أضيف في 17 فبراير 2017 الساعة 13:34

جلد الثعبان وعقد الرقطاء(2)


الحبيب عكي

         لم يتأخر الأمير"ساكو"كثيرا،بل جاء دار الفاتنة"تينو"في الغد يطلب ودها ويدها،وبعد مفاوضات وتمنعات رفعت من سومتها وصداقها وهداياها إليها وإلى أهلها،تم الزواج بينهما لتجد الزوجة"بير"نفسها وجها لوجه مع صديقتها الوفية بالأمس وضرتها الجديدة اليوم؟؟.لم تستطع الوفية المخلصة المسكينة تحمل الوضع الجديد مع ضرتها المخادعة التي بدأت تقتسم معها حب وعطف وصيد وغرفة زوجها"ساكو"،والذي - مع الأسف - بدا وكأنه قد تاه عن رشده وبدأ يؤثر زوجته الجديدة"تينو"على زوجته القديمة"بير"بحكم الجدة والبهاء وأشياء لا يعلمها إلا قلبه،فخرجت المسكينة من منزلها تائهة على وجهها في الغابة لا تدري من أمرها شيئا ولا لسيرها اتجاها ولا لنحيبها وعويلها توقفا،إلى أن وقفت فجأة مقابل ثعبان عملاق تصلب أمامها خشبة يعترض طريقها،وبعدما هدأ بعض روعها منه أخذت تستعطفه وتحكي له حكايتها التي تعاطفت معها كل الجبال والأشجار والحيوانات وهو كذلك،وأخبرها بأن لا تقلق و وعدها بأن لديه حل لمشكلتها،فقط لو ترافقه إلى جحره؟؟.

         تغلبت"بير"على وساوسها من احتمال إذاية الثعبان لها كما أذاها الإنسان،فلو أراد ذلك لفعله وهي أمامه،فما كان منها إلا أن ركبت على ظهره إلى أن أوصلها إلى جحره الغائر،وهناك رأت العجب العجاب،ترسانة من جلود الثعابين ومخزن من عيون الرقطاء،أخبر الثعبان الحيوان "بير"زوجة الإنسان،بأن الجلود إنما هي الجلود التي كان يبدلها في كل موسم،وبأن تلك عادته ولابد أن يفعلها لأن الثعبان إذا لم يبدل جلده فيه اختنق ومات،وبأن العيون البراقة الجواهر اللالىء التي أسرتها في الغار إنما هي عيون الأفاعي اللواتي كان يفتك بهن غيرة وتمنعا أو غدرا وخيانة،هكذا حياة الثعبان مثل الإنسان أحيانا،ثم طلب منها ارتداء جلد من الجلود والتوشح بعقد من العقود وسترى حلا لكل مشاكلها وذهابا لأحزانها، ترددت الزوجة في البداية ولكن أما وإن في الأمر حل مشاكلها وذهاب أحزانها فإنها أقدمت على ذلك دون تردد،ولحسن حظها فبمجرد ارتدائها لهما فقد تبدلت رأسا على عقب وعادت أجمل الجميلات بهاء ودماثة،ومن شدة فرحتها عادت تهرول إلى بيتها حتى قبل أن تشكر ثعبانها؟؟.

        عادت الزوجة"بير"إلى بيتها،ومن شدة سحرها وبهائها لم يتعرف عليها زوجها"ساكو"،عكس زوجته الشابة"تينو"التي تعرفت عليها منذ اللحظة الأولى و أصرت على أن تعترف ضرتها"بير"بما فعلته من أجل ما أصبحت تتمتع به من فتنة وبهاء أصبح يفوق ما تتمتع به هي؟؟،حكت الزوجة"بير"حكايتها مع ثعبان الغابة وترسانة جلود الجمال ومخزن عيون اللالىء ،فتدخلت"تينو" بخبث موسوسة ومغيرة لصدر زوجها الحيران من الأمر فقالت:"صدقنا أن كل حكايتك مع الثعبان،وهل كانت كل هذه الحكاية بدون ثمن؟،أم ماذا سيكون الثمن يا مولاي غير...غير الخيانة التي لا تليق بمقام مولاي الأمير"ساكو"؟؟.فقد الأمير أعصابه من سماعه سهام زوجته"تينو"فجرد"بير"من جلد الثعبان وعقد الرقطاء وجرها من يدها يسرعان نحو الغابة،يبحثان عن الثعبان،وما أن لقياه حتى أكد للأمير الذي كان يحتاج إلى تأكيد، أحد له حكاية زوجته المسكينة"بير"،فاطمأنت نفسه واستسمح منها وشكرها على وفائها وطبعا أمسك بيدها من جديد وعاد بها الأدراج إلى البيت،وهو عازم على إنزال أشد العقوبات بالشيطانة الكذابة؟؟.

         ولكن المفاجأة الجديدة أن وجد الزوجان أن الجلد والعقد اللذان قد عولا عليهما ليمنحاهما دفء جديدا في حياتهما،وجداهما قد مزقتهما الزوجة المغرورة"تينو"،وقد أدركت أن"بير"ولاشك ستسترجع منها زوجها،وأنها ستعطيه بهما وبسخاء ما كان ينقصه من حب وتجمل وبهاء،أدركت "تينو"أن أحلامها قد سقطت ولم يعد لها مقام بين أهل القرية فما كان منها إلا أن جمعت أسرتها وفرت بها خارج القرية حتى من دون أغراض قبل أن يدركها مولاها أوتقطعها مولاتها؟؟،أما الزوجان القديمان الجديدان فقد اعتذر كل منها للآخر واستمرت حياتهما في حب وإخلاص وحبور،وكان مما زادها حيوية وحبورا أن رزقهما الله ابنا وبنية جميلين بعدما تأخر بينهما الإنجاب بعض الشيء وذهبت بهما الظنون مذهبها،وشكرا لله وقياما بالواجب فقد بذل الوالدين كل جهديهما لتربية أبنائهم على أحسن القيم وأفضل الطباع،علم ومعرفة،قدرات ومهارات؟؟.

      فكم في حياة أسرنا من"تينينة"أحرقت نيرانها حياة"ساكوت"ومزقت ضغائنها وتحايلها زواج"مبيرة"وعرضت براءة الأبناء لسهام التفكك وسيوفه النفسية والاجتماعية،زميلات وخليلات،جارات وحليلات وجاريات خادمات،عانسات ومتزوجات وأمهات عازبات بأبناء أو بدون، براتب أو بدون وبمسكن أو بدون،في الثانويات والمعاهد والكليات،عاملات في مقرات العمل وأطقم الشركات والمقاولات والجمعيات والتعاونيات،وعبر الأندية والمواقع والشبكات...،سلاح الجميع المبتلى هو البهاء والدهاء والبحث عن المتعة ولو في الحرام والشقاء،وعجز الجميع هو النفس الأمارة وضعف الوفاء والفقر وتهميش القيم، وبالأخص وبالأخص قيم العفة وإهمال التزين(جلد الثعبان)بل والأبهة(عقد الرقطاء)،إهمال اللعب والترفيه(الصيد والسباحة والغابة..)،وما اهتم بغيره من يهمل الاهتمام بنفسه،فاحذروا الإهمال والتبلد والجفاء تسلم لكم أسركم وصحبة أزواجكم و زوجاتكم،وتضعون بينكم وبين الفطريات الأسرية الخبيثة سدا منيعا يحصن ما بينكم وبين الله من ميثاق الود والمحبة والوفاء والإخلاص والعفة والاحتساب؟؟.

الحبيب عكي


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : الحبيب عكي

أستاذ/فاعل مدني/كاتب   / الرشيدية , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق