أضيف في 17 فبراير 2017 الساعة 22:25

حين طغى وتجبر ''حسحس''


المصطفى سالمي

قرر (حسحس) أن يفتح النار في كل الاتجاهات، فليكن، إنها الحرب إذن، ولتكن البداية بهؤلاء الشياطين الصغار الذين يُدرّسهم والذين بدأوا يقاطعون الساعات الإضافية التي يفرضها عليهم فرضا، كانوا حقيقة يتوجهون صوب منزل منعزل بإيجار هزيل، إنهم يدفعون واجب الدروس الإضافية لتفادي انتقام (حسحس)، وبعضهم لا يدخل حصص المراجعة العقيمة، ولا يُسأل عن تخلفه، وفي الأركان والزوايا المظلمة قريبا من المنزل المؤجر، يلتقي بعض تلاميذ الساعات الإضافية ـ ذكورا وإناثا ـ لقاءات حميمية من نوع خاص، فتُسمع قهقهات صاخبة، بينما يُخرج هؤلاء المتخلفون عن هذه الدروس هواتفهم الذكية، ويبدؤون بتصفح بعض المواقع بلهفة ومتعة، والحقيقة أن (حسحسا) لم يكن يهتم بما يلاحظه الجيران الذين كانوا يلعنون في قرارة أنفسهم أمثال هذا الكائن الطفيلي أكثر من حنقهم على إهمال بعض الآباء الذين يقفون عاجزين أمام عربدة وطغيان هذه الفيروسات الفتاكة، والتي همّها المال ولا شيء غيره، لكن بعض التلاميذ قرروا تحدي السيد (حسحس)، كانوا قلة ممن يحصلون على نقط تقديرية جيدة، وخاصة في الامتحان الموحد المحلي، وهو ما يفضح ويحرج أمثال (حسحس) ويفضح ألاعيبه، لقد حصل بعضهم على ضِعف نقط امتحانات الفصل الدراسي التي كان يتحايل عليها صاحبنا ولا يصححها في الأغلب، كما لم يكن نتيجة ذلك يضع أوراقا في عهدة السيد الحارس العام كما تقتضي القوانين والمذكرات الوزارية، وهكذا أصبحت النقط والتقديرات تتحكم فيها الأهواء الشخصية لـ (حسحس)، ولما سعت الإدارة للقيام بواجبها، بدأ صاحبنا بإطلاق رصاصات الاتهام يمينا وشمالا، كان أشبه بفاجرة تتهم الشريفات في شرفهن حتى ينعدم أي تمايز واختلاف، وأصبح مصاص دماء أولياء أمور التلاميذ يمارس هواية مراسلة المسؤولين باعتباره مجرد فاعل خير، وأن الآخرين هم في عُرفه مجرد لصوص يختلسون محتويات وتجهيزات المؤسسة، وبعضهم أشباح، وآخرون يتصرفون كما يشاؤون في الزمن المدرسي، ويخضعونه لأهوائهم.. سيل جارف من التهم الجوفاء كرصاصات طائشة يُسمعُ لها دوي كبير وهي لا تقتل ذبابة، تكشّف إذن وجه قميء لشخص أقسم أن يعيش معزولا عن العالم، وسيطغى ويتجبر أكثر وأكثر.

وفجأة بدأ صاحبنا يمشي مشية جديدة، وكأنما هو جندب يقفز فوق الترى من تيهه، أو غضنفر يمشي بخيلاء منتفخا مزهوا بنفسه، رافعا رأسه، شامخا بأرنبة أنفه كمن حاز شرف ملامسة الثريا في عليائها وسناها، وأما العارفون فقد صرحوا بأن (حسحسا) كان يتألم في قرارة نفسه وينزف دما، فالطاووس لا ينفش ريشه إلا من ضعفه وعجزه عن أن يصبح مثل النسور والصقور الجارحة التي تطاول عنان السماء رغم خلوها من البريق الكاذب، والبطريق لا يتمايل في مشيته إلا لأنه اسم من غير مسمى، فلا هو بحيوان الماء الخالص، ولا هو بحيوان البر الحقيقي، وإنما هو مزيج هجين بين هذا وذاك، كذلك (حسحس) الذي كان مجرد جرس يرن في أوقات معلومة ليقول: "أنا هنا، انظروا إلي وتأملوا"..

لقد كان بإمكان السيد (حسحس) أن يستمر بهلوانا، ويداوم على حماقاته ويسترها بالتكتم، لكن الله أراد أن يكشف عن أسرار الكون الحكيمة، فالشخص أراد أن يلفت الأنظار ويتطاول ويطغى، فكان لابد للأقدار من صده وإيقافه عند حدوده. تعبّأ الناس وبدأوا برصد الاختلالات، ثم شرعوا في مراسلة الجهات المعنية بأسماء حقيقية، لا كما كان هو يفعل باسم مجهول، وتشكلت لجان تحقيق وقفت على حقيقة مفادها: (يُحال السيد "حسحس" على لجنة طبية للعلاج النفسي والاجتماعي)، بينما ردد أحدهم: (نريد متابعة قضائية، لا تملصا من المعاقبة)، وقال قائل: (عما قريب سيقول الناس أنه من هُنا مرّ شخص يُدعى "حسحس" أراد أن يملأ الدنيا ويشغل الناس بالباطل، ولكنه عما قريب سيصبح مجرد نكتة، ثم صفحة تُطوى إلى غير رجعة). وردد آخر: (لا يصح إلا الصحيح، وما كل "حسحس" له حسّ أو إحساس، وما أكثر أمثاله بين الناس )!!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق