أضيف في 6 فبراير 2017 الساعة 15:41

الإرهاب المهاجر


رشيد اليملولي

الإرهاب المهاجر .

تتواتر علينا العديد من المفاهيم الخاصة بالإرهاب ، و تتنوع باختلاف زوايا النظر ارتباطا بالرؤية و الفلسفة الثاوية خلف التعريف و التحديد و التوصيف ، غير أن النزوع الأيديولوجي يظل جاثما على أي مرجعية في الفهم ، لسبب وجيه يتعلق بالمنظومة القيمية الخاصة بكل شعب ، و الخلفيات السياسية و الدينية و الثقافية و النفسية والاجتماعية، و في المحصلة النهائية تعريف و تحديد غارق في مستنقع الايديولوجية و إن اتخذ طابع العلمية ،و اجترح الأساليب كلها لإضفاء الشرعية على التحديد المعرفي ، و المشروعية على التوظيف و الاستعمال في الحقل العام باعتباره مجالا للصراع المادي منه و الرمزي .

إن التعدد في الفهم والتوصيف قد يعكس وجود مشروع معين ، و بطاقة جواز تتيح له التنقل بين الأوطان على اعتبار كونية الظواهر ، و لو على المستوى الكمي بعيدا عن الإطار المرجعي و الصيغة و المنظومة المتكاملة ، هذا الفهم يستمد مرجعيته من خلال تنامي الظواهر المتطرفة و سريان مفعولها بشكل وبائي وبألوان الطيف فمن " بادر ماينهوف " إلى داعش ، و من الألوية الحمراء إلى جبهة النصرة ، و من الجيش الأحمر و منظمة ياكوزا إلى القاعدة ، و غيرها من الصور و المنظمات التي تتواجد بالعلن و السر ، و منها من ارتأى التقية و حاول الارتماء في أحضان اللعبة السياسية و هو إرهابي بالفطرة ، بمعنى أنه يؤمن إلى درجة السادية بوجود لون أسود و أبيض فقط .

غير أن صور الإرهاب المهاجر و الذي لا يؤمن بالحدود السياسية قد يأخذ أشكالا أكثر تنظيما ورقيا ، فانطلاقا من الأمن الروماني ومرورا برسالة تحضير الشعوب ووصولا إلى الديمقراطية و الفوضى الخلاقة ، يمكن أن نستشف منظومة إرهاب تؤطرها الإشكالية التالية :" بأي معنى و بأي حق تنصب شعوب نفسها حامية للعالم ؟ و تحت أي مبدأ مهما كانت طبيعته ترى أنظمة معينة نفسها مؤهلة أكثر من غيرها لفرض نماذجها على باقي المجتمعات ؟ .

قد يكون المنطق السياسي المحكوم بالمصالح وراء مثل هذه الدعاوى و الأطروحات ، إلا أن الأمر لا يخص الجوهر السياسي ، بل يهم أدواته و أنماط تسويقه ، و يشهد التاريخ في هذا المجال على أن أبشع المجازر و أعتى الجرائم مورست باسم أنبل و أقدس المبادئ ؛ محاكم التفتيش في العصور الوسطى ، و جرائم بول بوت في كمبوديا ، دعم الانقلابات العسكرية باسم الديمقراطية ( أوغستو بينوشي ضد أليندي في الشيلي مثلا لا حصرا ) ، أو مساندة أفكار و تصورات تقرير المصير ، و إدخالها قسرا في التعبير عن حق الأقليات العرقية أو الدينية ، أو حتى في خانة الشعوب التي لا تملك مشروعية شعب ، و تحن إلى وطن سيادي بأنظمة متجاوزة في أدبيات الصراع بمفهومه المعاصر .

لا يتحدد الإرهاب في مجال دون غيره ، بقدر ما هو إرهاب في الفكر و نمط التفكير و الإيمان إلى حد الفوبيا بتراتبية الثقافات و أفضلية واحدة على أخرى ، و توظيف الدين لتسويغ هذا الجرم تحت العديد من المسميات ، فلا شك أن إرهاب الدولة يعد الشكل الأكثر تجدرا و إمعانا من خلال تسويق نماذجه عبر ما يسمى بالعنف المشروع و الذي يبرر شطط الدولة و غطرستها انطلاقا من حقها اللاهوتي في التأويل السليم ( ألم يدعم الفقهاء السلط المستبدة بدعوى الأمن و السلامة مقابل تجريم الثورة و التغيير باعتبارهما فتنة )، و تنحية الآراء الأخرى التي تشكل رافدا مهما في العطاء و الأخذ و الرد ، لتغدو المسالة حربا ضروسا في الاستئصال و تأكيد الأحقية و المشروعية لدرجة لا يفتى و مالك في المدينة .

إن الإرهاب لا تحكمه قواعد الانتماء الأوحد ، و لا تفسره الاقتناعات الجغرافية و السيادية المحدودة ، بقدر ما يحكمه نمط التفكير و الإطار النظري الذي يؤسس مقولاته ، و لا غرابة هنا أن تتباين أشكاله و تتوحد غاياته و أهدافه ووسائله ، فالنازيون الجدد يختلفون عن داعش في الأيقونة الرمزية ـ اللحية مقابل رمز النازية ـ، لكنهما يتوحدان في القول بالمقولة التفضيلية دم في الأولى و تدين أفضل في الثانية (قلنا تدين و لم نقل دين و هناك فرق شاسع بين الأمرين )، و إرهاب اسرائيل لا يختلف عن إرهاب أمريكا ، و كيسنجر لا يختلف عن البصري و الحجاج ، و دركي العالم لا يختلف عن عقيد ليبيا و لا نقيب افريقيا الوسطى ، لأنه بكل بساطة إرهاب مهاجر لا يدين بولاء لجغرافيا محددة أو دين معين ، أو ثقافة محددة و هذا ما يجعله أسير أفهام محكومة بمنطق يقتات على الانهزامية في الصراع وفق ما يتقضيه العلم و المعرفة و المنافسة ، بل هو صراع يرتكن إلى الدم و الاستئصال و الإلغاء إلى درجة الموت ، و يصبح التغني بالموت أنشودة رمزية للتفاهة الإنسانية ، و محاكاة لا تتورع في بتر الانسيابية و التكامل الإنساني .

إن مميزات القول بتنامي و تواتر الحدية في الوجود التاريخي للشعوب ، يعكس في العمق بنية في تأبيد الموت كسبيل للتعبير عن الوجود ، و إبادة الموجود و الإمكان و المتاح من مساحات النفس البشرية التواقة إلى مزيد من اللذة في الحياة الإنسانية ، و قد تكتسي هذه الخطوط العامة طابعا مركزيا في الصراع بين الشعوب على أمل ترسيخ الموت باعتباره دينا على في سلم الحضارة البشرية ، غير أن الإرهاب " الحقيقي " يكمن في الموت اليومي للطموح و الأمل ، عبر ترسيم الظلم المنظم و تقنين مقومات استمرار الأفضلية في الوطنية ، و حق أجناس محددة في الفهم و التأويل و الاستفادة من الخيرات المادية و الرمزية ، و إنتاج الفوضى باسم التنوع ، و قتل الاختلاف بتفريخ الرؤى و التصورات الهامشية ، كل ذلك بهدف بناء ذاكرة ماكرة تختلس الوحدة ، و تنتشي بالطمس و البتر ، و إعلاء ما هزل و ضحل و ضعف و خارت قواه ، المهم أن تتعالى الأصوات و الأبواق دينية كانت أو سياسية أو اجتماعية أن إرهاب ذوي القربى أشد حلاوة من السيف المهند ، و أن الأمن خارج التنمية هو نهاية التاريخ و أم البدايات و أم النهايات ، لذلك الإرهاب أن يتم تهجير النفوس إلى مقامات السلبية و الخضوع و الخنوع ، و ترصيص بنيان من الاسمنت في قبول الأمر الواقع باعتباره قدرا و مصيرا ، و كأن الاستقالة نرفانا و ترياق لكل من تسول له نفسه أن يفتي و مالك في المدينة ، فهل لهذه الدرجة و صل الإرهاب أن يخاف من فكرة أو قصيدة شعر أو عرض مسرحي أو نكتة ساخرة أو كتاب يمنع من الصدور ؟.

لقد مورس إرهاب الدولة بأشكال عدة و بمعنى واحد ، ففرنسا تلزم تركيا بالاعتراف بمذابح في حق الأرمن ، و لا ترغب في الاعتراف بإرهابها في الجزائر و المغرب و تونس و باقي مستعمراتها ، و مارست أمريكا ساديتها في حق الهنود الحمر ، و تطالب باقي الشعوب بتبني الديمقراطية ، و أسال إرهابها الدماء الكثيرة في حرب الخليج الأولى و الثانية بدعوى نشر الديمقراطية ، و نزع الخطر النووي ، و لا تزال عقدة التفوق جاثية على نفوس الجمهوريين بقرار منع دخول الشعوب السبعة إلى التراب الأمريكي في عهد " مجنونها " الحالي ، لدرجة تحولت فيها فزاعة الإرهاب إلى قانون خاص للتضييق على الحقوق المدنية و السياسية ، و أرست فشلا راقيا في تبني أنظمة إنسانية تحتضن الثقافات و تطور من إمكانات استثمارها بغرض الحاجات المتنامية للأمم ، و تحول عنف المنتظم الدولي ، و عنف الدولة الخاصة إلى مبرر للدفاع عن الحق الخاص خارج القواعد الدستورية و القانونية ، و لاذ البعض إلى الحضن القبلي و العرقي و الطائفي عله يجد ما يقلل من معاناته ، و أضحى تأويله الخاص قانونا لنشر أفكاره و تصوراته ، قد تتباين مع الإرهاب الدولي و لكنها تتوحد معه في بناء عالم الفوضى الخلاقة ، و إنتاج ثقافة و اقتصاد الخوف و الرهاب من المستقبل القريب و البعيد منه .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق