أضيف في 19 فبراير 2017 الساعة 19:05

شخصيات غير قلقة


رشيد اليملولي

شخصيات غير قلقة .

إن التمييز بين القلق الوجودي و أنواع القلق الأخرى ، قد لا يفيد ما دام أن القلق القيمي و القلق الأخلاقي خارج التحديد و التوصيف ، خاصة و أن الأنواع الأخرى تستمد ذاتها من الأنا الساعية إلى البناء و التكوين ، أما القلق القيمي و الأخلاقي ؛ فيوصف بالقاعدة المرجعية التي تقاس بها مستويات الفهم ، و الوجود بالمعايير الدالة على الإنتاج الحضاري السليم ، أي القادر على صياغة الأفق الحضاري و التنموي ، بعيدا عن الأوهام و الايديولوجيات و العقاقير و المسكنات الظرفية الكابحة للتغيير و التغير .

إن نجاح الشعوب يفهم في المرتكزات القيمية و نظامها و أسسها ، التي تنبني على القطائع الرامية إلى الحسم مع كل رغبة في النكوص و الارتكاس تحت مبررات و ذرائع تستقي هويتها من الأصنام التي اعتادت على الوثنية و المانوية في التنمية ، أي التي لا تدخر جهدا في ابتكار معيقات الانطلاق تحت مسميات عقدية و نفسية و اجتماعية و ثقافية هي في المحصلة نتيجة لطبيعة الخوف من المستقبل و من الأفق ، لذا اعتادت على تخصيب مقومات استمراريتها بالعديد من الأقانيم و الأيقونات الدالة على تأبيد الوضع و إدامته .

ليس سهلا أن تعتاش الشعوب على القيم و القلق النضالي الطامح للجديد و التغير ، و ليس يسيرا أن تصنع لذاتها سلما قيميا بين عشية و ضحاها ، إذ الأمر موكول إلى نوعية الفرد و المجتمع و الثقافة و السياسة المراد بناءها ، و بلغة أكثر تحديدا مشروع مجتمعي متكامل ، مسنود بمشروعية لا تقاس بتسويق خطاب و فعل الوهم و التمويه ، و لكن مقرونة بأفق نضالي و قيمي دال و منتج لا يستقر على حال و لا يتقيد بحد أو نتيجة ، و خلاف ذلك أهواء و تصورات لا تملك إلا زمنها الخاص ، و لحظتها " الرهزية أي اللذة " المرهونة بالشبقية ، سرعان ما تزول بموت زمنها المحدود في الدلالة و النتيجة و إن استمرت في الزمان ، فهي لتأكيد الجدل و الصراع مع القيم الجديدة في سعي نحو ترسيم فلسفة التخلف و الموت الحضاري .

لا يخلو المجال الحضاري من شخصيات غير قلقة ، مع أنها لا تحيد عن المشهد السياسي و الثقافي و الاقتصادي قيد أنملة ، تطل كل يوم بشتى الصور و الطرق و الوسائل ، و الغريب أنه مؤطرة إداريا و قانونيا ، أي لها وضعها الاعتباري و مركزها الاجتماعي و القيمي بمعنى من المعاني ، و الذي قد يضفي عليها صفة المعنى في عرف التفاهة و السلبية المفرطة ، و تتغذى أساسا على نسيج الولاءات و شبكة القرابات و مديونية المعنى ، و قيم الشيخ و المريد ، و كل المحيط الذي ينتج المعنى في هذا الحقل الدلالي ، و يدعم هذا المبدأ ليس من خلفيته القانونية أو الدستورية ، و لكن من مستويات تأويل هذا القرب أو البعد من هذه المركزية الدلالية ، أي أن اللاقلق يستقوي على الذهنية و التمثل و المعايير و الأطر الكفيلة بإنتاج المعنى ، انطلاقا من الانتماء قسرا و ضرورة إلى السلطة ، و التي تعد الوحيدة التي تمتلك حق التأويل و العنف المشروع و إن كان شططا ، و إن لاح في القانون ما يشير إلى إمكانية صراع التأويلات ، فهو مقيد بسلسلة مهمة من القوانين و القيود التي تفرضها المسطرة الإدارية ، ليغدو وفقا لذلك كل تأويل هو اعتداء على موظف أثناء تأدية مهامه مهما بعد أو دنا من السلطة .

إن مشاهد الشخصيات غير القلقة لا توصف و لا تحد بنموذج أو صيغة ، فهذه سيارة لمؤسسة أو مصلحة تجوب الشوارع في أيام العطل و الأعياد ، تنقل أغراضا و أطفالا و زوجات و أحيانا عشيقات إلى الحمام أو المسبح أو أماكن التدليك و صالات الماكياج ، و أحيانا تنقل أفارد العائلة الكريمة إلى فسحة بين أحضان جبال الأطلس أو شواطئ المملكة ، و هذه سيارة تنقل السيد الوالي أو العامل أو الباشا أو القائد ، إلى أغراض لا تدخل في الاختصاصات المخولة قانونيا و لكنها مخولة سلطويا و عرفا شاذا في الممارسة " القيادية " أصدرت من سلطة سياسية أو مدنية أو عسكرية ، و بالمقابل شخصيات تقتني أجود و أبهى السيارات على مقاس و ذوق معالي السيد الرئيس ، و ضدا على كل القيم الاجتماعية و الكلفة المالية و الاقتصادية ، فيوزع من أجل تغطية " القيم الخاصة " ما شاء على الزبانية المكونة من القرب العطايا و الهبات و المنح ، يرفل في نعيم لم يكلف نفسه عناء في الحصول عليه سوى توزيع أوهام و قيم خطابية عابرة ، و يستصغر حقا طبيعيا و يتعالى على الحاجات البيولوجية و الآنية لفئات المجتمع من أجل مجد شخصي ، لا يعير اهتماما لمآلات الوطن و ضمور السياسة و تهاوي قيم الصراع البناء ، و طموح المستضعفين و جموع الجياع و العطشى ، و يزيد من وطأة الزمن و السلطة في تكريس أتون واقع مرير لا يقلق و لا تشوب محياه علامة استفهام حول معنى سلوكاته و مسلكياته ، أيعقل أن يصل المجون القيمي إلى حد الاستهتار بأبسط الحقوق و أدنى القيم ؟ و هل تصل درجة " الاستحمار " مستوى جهل الجاهلين ؟ .

إن الصور البسيطة تبطن وعيا و قلقا دفينا ، مفاده شخصيات و صور كبرى و عملاقة لغياب الحدود الدنيا للقلق بالمعنى القيمي و الأخلاقي ، حتى لا نقول الدستوري أو القانوني أو السياسي ، ما دام القلق الوجودي و القيمي مرهون بالضمير الإنساني و التربية الحضارية ، و التي تبقى عصية على الإنتاج في المجتمعات التي اختارت التخلف دأبا و مسيرة و منهاجا .

إن سيارة تجوب في الشارع خارج أوقات عملها الرسمية ، وورقة من فئة دراهم معينة تختلس الطريق إلى الجيوب ، و منتوج يخلط الغث بالسمين ، و أقلام تكتب بمداد " المرق " ، و طبشورة تلقن الوهن و الضعف و تغتال الأجيال ، و أشكال أخرى تستعصي على الحصر ، لأعطاب لمجتمع تنخره صور قلق كبرى من شخصيات غير قلقة ، و بلغة أدق إن الصور الفوقية ( البنية الفوقية ) ، لهي انعكاس أمين و صادق لصور تحتية ( البنية التحتية ) ، أكثر قلقا و أعظم جرما ، ما بين سياسة و قانون و ثقافة و مجتمع و اقتصاد ، شخصيات بنيوية تصيغ و تعيد إنتاج الإعاقة و تشكل النفوس و العقول ، لأجل قتل القلق و الألم بالمعنى الوجودي بمعناه الشامل ، و بناء ذوات همها الانبطاح و المصالحة و تغييب المشاكسة بدعوى الأمن و السلم و مخافة الفتنة .

ليس يسوغ أن نتحدث عن شخصيات غير قلقة في معزل عن النموذج القيمي الذي ينتجها ، و هو نموذج مهووس باقتصاد الخوف و التذمر و اليأس و العدمية ، و الرهاب من الاختلاف ، و نزعة الاستعلاء على أبسط المعاني الإنسانية ، و كأن الذات محور و مركز و الباقي أشكال هلامية لا حق لها حتى في التعبير عن أبسط أنواع قلقها ، فهل مجرد التعبير عن التذمر و الصدح بالشكوى يعد في عرف السنة و الشيعة رمزا للفوضى و الفتنة ؟ ، و هل السلطة غير الشرعية و القائمة على أساس الدم بعيدة عن الفتنة و هي المنتجة لها بمعنى أن أصلها فتنة ؟ فكيف تدعي الشرعية و إنتاج العنى و العنف المشروع و هي مبنية على مقوم غير شرعي .

المسألة فيها نظر ...................

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق