدِمتُ إلى مكتب السيد رئيس مصلحة الموارد البشرية؛ بعد الاستقبال والتحية أعرب عن أسفه لما تضمنه قرار الأكاديمة في حقي القاضي بإنهاء مهامي في القطاع المدرسي المسند إلي تهم...

قلت له إذن أنا ضحية أخرى يطالني التعسف...

بادرني بالسؤال عما إذا كنت قد قابلتُ يوما لجنة افتحاص (مصطلح عندنا يفيد معاني: بحث، تقصي، مراقبة أو تفتيش)، أو توصلتُ بنصح أو برسالة ملاحظة أو تنبيه أو حتى بقرار توبيخ ذي صلة بخلل ما في واجبي الوظيفي أو تقصير في أدائي المهني؟

فأجبت بالنفي القاطع، فعلى العكس من ذلك تماما، كنت بحمد الله على طول مساري في التربية والتعليم، الذي يقارب الآن ثلاثة عقود، خمس منها في مجال التوجيه التربوي، محل احترام وتقدير بين زملائي ومع مسؤولي وكافة أطر وتلاميذ المؤسسات التي أشتغل فيها، باذلا جهودا مضنية للتنقل مئات الكيلومترات بين مؤسسات القطاع المدرسي رقم 15/70 التابع للمديرية، ومؤديا ثمن الهاتف والأنترنيت للتواصل مع التلاميذ والأطر، كل ذلك على نفقتي ومن أجرتي الخاصة... ولا أدل على ذلك من قيامي بأزيد من عشرين زيارة لمؤسسات القطاع، وإنجاز أنشطة وازنة خلال الأسدس الأول فقط من الموسم الدراسي الجاري 2016—2017، والتقارير اليومية للمؤسسات شاهدة على ذلك لمن أراد الاستيضاح، ولله الحمد...

في ظل ذهول حول النازلة، يطالبني الموظف المذكور بتوقيع محضر الالتحاق بالمديرية لأكون رهن إشارة المدير الإقليمي قبل تسليمي رسالة الأكاديمية القاضية بإنهاء مهامي مستشارا للتوجيه بالقطاع المدرسي 15/70 الذي يشمل ثلاث ثانويات: ثانوية طارق بن زياد التأهيلية ببلدة أيت إحيا على بعد حوالي 8 كيلومتر من قلعة امكونة، ثانوية تصويت الإعدادية على بعد حوالي 7 كيلومتر من قلعة امكونة، لكنها طريق قروية صعبة غير معبدة، وثانوية ألمدون ( من الأولى إعدادي إلى الأولى باكالوريا) وتبعد بحوالي 50 كيلومترا من قلعة امكونة، لكن الطريق إليها جبلية، محفرة، خطيرة بضيقها ومنعرجاتها الحادة...

قررت عدم الدخول في معركة جانبية، فقد أدركت أن الأمر لا يتجاوز صلاحيات المديرية فحسب، بل يتجاوز حتى الأكاديمة نفسها التي أرسلت إلي بوثيقة إنهاء المهام... فقررت التوقيع، والتريث في الخطوات المقبلة...

فور الانتهاء من توقيع المحضر، تسلمت رسالة الأكاديمة التي عزت هذا الإعفاء إلى خلل في أدائي المهني ونقص في المردودية، وذلك بناء على تقارير لجان الافتحاص الإقليمية والجهوية...

وفي الحين طالبت مقابلة السيد المدير الإقليمي للاستفسار عن التهم الغريبة المزعومة، وعن مصدرها وعن وثائقها، وعن تقاريرها، فأنا موظف تابع للمديرية، وعليه فأي ملاحظة من شأنها التنقيص من مهنية عملي يفترض أن تكون المديرية الإقليمية على علم بها واطلاع عليها، وتحتفظ بنسختها، قبل إرسالها إلى الأكاديمة الجهوية للتربية والتكوين، الكائن مقرها بمدينة الرشيدية.

السيد المدير الإقليمي يجيبني بعدم وجود أية وثيقة في إدارته تستند إليها التهم المكتوبة إلي من لدن الأكاديمية !!

فمن أين مرت لجان الافتحاص الإقليمية والجهوية حتى صادت عثرات وهفوات عمل مستشار في التوجيه التربوي يتنقل بسيارته بين الثانويات المسندة إليه بين القرى والجبال، وهو في غفلة عما يحاك ضده من مكائد ؟ !

أمر دبر بليل كما يقال ! مكائد تنسج من لدن من كان يفترض منهم مكافأة موظف جادّ بجميل المكافآت، وعوض ذلك فوجئ ببئيس المفاجآت ! ولله الأمر من قبل ومن بعد...

كيف أنجزت اللجان الهلامية الجنّية الأسطورية تقاريرها في حضن المديرية، فاختفت فجأة دون علم المعني بالأمر، ولا علم مسؤوله المباشر، وطارت بتقاريرها إلى الأكاديمة ولم تترك وثيقة ولا أثراً ؟؟

طرحتُ هذا الإشكال العجيب على مجموعة من الزملاء في التوجيه التربوي، فأجاب بعضهم ساخرا: "لقد قاموا بالافتحاص بواسطة الأقمار الصناعية، وتحت إشراف وكالة الاستخبارات الأمريكة سي إي إي !!!

منذ تاريخ التوقيع على المحضر إذن إنتهت مهامي عمليا بالقطاع المدرسي، في انتظار إسناد مهمة جديدة بالمديرية...

وعلى طول الأسبوع أمطرُ بوابلٍ من المكالمات الهاتفية التضامنية ومن الرسائل الإلكترونية، تأتيني من كل حدب وصوب، تواسيني وتؤازرني وتصبرني، بل وتبشرني بالفرج القادم القريب إن شاء الله، اتصالات من زملاء، ومن تلاميذي القدماء، ومن العائلة والمعارف والأصدقاء...

عشية يوم السبت 18 فبراير 2017، مكالمة هاتفية أخرى من نفس الموظف يخبرني فيها بالتكليف بمهام بمكتب المفتشية التابع للمديرية، وأن علي الالتحاق بالمكتب يوم الإثنين 20 فبراير الجاري.

يوم الأحد 19 فبراير 2017 كان يوما استثنائيا في تاريخ المغرب، لقد تم تنظيم مسيرة مشهودة ضخمة بدعوة من النقابات الخمس الكبرى في البلاد ومن القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان، ودعمتها مختلف فعاليات المجتمع المدني، حضرها عشرات الآلاف من رجال التعليم وغيرهم من مناصري قضايا التعليم ومختلف هموم الشعب المغربي البئيس بالسياسات العمياء العوجاء الرعناء لحكام البلد؛ كانت الشعارات القوية المرفوعة تعالج مختلف القضايا الملحة لبلادنا، وكان أكثر الشعارات الجديدة التي استرعت الانتباه: "لسنا في ضيعة أحد !" في إشارة بليغة إلى أن الوظيفة حق مستحق بالجهد والكفاءة، وأن أجور الموظفين هي من أموال الشعب، وليس ذلك منة من أحد...

يتبع....

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق