أضيف في 4 فبراير 2017 الساعة 13:32

مارد وسالم وعاصية


المصطفى سالمي

انزوى الشيطان (مارد) في ركن قصي وقد استولى عليه الإحباط، لقد جرب محاولات عديدة للإيقاع بالفقيه (سالم) إمام مسجد (النور)، حيل متنوعة لم تُجدِ نفعا، أقلها الوشاية الكاذبة ومحاولات لتلطيخ السمعة، أو خلق عداوات بينه وبين المحيطين به، ولكن الناس استمروا ملتفين حول هذا الرجل، إنهم يلزمون الصلاة خلفه في هذا المسجد الذي أصبح عامرا بالمصلين، ويستمعون لخطبه المؤثرة يوم الجمعة، يركز فيها باستمرار على التآخي ونبذ العداوات ولزوم الجماعة.. إنه فقيه وحَكَم يفصل في النزاعات بالحسنى، منذ وطئت قدماه هذه البلدة والناس في صفاء ومودة، وكأنه بلسم للجراح المعنوية، قلّت الخصومات والخلافات، وكثرت الطاعات، وحلّت البركة في مأكل الناس ومشربهم، لكن (ماردا) قرر أخيرا الاستعانة بالعجوز الشمطاء (عاصية)، إنها ملاذه الأخير حين يستعصي عليه آدمي ما، هذه العجوز هي أيضا من جنس الآدميين في خِلقتها وتكوينها وشكلها، لكنها في أفعالها ألعن من الأبالسة، إنها داهية الدواهي، وعصارة المكر والخبث والخسة، كان (مارد) نفسه يخشى مكرها، وحين ذكر لها اسم الفقيه (سالم) ترددت وامتقع لونها، وبانت عليها زرقة الموت، إلا أنها استجمعت أنفاسها وقالت بنبرة التحدي:

ـ وماذا تكون مكافأتي إن أنا خلصتك من هذا الفقيه؟!

ـ ما تشائين من الحلي والمجوهرات.

ـ قلادة ذهبية مرصعة بجواهر من قاع المحيط.

ـ لك ما تريدين وأكثر.

انطلقت (عاصية) من فورها نحو بيت الإمام الفقيه، كان وقتها منصرفا إلى المسجد، قرعت الباب، فأجابتها من الداخل السيدة (صفية)، فردت (عاصية) بأنها بائعة الحِناء والعطور والأثواب، فتحت لها المرأة الباب، ودعتها للدخول، فهي ليس من عادتها محادثة النساء والناس يمرون في الزقاق. استعرضت العجوز سلعتها البراقة ثم قالت:

ـ تزيني يا بنيتي واهتمي بمظهرك، فالرجال لا ثقة فيهم، إنهم وهم في سن الضعف والوهن يصبحون في حمق الشباب الطائشين..

ـ زوجي (سالم) ليس من هذه النوعية الطائشة.

ـ وما الضرر أو العيب أن يكون الزوج طائشا في بيته، متوددا لزوجته دائما وأبدا ؟!

ـ كبرنا على هذه الأشياء، اللهم ارزقنا حسن الخاتمة.

ـ ما رأيك في وصفة تجعل الفقيه لا يطيق فراق بيته، ويستعيد شبابه، ويبدأ يكرس معظم وقته لك، اسمعي.. بهذا السكين السحري العجيب تقصين شعرتين من لحيته، وتمزجينها بهذا العطر، واجعلي الشعرتين في صرة تضعينها تحت وسادتك ليلتين متتاليتين، وردي علي الجواب بعد ذلك، إنها وصفة مجربة.

ـ سأجرب، مادام الأمر فيه زرع مزيد من المحبة فلا مانع لدي.

ـ لا تخبريه بالأمر، اتركيه حتى ينام هذه الليلة، ثم قصي الشعرتين كما أمرتك.

ـ سأفعل، هو ثقيل النوم لن يشعر بشيء.

انطلقت (عاصية) نحو الشارع بعد أن باعت بعضا من بضاعتها اللعينة، وتوجهت صوب مسجد (النور)، كان الناس وقتها مازالوا في صلاتهم منهمكين، اتجهت نحو البقال (علال) وسلمته رسالة مطوية ليسلمها للفقيه (سالم)، وأعطته قطعة نقدية فضية كمكافأة له، تسلم الرجل الرسالة دون أن تسول له نفسه أن يفتحها، ولما خرج الرجل المؤمن التقي، ناداه (علال) وسلّمه الأمانة.

فض (سالم) الغلاف وقرأ:

ـ من فاعل خير ومعروف لرجل تقي أكتب هذه الكلمات، الليلة سيتم تنفيذ مخطط لقتلك، قد لا تصدق هذا الكلام، ولكن لا بأس، تظاهر بالنوم وتصنّع الشخير وانتظر لترى بأم عينيك كيف سيتم تنفيذ المؤامرة من أقرب الناس إليك!

استلقى الرجل على فراشه متظاهرا بالعياء، وأرسل العنان لشخيره المعتاد، مرّت الدقائق الطوال والرجل جامد مكانه متلهفا لما سيقع، وقد استبدت به الشكوك كما لم يقع له من قبل:

ـ رباه، هل يمكن تصور ذلك! لكن لا بأس، ماذا سأخسر، فربما المال يجعل أكثر العقلاء يفقد بصيرته، ولكن هل يمكن أن يصح ذلك؟! هل يمكن توقع الغدر من الزوجة! مَن يدري! إنها امرأة يمكن أن يتلاعب المتلاعبون بعقلها..

فجأة تراءى له ضوء متراقص واهن من شمعة ذابلة الضياء، ويظهر ظل متمدد على الجدار لشبح ويد مرتفعة تحمل شيئا أشبه بسكين أو ساطور، تأوه الرجل مذعورا وأمسك باليد التي أوشكت أن تمسك برقبته، إنها المجرمة الآثمة تحمل سكينا لامعة، لابد من القصاص، فالعين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم، وفعلا أظلمت الدنيا في عيني الرجل لهول الغدر وفداحة ما كان سيقع من جرم، أمسك (سالم) السكين التي وقعت من يد المرأة المرتعشة، وقبل أن تفتح (صفية) فمها لتشرح وتفسر ـ وهي التي مازالت تحت هول ردة فعل الزوج حين استفاق على غير المنتظر ـ كان الرجل يمرر السكين على رقبتها ويسفك دم الانتقام..

حل يوم جديد أسود كالح، وتلته أيام تقلص فيها عدد الوافدين على مسجد (النور)، وازدادت الخصومات بين الناس، واشتدت العداوات بين الأزواج، وقلّت الثقة، وكثرت الشكوك، ولم يستطع أحد فك اللغز المحير لما حدث، بل عميت بصائر الناس، وسيطرت الأحقاد على النفوس، وعمت الهواجس التي لم يكد يخلُ منها بيت من البيوت.. وما هي إلا أيام حتى عشش البوم بين جدران مسجد البلدة، ونعقت الغربان فوق صومعته. وحده الفرح الغامر استبد بقلب (مارد) الذي جاء بقلادة فريدة من نوعها للعجوز الشمطاء (عاصية)، وسلّمها لها على طرف خيزرانة، وكأنما خاف أن يقترب منها فتمكر به مكرا، وقال:

ـ هذه أثمن هدية أقدمها لجنس آدمي، حتى لا يُقال انقطع الوفاء من جنس المردة الشياطين اتجاه الآدميين!

وردت (عاصية):

ـ نحن البشر، قمة في الوفاء، كما أننا كذلك قمة في الكره والجفاء، لا عدمتُ منك يا عزيزي عطاءً، وإن كنت أتمنى أن تكون أنت لي الإهداء..!

بينما ردّ (مارد) بتوجس ورهبة:

ـ يكفيني منك بُعد الأرض عن السماء، يا مَنْ نجحت في يوم واحد في مهمة كانت تبدو لي كاستحالة تحول التراب إلى هواء. وداعا وإلى الأبد..!

ثم تبخر (مارد) واختفى من المكان.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق