أضيف في 18 فبراير 2017 الساعة 22:44

مأساة الروهينغا !! هل من مغيث؟؟


أحمد حسيسو

يجد النافذون والبراغماتيون دوما في هذا العالم الموار الفوار مبررات لما يحدث من دمار ومآسي تطال الأبرياء زمن النزالات والحروب بين أطراف وقوات مسلحة متنافسة، فيعزو القوم الخسائر البشرية والمدنية إلى مجرد الخطإ والإصابة من دون قصد ولا إصرار ولا ترصد، رغم ما يعتري ذلك من شكوك وتضليل، فقد بلغ استهتار الصهاينة مثلا واستخفافهم بالعقول أن يخدعوا العالم بإعلامهم الماكر ويصوروا العدوان على قطاع غزة حربا مقدسة نظيفة حضارية وبآلة حربية دقيقة لا تضرب سوى “الإرهابيين المسلحين” من حماس والجهاد الإسلامي وبقية فصائل المقاومة التحررية الفلسطينية التي تهدد أمن الكيان العبري، فلدقة الآلة الحربية بزعمهم فإن هامش الخطإ محصور جدا، وبالتالي فإن احتمال إصابة المدنيين العزل ضئيل جدا.

حسنا، مع ما هنالك من مغالطات وتـرهات لا تعدو بالنسبة للنبهاء والعقلاء ضحكا على الذقون، تبرر ما يحصل للمواطنين العزل في نزاعات تتقاتل فيها أطراف مسلحة، فماذا يقول “العالم الحر” إزاء أعمال غاية في الفظاعة تقشعر من مشاهدها الأبدان، ترتكب في حق مدنيين مستضعفين أبرياء مثل مسلمي الروهينكا. هنالك في إقليم أراكان قبالة شواطئ بورما، جيش مدرب مسلح في طرف، وسكان عزل مسالمون في الطرف الآخر، لا عضد لهم في محتنهم ولا ناصر إلا الله، ولا مفر لهم من القتل إلا إلى الموت، فمن استطاع منهم أن يغامر بركوب البحر هربا من بطش البوذيين فلا مجال عنده للتردد، وما هي إلا مغامرات ورحلات محفوفة بالمخاطر ما أكثر هلكاها قبل الوصول إلى براري بانكلاديش أو الهند أوماليزيا أو …، إنها أمة من الناس لا تأبه بمعاناتهم الدولُ العظمى القريبة مثل الصين والهند، ولا البعيدة كالولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوربي، ولا مجلس الأمن ولا الأمم المتحدة، بل ولا الدول المسلمة أيضا، ما خلا بعض التحركات المحتشمة في الأوساط الشعبية هنا وهناك، أو بعض الأقلام والأصوات وسط زحام إعلام صاخب سلط أضواءه الكاشفة على مجريات الأحداث في سوريا والعراق.

في العراق، حيث كنوز النفط وخزائن الغاز، وحيث جماعة “داعش” صنيعة المخابرات الغربية والأموال الخليجية، قد انتهت الآن صلاحيتها أو تكاد، ينبغي التخلص منها أو تقليم أظافرها على الأقل لئلا تتجاوز حدود المهمة المرسومة لها سلفا. وفي سوريا الواقعة على تماس مع الكيان الإسرائيلي، لا ينبغي أن تخرج الأمور عن السيطرة، ينبغي خلط أو بالأحرى ترتيب الأوراق العسكرية والجيوسياسية لكي لا تفرز الأحداث ما من شأنه إيجاد تهديد وجودي حقيقي لذلكم الجسم الغريب المزروع في قلب البلاد العربية بهدف عرقلة استقرارها ومنع نهضتها.

المصالح القومية والإقتصادية هي التي تحرك الجهود العسكرية والديبلوماسية للدول والقوى العظمى والدول الإقليمية، ولا شيء غير المصالح، وهي التي تحدد عمق الصداقات ومدى العداوات، يقول قائلهم في عالم السياسة المادية المجردة من الروح الإنسانية: “ليس هناك صديق دائم ولا عدو دائم، ولكن هناك مصالح دائمة !!” لا مكان في عالم الغاب هذا وفي ظل هذا الشكل السياسي الاقتصادي القانوني البراغماتي الذي آل إليه، أقول لا مكان لمقتضيات الإنسانية والآدمية والأخلاقية.

من يحمل رسالة الأمر بالمعروف وإشاعة السلام والوئام في العالم غير”خير أمة أخرجت للناس”؟ ومن يحمل لواء النهي عن المنكر والوقوف في وجه البغي والعدوان إن لم تفعل “خير أمة أخرجت للناس” ؟؟

لكن أين هي؟ أين قيادتها؟ أين إدارتها؟ أين إرادتها؟ أين هي وحدتها وجيشها واقتصادها وصناعتها وريادتها؟ أين… أين؟؟ كيف اختفى كل هذا بعد أن كان واقعا، فأصبح أثرا بعد عين؟ والسؤال الألح هو كيف يعود؟

لا شك أن العالم قد خسر الملاذ الأخلاقي والإنساني والآدمي بانحطاط الحضارة الإسلامية، وأن أكثر من دفع الثمن غاليا بهذا الانحطاط هم المسلمون أنفسهم، فهم المستباحة حرماتهم وكرامتهم وأعراضهم، وعلى حساب مصالحهم تدبر المؤامرات القذرة شرقا وغربا، ولم يعد يُلقى إليهم بال ولا يُضرب لهم حساب، مع أنهم كثلة بشرية تحتل عدداً أزيدَ من ربع سكان الكرة الأرضية !

أليس الظلم حراما بمنطق المواثيق والعهود الدولية، ناهيك عن التشريعت الدينية والقيم الإنسانية، حرام أن يمارَس على أي كان، مهما كان دينه وجنسه ولونه وأصله وبلده، لكن للأسف ما أنشئت الأمم المتحدة ومجلس الأمن وغيرهما من المنظمات القانونية الكبرى إلا لمصلحة قوى الاستكبار العالمي.

فمن يردع عساكر ميانامار-بورما المتواطئين مع العدو الصهيوني، الحاقدين على المسلمين، المتشبعين بالعنصرية البوذية حتى النخاع، ومن يزجرهم عن هدم البيوت وهتك الأعراض وتمزيق الأجساد، وتشريد العباد، إذا كان الضحايا “مجرد مسلمين” ليست هناك دولة نووية تدافع عنهم، ولا توجد هناك دولة إسلامية تمتلك حق النقض في مجلس الأمن، لا شوكة إذن لكيانات المسلمين ولا لدولهم. هل كان ليجرؤ حكام ميانامار على ارتكاب معشار ما فعلوه في حق الروهينغا لو كان الأمر مثلا يتعلق برعايا أو بأقليات من الأوروبيين أو الأمريكيين أو الصينيين أو الروس الذين لهم دول عظمى تحميهم؟

وإلى حين يفرج الله جل جلاله عن أمة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فتتحرر من قبضة كراكيز وعملاء الغرب والشرق، الحائلين دون كرامتها ووحدتها وقوتها وتقدمها وشرفها، فنحن لا نملك لإخواننا الروهينغا ولا لغيرهم من المضطهدين في فلسطين وفي اليمن وسوريا ومصر، وفي كل مكان يوجد فيه مسلم مستضعف مظلوم على وجه الأرض، سوى الدعاء لأرحم الراحمين أن يفـرج عنهم ما هم فيه، وأن يكشف الغمة عن بقية هذه الأمة، حتى تكون كما قال جل جلاله حقا وواقعا “خير أمة أخرجت للناس”.

إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله، والحمد لله رب العالمين.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق