أضيف في 14 فبراير 2017 الساعة 16:17

هذا المغرب الرائع،بثرائه و رونقه وعمقه(1)


الحبيب عكي

          يحكي السيد المحاضر عن حبه وإعجابه الشديدين بشريط سينمائي مغربي قريب الإنتاج في التسعينات،كنا نحسبه شريطا عاديا ومجرد كوميديا تافهة لا تستحق،ومما افتتن به محاضرنا المغربي المغترب الشاب في هذا الشريط،ليس حكايته السمجة التي تضرب في ظاهرة"التحليل"وتسخر منها كما قلنا،ولا لهجة وألبسة وحركات ممثليها الأبطال،ولكن فقط بالروح المغربية المرحة التي تسري بينهم،وفضاء المدينة العتيقة التي صورت فيها مشاهد الشريط،بدروبها الضيقة وما يغطيها من زليج فسيفسائي ودكاكين النحاسين والصمارين وأقواس الدرازين والدباغين،وصومعات شامخة وساحات فسيحة وسقايات أنيقة مزركشة سيالة،وأطفال يهرولون وحمالون يصرخون وسقاؤون بالأجراس والشكاوي يصدحون،مما يشكل فعلا ذاكرة وطنية منعشة وتراثا حضاريا زاخرا تشرئب وتحن إليه النفوس المتعبة في غربتها كما تشرئب وتحن الأسماك إلى بحيرتها الدافئة والدواب إلى غابتها العذراء؟؟.

 

          فعلا،إنه المغرب الرائع بكل ثرائه المتنوع،المناخ المتغير المعتدل القار والحار الممطر والمشمس،والطبيعة البحار والرمال والهضاب والتلال والسهول والجبال،وما أروع أن يتمتع السكان الطيبون بكل هذا التنوع والثراء وما يجود به رب العزة علينا من خيرات وثروات ويتيحه لنا من إمكانيات وطاقات وعطاءات،في حين أن غيرنا قدره أن وجد معزولا في قفار الصحاري يحترق،أو في ممالك الضباب يختنق،أو في رطوبة الاستواء وغاباتها المتوحشة وإلى غيرها لا ينطلق؟؟.إنه مغرب الإنسان الصامد والعمق الحضاري الشامخ على مدى آلاف السنين"يا بلد ما يهدك ريح"،جبل أصم على مصمت صخره تنكسر قرون النواطح من الداخل والخارج؟؟،ذاك هو الإنسان المغربي الرائع بكل ما للكلمة من معنى،بأسمائه الرائعة وجهاته المتضامنة ولسانه الفصيح ولباسه الجميل ومآكله الصحية ومشاربه اللذيذة وأفراحه الجماعية وأتراحه التضامنية...،ولكم يتمنى المرء ويشعر بالفخر والاعتزاز أن يكون كل ذلك الخليط والثراء المغربي الفريد،فيتكلم كل اللهجات ويحترف كل الحرف ويلبس كل ألبسة بلاده ويسكن في كل مساكنه ويستمتع بكل مزارعه ومصانعه ومآثره ومنتجعاته...؟؟.

 

         لكن أنى له ذلك الحظ المحظوظ الذي أصبح اليوم للعروسات يوم برزتهن حيث يلبسن كل ملبوسات الأطلس والشمال والجنوب والشرق والغرب،وكل لبسة على إيقاعاتها الخاصة العصرية منها والتقليدية،أو العديد من أطفال المخيمات في يومهم وسهرتهم الشعبية،حيث يتمتعون ويبدعون في كل الألبسة الشعبية والألوان الغنائية المغربية بكل أطيافها ونغماتها الشجية؟؟،كان المغرب على الدوام نابغا في كل شيء،مبدعا في كل احتياجاته،ولم يكن يوما عالة على حضارة الغير في شيء أي شيء،في التدبير والتسيير والفلاحة والصناعة والتجارة...،حتى لو انقرضت كل حضارات العالم ما احتاج منها المغرب في حياته شيئا أي شيء؟؟.هل يمكن لأي مطبخ عالمي أن يضيف إلى مطبخنا شيئا أصح وأجود؟،هل يمكن لأي فرح عالمي أن يضيف إلى أفراحنا شيئا أفرح وأمرح؟،وهل لأدب الدنيا وحكمتها وفرجتها أن تضيف إلى أدبنا وحكمتنا وفرجتنا شيئا أكثر ملهاة ومأساة أو هوليودية و بليودية؟،وهل يمكن..وهل يمكن؟؟،إن لدينا من العادات والتقاليد والأعراف ما قد يسع كل بلدان العالم دون أن يلحق بها ضررا أو خصاصا أو تتيه فيه في معركة الملائمة والاستنبات في أوطانها،وصدق من قال:"إذا كانت مصر أم الدنيا فإن المغرب أب الدنيا وأمها"؟؟.

 

         ولعل مما جعل من المغرب كل هذا العمق الحضاري الرائع،ليس طبيعته الخلابة فحسب ولا إنسانه النابغ أيضا ولا أعرافه المؤنسنة الثرية،بل هو عنصر الدين الإسلامي الذي تخلل كل هذا و أصبح روحها المتقدة تسكن الأبدان وكل شيء عبر الزمان والمكان،بها تتفاعل وتتحالف وتبني،وإليها تحتكم و بها تعادي وتقاوم وتجاهد،كل الطبقات والدول التي تناوبت على حكم البلد وبنائه المضطرد؟؟. كان هناك العلماء والفقهاء،وكان هناك الصناع والشعراء،وكان..وكان،حكاية حقيقة تطمئن كل معاول الهدم والمكيدة أن عبثا تسعى سعيها،ولتطف عبر كل فيافي بلدي الجميل الأصيل،ولتخبرنا عن مرأى بصر واحد لم ترى فيه منارة مسجد شامخ يرفع فيه الآذان وينادي فيه أن حيا على الصلاة والاعتدال والأناة، أومرأى بصر واحد لم ترى فيه مدرسة ساطعة يرفع فيها جهل الأجيال وينادى فيها أن حيا على حب العلم والإيمان وبناء الإنسان وفداء الأوطان؟؟.

وصدق الشاعر إذ قــــال:

                                           بلادي تناجى فيها السحاب والأرز ** فتآخى يصافح فيها البعض بعضا

                                           ولست تلقى كالمغرب الفذ أرضا ** ولــو اجتزت الأرض طــــــولا وعرضــــا

الحبيب عكي


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : الحبيب عكي

أستاذ/فاعل مدني/كاتب   / الرشيدية , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق