أضيف في 14 فبراير 2017 الساعة 23:24

الناقدة التشكيلية خيرة جليل مونيا لفراوي تجربة ترسم حكايات كفاح ومعاناة الأنثى المراكشية بفرشاة وألوان عصامية في ميلوديا حالمة


خيرة جليل

 

قال أبو حامد الغزالي: " من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره ،فهو فاسد المزاج ليس له علاج" وهذا بوح صريح على إدراك جمالية المنظر أو اللحظة والنغم ، وما بعد تحريك المزاج يأتي الإبداع وقد يكون إبداعا نصيا أو فنيا عموما . إن المبدع يبدع غناء أو رقصا أو تشكيلا . مما يحيلنا على الوقوف عن معنى التشكيل كتعبير فني عن الانفعالات النفسية التي ترتبط بالذات المبدعة في حد ذاتها أو المجتمع ككل . من هنا نقول : الفن التشكيلي هو كل شيء يؤخذ من طبيعة الواقع . ويصاغ بصياغة جديدة . أي يشكل تشكيلاً جديداً، وهذا ما نطلق عليه كلمة (التشكيل) . والتشكيلي: هو الفنان الباحث الذي يقوم بصياغة الأشكال .آخذاً مفرداته من محيطه. ولكل إنسان رؤيته ونهجه ، لذا تعددت المعالجات بهذه المواضيع ، مما أضطر الباحثون في مجالات العطاء الفني أن يضعوا هذه النتاجات تحت إطار ( المدارس الفنية). وفي دراستنا لأعمال التشكيلية تكون أول وقفة لنا هي محاولة تصنيف أعمالها في اطار مدرسة فنية معينة.وللوصول لهذا التصنيف أو التبويب لأعمالها وجب علينا الوقوف أما م الإشكاليات التالية : ما هو مسارها التعليمي في المجال الفني التشكيلي ؟ كيف تعاملت مع الألوان من حيث المزج والتركيب؟ كيف تعاملت مع الكتلة اللونية والفضاء والتوزيع فوقه؟ كيف تعاملت مع الضوء ومركز انبعاثه وتوزيعه ؟ كيف كانت ضربات الفرشاة على هذا المنشأ التشكيلي ؟ وما هي النتيجة التشكيلية النهائية كإبداع قائم بحد ذاته ؟ والى أي حد يتوافق منشأها التشكيلي مع مدرسة فنية معينة ؟

الفنانة مونيا MOUNIA LAFRAOUI فنانة تشكيلية عصامية من مواليد مدينة مراكش ، لم تتلق أي تكوين أكاديمي في المجال التشكيلي ، لكن من خلال دراسة أعمالها المتعددة وعبر مراحل عمرية مختلفة فهي تنتمي إلى المدرسة الفطرية ، كما يظهر تأثرها الواضح بالفنان الاسباني بيكاسو خصوصا في أعمالها بالسنوات الأخيرة سواء من حيث الشخوص التي تؤثث فضاء لوحاتها أو الألوان المستعملة أو المواضيع التي تعالجها فأين يتجلى ذلك ؟

إذا كان اللون يشكل في اللوحة التشكيلية أساس التعبير لأنها تعتمد على تمييز الأشياء من خلال اللون، وترميز وضع المرسوم، بمعزل عن الحقبة، التي أظهرت في تيارات الرسم الحديث تجارب وأساليب عديدة، فإنه تباين فيها استعمال اللون لدى التشكيلية مونيا ليوضح غايتها في إظهار التناقضات الاجتماعية والاكراهات اليومية التي تتعرض لها الأنثى المبدعة خاصة والمرأة الإنسان عامة كموضوع وتيمة لتتجرد من الذات المعذب وتتحرر كفراشة من يرقتها المغلقة الضيقة نحو الذات الحالمة المبدعة والخلاقة والمتطلعة لغد هو أحسن من الأمس واليوم . وبما أن اللون كان وما يزال في مصلحة ما يُلَوَّن في بنية لوحة الرسام ، فإن مكونات لوحات التشكيلية تبرز في عناصر أربعة تشكل المَحاور التشكيلية الجمالية لديها ، هي أولا الأشكال forms وهي في معظمها أجساد نسائية وأطراف منها مع اختلاف زوايا النظرة كشخوص متمردة وحالمة ومتطلعة ، ثم الألوان colors ..... فبالإضافة إلى الألوان الأساسية فالتشكيلية تعاملت مع ألوان أخرى امتدت تدريجا بين الغامق والفاتح ....، والتكوين composition وتعتمد أحيانا على صباغة الاكريليك على القماش وأحيانا أخرى على صباغة الحناء الطبيعية وأخيراً الملمس texture الذي يستثير إدراكاً حسياً لمسياً تارة أملس متجانس مع الانتقالات من شكل إلى آخر وتارة أخرى خشن تظهر فيه النقلة بين شكل أو رمز وأخر وهذا يرجع بالدرجة الأولى إلى الانفعالات النفسية للمبدعة في حد ذاتها والى الضربات القوية والعنيفة بالفرشاة ، والهادئة أحيانا أخرى بضربات مسترسلة بسلاسة وببطء ينسجم مع السكينة الروحية التي أفرزتها في لحظة انتشاء فني ونضوج فكري وارتياح ذهني . كما أن الطلاء اللوني أكسب لوحاتها ثنائية الأبعاد صفة ملموسة تُشكِّل بعدها الثالث مما يجعل لوحاتها تدخل في مرحلة انسيابية فكرية وكأنها تحكي عن الموروث الثقافي للذات المبدعة آو حكاية معاناة يومية لأنثى متمردة على معيقات اجتماعية واقتصادية وفكرية أو تحكي قصة حبكت بدقة متناهية يصعب التمييز فيها بين البداية والنهاية وتظهر العقدة في اطار النسيج الحكائي اللوني لتدرك أن الحل كان هو بداية السرد القصصي التشكيلي في رسم شخوص نسائية بأوجه مختلفة وملامح متمردة منذ البدائية ، وهذا حكي تشكيلي دائري يصعب التحرر من حبكة التشويق فيه من تلك الرسومات الفنية للتشكيلية التي كلها دائرية الحركة البصرية ففي الوقت الذي تعتقد انك مسكت بخط بداية رسم للشخوص اللوحة ورموزها تدرك انك أمسكت بخط متناهي لتكميل رسمة سابقة تعج بالحركة والانكسارات الخطية والضوئية واللونية . فتصبح اللوحة حلقة متداخلة من اللوحات لشخوص متدمرة ومتطلعة وحالمة يصعب التمييز بينها

وبهذا نلاحظ أن مجمل الكُتَل والأشكال والتوازُن والخطوط والإيقاع والألوان والنسيج والضوء والظل عند الفنانة مونية يجعل لوحتها تعج برموز وطلاسم عفوية فتتقاسم الفضاء أجساد أنثى معذبة بمجتمعها باكراهاته المظلمة لكن تجعل منها أنثى متمردة على واقعها المعتم هذا. وفي بعض الأعمال شخوص نسائية منتصبة القامة من امتدادات لا متناهية لترسم ذات حالمة بغد أحسن. وعليه فهي تتطلع لرسم هويتها المراكشية المغربية من خلال استعمال رموز مستوحاة من الوشم و فن الزرابي على أجساد ووجوه نسائية مختلفة ، وهذا في حد ذاته يرجع إلى غنى مخزونها الذهني بهذه الأشكال التي تتردد أمام عينيها يوميا بالدرب آو الحارة أو ببيت والديها حين كانت تراقب جدتها التي يعلو وجهها الوشم بلونه الأخضر وسط بشرة وجها الدائري الأبيض وهي تنسج الزرابي بألوانها الغنية بالأحمر والأخضر وهي طفلة . أو قد تكون استمدتها بلعبها بدروب المدينة العتيقة بين دكاكين بيع الزرابي وهي طفلة صغيرة إلى أن أصبحت سيدة راشدة حين تتردد عليها لقضاء أغراضها اليومية آو تتجه نحو عملها اليومي ،مما جعل ذاكرتها مفعمة بالحركية والطاقة الخلاقة التي تمدها بالطاقة اللازمة للانعتاق والتحرر من عبء معاناتها اليومية لتختلط بعبق الأزقة والألوان الحمراء المستمدة من بيئتها المتوسطية الغنية بالضوء والشمس نحو اللانهاية وهذا واضح في أشكالها التي تنبعث من لا شيء وتمتد نحو اللا محدود ،ويظهر ذلك جليا في عملها الذي لا يتخذ خطوط مؤطر للعمل لتتركه متحررا وسط المنشأ التشكيلي .

كما تسعى جاهدا التشكيلية في كل عمل تشكيلي إلى التغلب على الطبيعة المسطحة للصورة ذات البُعدَين، وتعمل على خلْق الإيهام بوجود عمق أو بُعد ثالث للإطار أو الكادر، وذلك من خلال حسن تنظيم مُكمِّلات المقدمة والوسط والخلفية.

و تكمن لدى الفنانة التشكيلية مونية خاصية محور تكوين اللوحة التشكيلية الثابتة لديها في فن رسم السكون بحيث تعتمد على السكون لتفتح الآفاق نحو الحركة اللونية والرمزية فأتت ألوان أعمالها لتتوافق مع ما جاء به دولز فوجدنا أنفسنا نتدرج من مرحلة لونية إلى أخرى كالتالي :

- اللون السطحي للسطوح الواسعة ذات اللون الموحد في الرسم وفي جميع أعمالها هو عبارة عن اللون الرمادي أو اللون الأزرق أو تقاسم بين اللون الأحمر والأزرق الغامقين وما لذلك من رمزية ودلالة نفسية .

• اللون الجوّي الذي يُخصِّب كافة الألوان عادة في أعمالها واللونين الأسود والبنفسجي لرسم الحدود اللامتناهي بين أجساد تؤثث الفضاء التشكيلي ....

• اللون - الحركة الذي ينتقل من درجة لونية إلى أخرى وهنا يظهر تحكم الفنانة في ألوانها بحيث تولد ألوانا متدرجة من كل لون سبق أن أبحرت فيه لتخرج ما بجعبتها لتتماها الأجساد الأنثوية لتظهر أجزاء بارزة من جسدها أو وجوه تتقاسم الفضاء التشكيلي بشكل مفعم بالحركة والانزياح نحو تمثلات ذهنية فريدة من نوعها تحمل بصمتها الشخصية.

فيأتي اللون لدى هذه التشكيلية من حالة الأنثى كما تتصورها كرمز للخصوبة والعطاء و كما تحبها أن تكون ويبقى الرمز في اللون أيضا حسب حالة المتلقي لأن لكل لون حالة وقصة وحضور في اللوحة وفي الحياة تتناوله حسب مزاج الذات المبدعة و للصورة التشكيلية وتمثلاتها الذهنية لدى المتلقي .

 

عموما إن التشكيلية من خلال لوحاتها فهي تؤسس لرؤية فنية واضحة لا يهمها قرع طبول الموضة لأنها تطمح لشيء اسمه فن إنساني كوني يتعدى نظرة تنحصر في مدارك ملموسة ومحدودة في تسويق منتوجها التشكيلي لدى دكاكين البازار بمراكش الذين في اغلبهم لا يفهمون في الفن شيئا وإنما تحرص على الدقة في عملها وإنتاج مجموعات فنية هادفة وتنظيم معارض تشكيلية تستجيب لطموحها التشكيلي ومشروعها الفني ، خصوصا أن القارئ والمحلل العادي قد يرى أن لوحاتها لا تخضع لأي قانون أكاديمي لكن المتمرس يجزم أنها لا تخرج عن اطار جميع القوانين الفنية بل تنتظم في اطار المدرسة الفطرية لتبصم لنفسها بصمتها الخاصة والتي تميزها عن أعمال فنانين آخرين ، فحين تقف أمام أعمالها أنت تخرج من المجال البصري المرئي اللامتناهي لتغوص في المجال الشعري الحر الانسيابي او الحكي القصصي المسترسل والمشوق فنندمج تلقائيا في مشاهدة لوحات هي جزء من فلم الحياة اليومية مما يولد حالة من التماهي بين المتلقي واللوحة ، وهذا ما فسرته المؤلفة Christine N. Brinckmann حالة التماهي واندماج المشاهد في نوع من المشاركة العاطفية بأنها بشكل عام تلك القدرة على محاكاة التخدير التي تصيب المشاهد ليندمج مع حالة فعل لشخص آخر .

.

 

- أبو حامد الغزالي إحياء علوم الدين، 2/275

. - جاك فونتاني. سيمياء المرئي. دار الحوار. اللاذقية/سورية. 2013 ترجمة. دز علي اسعد.

- Christine N. Brinckmann . Farbe, Licht, Empathie (Zürcher Filmstudien) Broschiert – 1. März 2013

- L’art vecteur du mieux vivre ensemble

- :1 Rédacteur art: Nadim Rachiq

- Secrétariat rédaction: Fatima Chbibane

- Pluton-Magazine Facebook Page

- La peinture Marocaine au rendez vous de l histoire : Molim Elaroussi et Edmond Amrane ElmalEh : Editions Espace Wafabank. 1989

- Gibert Lascault :Eleiments d un dossier sur le gris in Revue d’Esthetiq 1976 /1.Paris.

- _ René Huythije , Dialogue avec l invisible .Paris 1955.P.131

-

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق