أضيف في 18 فبراير 2017 الساعة 20:05

لم يعش حياته !


المصطفى سالمي

توجه السيد (الفاطمي) نحو مدينة الدار البيضاء بعد أن ضاقت الحياة ببلدته البئيسة في قلب سهول (عبدة)، لقد توالت سنوات من الجفاف أيبست الزرع وقتلت كل بارقة أمل في البقاء هناك، فكانت الهجرة خيارا لا مفر منه، وفي أطراف المدينة ـ بمنطقة "الهراويين" ـ حط (الفاطمي) الرحال. كان المكان يعج بالعمال القادمين من (الرحامنة) و(الشاوية) و(بلاد أحمر)، أمسك صاحبنا بالنقالة وبدأ يحمّلها بالحجارة، ثم يدفعها على دراجتها بعد رفع حديدتيها حتى تكاد كتفاه تنخلعان تحت وطأة الثقل الشديد، وما تكاد العجلة اليتيمة تستدير حتى يحس بأن أضلاعه تختلف وتتداخل وسط صدره، فتصدر النقالة هي بدورها صوت الأنين، وتصرّ العجلة اليتيمة صرير الأسى، بينما يتصبب ظهر الرجل عرقا باردا في جيئته وذهابه، ويستمر على هذا الحال طوال النهار من أجل مبلغ قوامه أربعون درهما، وفي الليل يبيت (الفاطمي) مثل ميت بلا حراك، إنها حياة أشبه بالأشغال الشاقة المؤبدة، وأما الأكل فيقتصر في الصباح على أرغفة وصحن به قليل من زيت الزيتون وكأس شاي، وتقتصر وجبة الغداء على علبة سردين يتم إفراغها وسط رغيف كبير مستدير مع قنينة مشروبات، وحده يوم الجمعة يمثل الاستثناء، حيث يطعمهم صاحب الورشة أو بعض المحسنين طعام الكسكس بالدجاج الرومي..

مر عامان ونصف العام قبل أن يشتغل صاحبنا في تشكيل لبنات البِناء بواسطة قوالب حديدية يتم ملأها بخليط الإسمنت والرمل الممزوجين بالماء ومسحوق الحجارة، ثم تضغط بأن تضرب بآلة حديدية ضخمة، وتترك حتى تصبح يابسة قبل تجميعها ونقلها بشاحنات أو عربات نحو أوراش البناء، هكذا بدأ (الفاطمي) يتصلب ويقوى ويشتد ساعده على أعمال مهنة شاقة، رغم أنه واحد من أهل البادية الأشداء، إلا أن حياة البداوة كانت تعرف أوقاتا للراحة خلال فترات من السنة، وليست مثل قساوة العمل الشاق المتواصل الذي لا يتيح فرصة لاستراحة، وحيث المشرفون على الورشات لا يعرفون معنى للشفقة أو الرحمة، إلا أن الأمر الذي كان له عظيم الأثر على نفسية (الفاطمي) هو حجم الحرمان الذي يعانيه، فقد توارت إلى الخلف سنوات البادية الجميلة ـ قبل حلول الجفاف اللعين ـ حيث الألبان والزبدة والدجاج البلدي، وها هي شهور المعاناة والشقاء تتمدد وصاحبنا لا يتذوق لذة في المأكل أو المشرب، وما عاد للنوم طعم، إنه إلى الموت أقرب.

مرت سنوات من العذاب قبل أن يقرر (الفاطمي) أن ينشئ ورشة صغيرة مع أحد أبناء بلدته، هو بعضلاته وبعض آلات تشكيل لبنات البناء التي هي كل ما ربحه من سنوات الألم والمعاناة، والآخر برأسماله، وأن تكون الأرباح مناصفة، وبعد سنوات أخرى من الشقاء والكدح والحرمان استطاع (الفاطمي) أن يبني بيتا بسيطا وأن يشتري قطعة أرضية لا يستهان بها في منطقة متمددة بمنطقة (الهراويين)، كان المدّ الحضري الأخطبوطي رحيما بالرجل (العبدي)، فقد ارتفع سعر الأرض في زمن قياسي ارتفاعا جنونيا، لكنه الزمن نفسه كان يلتهم ودون توقف سنوات شباب وقوة (الفاطمي)، هذا الأخير الذي كان يحرم نفسه ملذات الدنيا ومتعها مقررا الصبر والتقشف حتى يبني مستقبلا واعدا ويؤسس أسرة موعودة في غد البشائر. وتحول فضاء منطقة (الهراويين) إلى أحياء راقية بها دور شاهقة، وحلّت شوارع الأسفلت بدل الممرات الترابية، وتم مدّ أنابيب الماء وشبكة الكهرباء والهاتف، وأصبح لقب (العبدي) على كل لسان، إنه (الفاطمي) الرجل الوجيه صاحب العقارات والأملاك، وبدأ صاحبنا يخطط لحياة النعيم الموعود المنتظر، لكن الدنيا وبريقها لا يكفان عن استفزازه واستدراجه، اشترى الرجل مطحنة حديثة، وبنى برجا سكنيا كبيرا، وجعل كل واحد من أبنائه يتكلف بمشروع، وقرر أخيرا التفرغ لنعيم المأكل والمشرب والأسفار والرحلات، لكن غمامة مجهولة المصدر بدأت فجأة تطل أمام ناظريه، توجه (الفاطمي) لأول مرة في حياته نحو الطبيب الذي أنذره بأنه يعاني من مرض السكري، وكتب لائحة بأسماء مأكولات عليه تفاديها، وهو الذي كان على وشك أن يصادقها ويعاشرها ويتلذذ بها، هذا إلى جانب وصفة أدوية، لم يصدق الرجل الأمر وتوجه نحو طبيب آخر أنذره بعلل أخرى ووصف له لائحة جديدة من أصناف متع الحياة عليه تفاديها وهو الذي كان على وشك تجريبها، أحس (الفاطمي) بأن الدنيا تلف به، وأنه في كابوس حقيقي، ففي اللحظة التي قرر أن يبدأ حياته المريحة الممتعة يجد الحياة تنفر منه، لقد كان يتحمل وينتظر في زمن لو قُدّم له أكل جمل لالتهمه التهاما، واليوم بعد أن ابتسمت الحياة ـ كما توهم ـ لا تقوى يده على أن تمتد لحفنة صغيرة من مباهج الحياة، أصبح الرجل بين عشية وضحاها يكتفي بمنظر ومرأى متع شقي من أجل تحصيلها، ويكتفي بتأملها دون أن يسعد بالتلذذ بها، وفجأة أصبح (الفاطمي) يعاني آلاما مبرحة في عموده الفقري، إنها تبعات الشقاء والألم والمعاناة ترسبت وتجمعت وجاءت لتعاقبه على زمن مضى، على شباب قضاه في مراكمة نعيم سينعم به غيره، وحسبه أن يرى ويعاين ويتأمل قضاء الله وقدره. هكذا وجد (الفاطمي) نفسه يقول:

ـ إنما نملك الساعة التي نحياها، والحمد لله على كل شيء، وصدق من قال: "ليت الشباب يعرف، وليت الشيخوخة تقدر"!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق