أضيف في 3 فبراير 2017 الساعة 18:29

''من كتّاب الشيخ مرسى إلى جامعة أكسفورد _ محطات على مسيرتى الروحية'' حلقة أخرى قبل أن أموت -- بقلم إبراهيم عوض


إبراهيم عوض

"من كتّاب الشيخ مرسى إلى جامعة أكسفورد _ محطات على مسيرتى الروحية" حلقة أخرى قبل أن أموت

إبراهيم عوض

ونعود بعد هذه التطوافة إلى ما كنا فيه من الحديث عن مسيرتى الفكرية فأقول إنه بالنسبة للسفر إلى خارج الديار بعد عودتى من البعثة الأكسفوردية فقد سافرتُ إلى جامبيا فى صيف 1986م بفضل زميل وصديق قديم كنا ندرس معا فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية قبل أن أتركها بعد ثلاثة أيام لا غير، وهو الأستاذ فتحى عثمان، الذى كنا نلقبه: "فوستوك" تندرا على ما كنا نظنه حذلقة فيه، لكنه كان طيب القلب عملى النزعة جادا يعرف حقيقة الحياة أفضل منا لاضطراره إلى العمل المبكر لكسب رزقه رغم أننا لم نكن أفضل منه ماديا، إلا أننا لم يكتب لنا العمل مثله فى الإجازات الصيفية ونحن صبيان. لقد أهديته عن طريق صديقنا المشترك أ. صلاح أبو النجا، الذى كان يراه كلما أتى إلى القاهرة من المغرب حيث كان يعمل فى منظمة الإيسيسكو (منظمة الدول الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة) كتابى: "مصدر القرآن"، فوجدت بعد قليل رسالة تنتظرنى عقب عودتى من زورة من زوراتى للقرية مع أولادى كانت موجودة تحت عقب باب الشقة فى حدائق القبة، وفيها يعرض أ. فتحى عثمان، إذا كانت بى رغبة، أن أسافر إلى شمال غرب أفريقيا أو الباكستان مشتركا فى دورة لتقوية مدرسى اللغة العربية والدين الإسلامى ومفتشيهما، فوافقت على الفور لحبى للسفر والرحلات، قائلا: أهلا وسهلا بالعرض حتى لو لم آخذ فلوسا فى المقابل. وآثرتُ جامبيا على الباكستان، التى كان منتظرا أن أشترك فى مؤتمر الإعجاز العلمى للقرآن والسنة فيها بعد قليل، إذ كانت الهيئة المشرفة على المؤتمر قد اختارت، ضمن البحوث المقبولة من مئات البحوث المقدمة إليها، بحثى عن "موقف القرآن الكريم والكتاب المقدس من العلم"، وكانت تذكرة السفر والإقامة هناك على حساب المؤتمر. إلا أننى، لدن عودتى من القرية يوم الخميس السابق على يوم السبت يوم السفر إلى جامبيا، نحيت جانبا المرور بالكلية وقتئذ، مستبعدا أن يكون هناك ما يستحق أن أمر بها من أجله، وبخاصة أننى كنت مرهقا بعد أن عُجْنَا على طنطا ودرنا فيها لبعض الوقت واشترينا من السوق بعض الأغراض. وكانت غلطة سخيفة، إذ كان هناك خطاب من مؤتمر الباكستان قد وصلنى على الكلية ذلك اليوم ذاته لم أعلم به إلا بعد مرجعى بعد شهر من جامبيا تطلب منى فيه إدارة المؤتمر أن أرسل إليهم ملخص البحث بالإنجليزية كى يتسنى لهم إرسال تذكرة السفر. وكانوا قد ضربوا لذلك ميعادا أقصى انتهى أثناء وجودى فى جامبيا. وبذلك ضاعت علىَّ فرصة السفر إلى الباكستان، فأسفت لهذا أشد الأسف، إذ كانت فرصة طيبة لى للاطلاع على الأوضاع فى بلد إسلامى مهم فى آسيا كما اطلعت على الأوضاع فى بلد إسلامى فى أفريقيا على المحيط الأطلسى فى حضن السنغال. وقد كتبت أكثر من مائة وستين صفحة عن الرحلة الجامبية وما شاهدته وخبرته هناك من أحوال الناس والمناخ والطبيعة والطيور والغابة والعادات والتقاليد وما إلى ذلك، وللأسف لم تتح لى فرصة نشر تلك الرحلة حتى الآن. وأرجو ألا أموت قبل نشرها. آمين.

ومن طرائف جامبيا أن البُوم والفَرَاش هناك كبير ضخم، حتى إن البومة تساوى بومتين أو بومة ونصفا من بُومنا، وحتى إن الفراشة لتَضْعُف فراشاتنا عدة مرات، كما أن الإمساك بها أسهل من الإمساك بالفراشة المصرية، وألوانها أنصع وأجمل. وكنت كلما مررت بالأولاد فى قرية من القرى التى كنت أتجول فيها أيام الإجازات مع أحمد الشاب الغينى الذى تعرفت إليه هناك، وكانت عربيته ممتازة، أجدهم يشيرون إلىَّ فى استغراب كأنى هبطت عليهم من الفضاء الخارجى قائلين: تُوبَابْ (بتفخيم الباء)، أى أبيض. وكنت أضحك ملء أشداقى وأقول لأحمد: إذا كنت أنا "تُوبَابًا"، فماذا هم قائلون فى الأوربيين؟ ورأيت ذات مرة صبيا فى نحو الثانية عشرة ومعه ولد صغير عمره حوالى سبع سنين ميميين ناحية المحيط الأطلسى بينما كنت راجعا أنا من هناك قبيل الغروب، فبدا لى أن أداعبهما، فقلت للصبى: هل يمكن أن تبيعنى هذا الولد؟ فرد فورا، وبكل جدية: هذا الولد ليس ملكا لى (I am not the owner!). فضحكت كما لم أضحك من قبل. كذلك أذكر من وقائع تلك الرحلة أن موظفى الفندق الصغير اتصلوا بى فى غرفتى ليلة من الليالى طالبين منى أن أنزل لأقابل سيدة جامبية تنتظرنى فى بهو الفندق وتريد أن ترانى. فنزلت، وإذا بها تصارحنى بأنها معجبة بى. لماذا يا ستى، كفى الله الشر؟ فتقول: لأننى أراك دائما من أمام منزلى وأنت فى طريقك إلى المسجد. الله أكبر! هذه أول مرة أسمع أن امرأة تعشق رجلا لأنها تراه ذاهبا إلى المسجد. إذن فهذا هو العشق الشرعى على نفس نمط الشورت الشرعى الذى يتحدث عنه السلفيون وأشباههم! لكن يا ستى، أنا متزوج، وزوجتى تنتظر عودتى فى مصر. وماذا فى أن تتزوجنى إلى جانب امرأتك التى فى مصر؟ إن القرآن قد أحل للرجل أربع زوجات. يا ستى، الله لا يسوؤك، أنا عاجز عن التعامل مع زوجة واحدة، فأَنَّى لى بالنجاح مع أربع؟ لا تخف، سوف تنجح. لكن زوجتى سوف تقتلنى إذا تزوجت عليها. أبدا لن تقتلك. كيف تعرفين؟ إنها امرأتى أنا لا امرأتُكِ، وأنا أعرف طباعها النارية، وسوف تكون نهايتى مهببة بهباب أسود لو أصختُ إلى مقترحك. ثم من أين آتى بالمهر فى تلك البلاد، وأنا لا أملك فيها شيئا؟ لا تشغل بالك بالمهر، فقد ذكر القرآن أنه يكفى أن يدفع الرجل لزوجته ربع دَلَسِى (والدلسى هو الجنيه الجامبى). وهل فى القرآن ذكر لعملتكم المحلية أيضا؟ نعم طبعا. بالله عليكم أيها القراء، ماذا أقول لهذه المرأة؟ أرجو أن تدركونى وتنقذونى من طوفان حججها الغريبة هذه.

وأخيرا فقد يهمكم أن تعرفوا أننى قضيت، مُذْ غادرتُ القاهرة فى طائرة شركة آليطاليا حتى بلغت جامبيا، يوما كاملا مررت فيه بروما، التى مكثتُ فى مطارها سبع ساعات التهمت فيها الإسباجتى اللذيذة مع اللحم والمقبلات والحلويات بكميات كبيرة أكرمنى بها الطباخ الإيطالى فى مطار ليوناردو دافنشى بحب ومودة، وصليت ونمت وقرأت فى كتاب معى عن رحلات أحد المستكشفين الإنجليز الأوائل فى أواسط أفريقيا، ثم هبطت الطائرة فى مطار محمد الخامس بالمغرب، ثم فى مطار أكرا عاصمة السنغال، ثم مطار جامبيا، الذى ذكَّرنى بموقف سيارت الأجرة فى بلدنا أيام كان موجودا عند المقابر، والذى ترك كبير موظفيه أمور إدارته لدن عودتى عندما تأخرت الطائرة يوما كاملا تقريبا، وأخذ يلعب الطاولة ويحدث هو وخصمه صخبا عاليا وطرقعات مصمة بقشاطات اللعب، مما ذكرنى بقهوة عمى إبراهيم قنديل فى موقف السيارات فى القرية، ولم يبق إلا أن أرى أبو الغَشَم وحَسَن سمنة والشيخة عزيزة وبقية الوجوه الأليفة التى كنا نراها فى قديما هناك.

وقد قابلت فى بانجول عاصمة جامبيا، التى تقع فى حضن السنغال على شاطئ الأطلسى، الشيخ حامولى مبعوث الأزهر فى تلك البلاد، إذ فوجئت أول يوم فى المدرسة التى كان علينا أن نلقى بها محاضراتنا على المدرسين والمفتشين الجامبيين المذكورين آنفا برجل مصرى يدخل علىَّ ويعرفنى بنفسه. وبعد أخذ ورد لبعض الوقت تبين لى أنه يعرفنى على السماع، إذ كان يعرف الشيخ الشوادفى الملاح أحد أبناء قريتنا من جيلى، فهما زميلان يُدَرِّسان بمعهد طنطا الأزهرى، وكان الشيخ الشوادفى يحدثه عن قرية كتامة ومن خرجتهم من رجال العلم والأدب، ومنهم العبد لله، بغض النظر أيستحق العبد لله أن يُدْرَج بين العلماء والأدباء أم لا، فدهشت من ترتيبات القضاء الإلهى، الذى يجعل رجلا مصريا فى آخر الدنيا يعرف العبد لله رغم أنه لم يكن قد سبق له أن رآه أو سمعه. يا لغرابة الأقدار! وكانت فرحة الشيخ الحامولى بالعبد لله لما يحمله من عطر مصر لمتغرب مثله فى آخر بلاد المسلمين طاغية حتى إنه حين حان رجوعى لمصر كان حزينا جدا. والطريف أنه قد سمى ابنته التى كان زوجته حاملا بها آنئذ على اسم بنتى: يمنى. وكان يدعونى على الطعام فى بيته بين الحين والحين، وبخاصة يوم عيد الأضحى، الذى حل ونحن هناك، ويكرمنى إكراما بالغا. بارك الله له فى أولاده وصحته وماله وأم عياله. كما عرفت هناك الشيخ سعيد زميل الشيخ حامولى، الذى يختلف عنه أشد الاختلاف فى الشخصية والطباع، وكان يسكن فى قرية قريبة من العاصمة لا فى العاصمة ذاتها. وقد دعانى مرة إلى بيته وقدم لى بناء على رغبتى خبزا بيتيا وفولا مدمسا وجبنا قريشا وما إلى ذلك. وكان يقطن بيتا يؤجره "من بابه" له حديقة بنى فيها فرنا مصريا أعدَّ لنا فيه "الخبز المرقرق" كما نسميه فى قريتنا. وأرجو أن أكون قد أدخلت على هذين الرجلين السرور بمجيئى من مصر مضمَّخا برائحتها العبقة لا لفضل فىَّ، بل الفضل كل الفضل فى أنى مقبل من مصر. وكنت أداعب الأطفال فى البيتين المصريين، وأشعر بالسعادة حين ألاعبهم وأنفحهم بعض الألطاف كما هو حالى مع أى طفل أجده بالبيت الذى أزوره.

ولإعجابى بذكاء أحمد الغينى وبراعته فى اللغة العربية واستطاعته التحدث بالفصحى بسهولة كبيرة رغم أنه لم يزر أى بلد عربى فقد أرسلت له بعض الكتب الخاصة بتعلم لسان الضاد على عنوانه فى بانجول بعد عودتى إلى أرض الوطن حسبما وعدته. ثم علمت أنه حصل على منحة دراسية من المملكة العربية السعودية، لتنقطع أخباره تماما عنى بعد هذا. وأرجو من الله أن يكون صديقى الظريف الذكى قد بلغ ما تؤهله له مواهبه، فهو يستحق الكثير لجده ولوذعيته وظرفه وأدبه وكفاحه. لقد كان يبيع فى سوق بانجول لوازم النساء من أدوات تجميل وما إلى ذلك. وقد أعجبنى هذا منه، وعلمت أن البلاد الأفريقية فى تلك المنطقة منفتحة بعضها على بعض بحيث تجد فى جامبيا كثيرا من الأفارقة المنتمين إلى الدول الأخرى لا يجدون فى دخولها ولا فى الإقامة فيها أية صعوبة، بل ينتقلون من بلد إلى بلد وكأنهم إنما ينتقلون من مدينة إلى أخرى داخل بلادهم. ولا شك أن هذه سياسة موفقة، ويا ليت جميع الدول العربية تفعل ذلك، وبخاصة أن روابطنا نحن العرب فيما بيننا أقوى من روابط الأفارقة، كما أننا كنا إلى عهد قريب دولة واحدة، فجاء الاستعمار فمزقنا شر ممزق. وكان يمكن أن تكون عقابيل هذا التمزيق أقل سوءا مما هى الآن لو لم تعش كل دولة تقريبا فى انعزالية تامة عن سائر الدول العربية بحيث تقوم الحدود الجغرافية فى وجه العرب الآخرين حاجزا صلبا لا يُخْتَرَق، فلا يستطيع العربى فى كثير من الأحيان الدخول إلى أية دولة عربية أخرى إلا بتأشيرة وتفتيش وتوجس، وكأنه لها عدو مبين.

ولنكتف الآن بالكلام عن جامبيا ونعود إلى مصر والجامعة وطلابنا فيها. وأنا أحب أن يناقشنى الطلاب دائما ولا يكتفوا بالسماع، وإلا صارت المحاضرة أثقل من الجبل على قلبى وطغى علىَّ الضيق والملل. وهناك فى هذا الباب طرائف مضحكة، وبخاصة أننى أحب مداعبة طلابى والتهكم على أى وضع سخيف لا منطق فيه. ومما دار بينى وبين طلابى فى الجامعة من نقاش ما وقع ذات محاضرة فى الثمانينات حيث أخذَنا الكلام إلى الجنة والنار، فقلت لهم إننى كلما أردت تحميس ابنى الصغير إلى تأدية عمل طيب (وكان أيامها تلميذا فى أول المرحلة الابتدائية) أقول له إن الله سوف يعطيك فى الجنة شيكولاتة، فما كان منهم إلا أن قالوا فى نفس واحد كأنى قد كفرت بالذى خلقنى من تراب فسوانى فعدلنى فجعلنى دكتورا، وإن لم يحسن صورتى كثيرا: إن ذلك لم يرد فى القرآن! فضحكت وأردت أن أغيظهم وأثير فضولهم فأكدت أن ذلك الأمر موجود فى كتاب الله. إلا أنهم أصروا على موقفهم وإنكارهم مستغربين أن يكون القرآن قد ذكر الشيكولاتة بين أطعمة الجنة وهم لا يعلمون رغم حفظهم له عن ظهر قلب. فعدت أقول لهم وأنا أبتسم: إن ذلك موجود فى سورة "الزخرف". فمضوا فى الـحَرْد قائلين: هذا لا يمكن أن يكون. قلت لهم وقد شعرت أن الأمر قد بلغ إناه، ومن ثم لا بد أن أوضح لهم خطأ موقفهم: ألم تقرأوا قوله تعالى: "فيها ما تشتهيه الأنفس، وتَلَذُّ الأعين"؟ فابنى تشتهى نفسه الشكولاتة، وعينه تلتذ برؤيتَها. فما المشكلة فى ذلك؟ أم ترون أن الجنة لن يكون فيها إلا الثريد وهُبَر اللحم؟ إن كل إنسان ممن كتب الله لهم دخول الجنة سوف يحظى بكل ما يشتهيه من طعام وشراب وصداقات وحب وغير ذلك من اللذائذ والسعادات، أم ترى الجنة إنما صُنِعَتْ على مزاج عرب القرن السابع الميلادى وحدهم وعلى قدر عقولكم الضيقة الحرجة؟ فسكتوا مغيظين لأنى استطعت الهروب من ثقوب الشبكة التى ظنوا أنها من الضيق بحيث لا تسمح لمثلى بالنجاة. فالحمد لله على الإفلات من هذا المأزق.

ثم حدث منذ سنتين أن أخبرنى أحد أصدقائى بأن صديقا صحفيا شابا قد أتاه فى حالة نفسية يرثى لها: نعم يرثى لها بكل معانى الكلمة، فقد كان يحب امرأة حبا جامحا جائحا قد ملك عليه كل حياته، إلا أن أهله رفضوا زواجه منها لأنها تكبره بعدة سنوات، فضلا عن أنها أرملة، ولها طفلان. وسر تعاسته التى كان عليها يوم جاء صديقى منذ عامين هو أنها تزوجت من جديد وتركته يعانى غصص الحب ولم تحترم وعدها له بألاتتزوج سواه. وقد فكر فى الذهاب إلى بيت زوجها ليواجهها بخيانتها، وليكن ما يكون. وحاول صديقى أن يهدئه موضحا له أن الأمر لا علاقة له بالخيانة، وأنها على العكس قد تصرفت التصرف الصحيح الوحيد نظرا للظروف التى أحاطت بهما والتى تمنعهما من الزواج، ودعا الله أن يخفف عنه ما يحسه من حرقات وآلام مبرحة، فانتهز فرصة الدعاء والتمس منه أن يطلب من الله أن يدفع زوجها إلى تطليقها حتى ترجع إليه. لم يعنفه صديقى، بل أفهمه بهدوء أن هذا دعاء لا يصح لأن الرجل قد تزوجها على سنة الله ورسوله، علاوة على أنه هو لن يستطيع الزواج بها حتى لو كانت بلا زوج: فأهله يرفضون ذلك، وهو لا يملك شقة يعيشان فيها، بل إنه لا يستطيع تأجير واحدة، فمرتبه رغم أنه يمكن أن يكفيهما نظريا لا يمكنه واقعيا ذلك "لأنك يا صديقى طَفِسٌ، وهمك على بطنك: تريد أن تاكل طول النهار والليل كبدة ولحما، ولا تقدر أن تعيش على الفول والفلافل كما أفعل أنا مثلا"... إلى آخر ما يمكن أن يقال فى مثل ذلك الموقف.

ثم قال له: إن الله قادر على أن يعوضك عن حرمانك منها فى الدنيا بأن يجمع بينكما فى الجنة. فقال متحمسا: كيف؟ قال: بأن يجعل لكل منكما، أنت والزوج، نسخة منها. فقال فى ألم العشاق واندفاعهم وأنانيتهم: لا أريد أن يشاركنى فيها أحد. قال: إنه زوجها. ومع هذا أتصور أن من الممكن ألا يشعر أو يدور بخَلَده بتاتا أن هناك من يملك منها نسخة أخرى، بل يتصور أنها له خالصة. وكان منطلق صديقى فى هذا التصور أن المرأة الواحدة كثيرا ما تتزوج أكثر من رجل، وكلهم يحبها، وكلهم يرغب أن تكون زوجته فى الجنة (هذا طبعا إذا راح رائحة الجنة! وليقابلنى إذا ورد على جنة!)، فما العمل؟ فقال له الصحفى الشاب: وهل مرت هذه المسألة من قبل فى عهد النبى؟ قال له ضاحكا، لكنه كان يقصد مع هذا كل كلمة نطق بها: فى عهد النبى لم يكن هناك، يا صديقى، صحفى أرعن مثلك ومندفع أنانى، بل كان الصحابة كلهم عاقلين حكماء. وما زال به يعالج همه ويضاحكه ويخفف عنه ويفسح له فى طاقات الأمل والرجاء كلما تقابلا حتى هدأت مشاعره وطاب قلبه، وانتسخت آلامه. وهو الآن يشكر الله أن أتاح صديقى له ليقف إلى جانبه حتى عبر المحنة بدلا من أن يندفع فى سَوْرَة حماقة من حماقاته فيتسبب فى فضيحة له ولحبيبته ولأهليهما جميعا. هذا ما قاله لى صديقى العزيز الذى لا يكاد يفارقنى فى حل أو ترحال، وبينى وبينكم لا بد لى من الإقرار بأننى لا أستطيع أن أحل هذه المشكلة المعقدة بالبساطة التى حلها بها صديقى وصديق الصحفى الشاب الولهان. كان الله فى عون المحبين العاشقين!

كذلك فبعض الطلاب يقصّرون سراويلهم على نحو لافت للنظر. وأسأل، وأنا أعرف الجواب، عن سبب هذا التقصير الغريب، فيقولون: سُنَّة عن رسول الله. فأسألهم: وهل كان النبى يلبس سروايل أصلا، فضلا عن أن تكون سراويل قصيرة كهذه؟ فيرد بعضهم: إن من السنة تقصير الإزار، والسروايل إزار. فلا أجد ما أجيب به على هذا الذكاء الخارق. ثم أرى بين أبناء جيراننا شبانا يرتدون جلبابا قصيرا. وقبل أن يقولوا إنهم يطبقون سنة رسول الله ألفت نظرهم إلى أنهم يلبسون تحت الجلباب سراويل طويلة، وأحيانا ما تكون سراويل منامة، قائلا لهم: إذا كان تقصير الثياب سنة، فلم تلبسون تحتها بيجاما طويلة الساقين؟ ولا أسمع عادة جوابا. ثم أسألهم: وهل تظنون أن هذا التقصير الغريب المخالف للذوق العام فى الملابس يرضاه الرسول؟ كيف لا تفهمون أن المقصود بالتقصير هو النهى عن جر الإزار لما كان يعنيه هذا التصرف من خيلاء وكبر وبطر ولما يترتب عليه من اتساخ ذيل الثوب؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ جَرَّ ثوبه خُيَلاءَ لم ينظر الله إليه يوم القيامة". وقال عليه الصلاة والسلام: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر"، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة. قال عليه السلام: "إن الله جميل يحب الجمال. الكِبْر بَطَر الحق وغَمْط الناس". ثم لا ينبغى أن ننسى أن تطويل الإزار يمكن أن يؤدى إلى نتائج لا تخطر على البال، كالذى وقع لجبلة بن الأيهم، وكان من سلالة ملوك بنى غسان، إذ لما أسلم وخرج يحج وطئ رجل من بنى فزارة إزاره المسبل على الأرض فحله، فلطم جبلةُ الرجلَ الفزارىَّ فهشم أنفه، فأراد عمر رضى الله عنه أن يأخذ للفزارى بحقه بأن يمكنه من لطم جبلة كما لطمه، إلا أن ابن الأيهم استكبر وهرب من البلاد ولحق بقيصر الروم، الذى أكرم نزله، فتنصر جبلة عنده ومات مرتدا.

وقد لاحظت أن عددا غير قليل من المسلمات المتدينات الآن يحرصن على المغالاة فى تطويل الثياب، فتكون النتيجة أن تنجر على الأرض وتتسخ اتساخا مزعجا دون داع. بل إننى ألاحظ فى الأزياء الشائعة هذه الأيام بين النساء وجود رفارف تتدلى أو ترفرف يمينا ويسارا مما يمكن أن يعرضهن لمشاكل هن فى غنى عنها، إذ قد تعلق هذه الرفارف فى مسمار مثلا أو يغلق عليها باب المصعد، بل قد تنشب فى خطاف سيارة نقل مارة إلى جانبهن فتجرهن إلى حتفهن، كالذى قرأته مرة من أن أحد الشبان كان راكبا دراجته البخارية، وكان يلبس سويترا مفتوحا يرفرف فى الهواء، وجاءت من الخلف سيارة مرت بجواره وعَلِقَ طرف السويتر بخطاف من خطاطيفها، فجرته السيارة وأوقعته من فوق الموتوسيكل ومات تحت عجلاتها. ومن هنا فكلما شاهدت امرأة تركب وراء زوجها وترفرف ملابسها فى الهواء أخشى عليها من مثل هذه المصائب، وأدعو الله أن يحميها، وهى ولا هى هنا. فنحن فى مصر بلد العجائب حيث لا يفكر الناس فى العواقب أبدا. وما دمنا فى سياق الحديث عن الخطاطيف والمسامير وما يمكن أن يترتب عليها من مصائب فهناك حديث للرسول عليه الصلاة والسلام يقول: "مرَّ رجلٌ في المسجدِ ومعَه سهامٌ، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمسِكْ بنِصالِها" خوفا من أن تصيب نصالها أحدا من الناس فى ملابسه أو فى جسده. وفى حديث آخر نسمعه صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا مرَّ أحدُكم في مسجدِنا أو في سوقِنا، ومعه نَبلٌ، فَلْيُمْسِِكْ على نِصالِها بكفِّه أن يصيبَ أحدًا من المسلمين منها بشيءٍ. أو قال: لِيَقْبِضْ على نِصالِها". والملاحظ أن كثيرا منا لا يلتفت إلى هذه الاعتبارات فتقع الكوارث التى كان من الممكن جدا بشىء من الوعى واليقظة تداركها، كوضع المقشة مثلا بحيث تكون يدها ناتئة فى الهواء لا مستريحة على الجدار، مما يمكن فى حالة الظلام أو عدم التنبه إليها أن يصيب طَرَفُها عينَ أحدنا.

إن المسألة ليست مجرد تحكم فى الأزياء، بل إن وراءها لحكمة لا بد أن نتنبه إليها، وإلا كنا ممن يخرون على النصوص عميا وبكما وصما دون فهم ودون تفكير وتدبر. ولنفترض أن النبى عليه الصلاة والسلام قد أمر بذلك لمجرد الأمر، فهل ما يصلح للعرب فى جزيرتهم الحارة يصلح مثلا لأهل الجزر البريطانية حين يصيرون مسلمين، ونرجو أن يكون قريبا، وبلادهم شديدة البرودة؟ ودعونا من الإسكيمو، الذين لو جَرَوْا بعد إسلامهم، ونرجو أن يكون قريبا أيضا، على هذه الطريقة فى اللُّبْس شتاءً لتجمدت سيقانهم؟ ترى أين ذُهِبَ بعقول هؤلاء الذين يظنون أنهم إنما يطبقون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا النحو العجيب؟ والغريب أن كثيرا من هؤلاء لا يقرأون عادة ولا يمسكون بكتاب ولا يُضْبَطون متلبسين بالتفكير. أليس طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة؟ أليسوا مسلمين؟ فلم لا يهتمون بالقراءة والكتاب، والقراءة واجبة، بينما يهتمون كل هذا الاهتمام بنافلة من النوافل، إن كانت أصلا نافلة أو لها أية علاقة بالدين إلا بالمعنى الذى شرحته، وأرجو ألا أكون مخطئا؟ لقد لاحظت فى الفترة الأخيرة بوجه عام أن الطلبة، إذا حدثتهم عن النظافة والنظام والجمال والذوق والاهتمام بالعمل والإتقان والتردد على المكتبة وتحصيل العلم والحرص على الإبداع وتشغيل العقل، تلك الهبة الإلهية التى لا تقدر بثمن والتى لا يفطن المسلمون بوجه عام إلى أهميتها فى الفترة الحاليّة من تاريخهم، لا يبدون أى اهتمام أومبالاة، بخلاف ما لو لمست مثلا موضع النقاب بالنسبة للنساء، أو اللحية أو تقصير الثياب بالنسبة للرجال، أو الاستماع إلى الأغانى، فإنهم حينئذ ينطقون مبدين تحمسهم للنقاب واللحية وتقصير الثوب وتحريم الأغانى رغم أن معظمهم إن لم يكونوا كلهم يستمعون إليها، وتجدهم على استعداد لإنفاق كل ما لديهم من وقت فى التدليل على ما يقولون، ويرددون الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التى يظنون أنها تنصر فهمهم. وعبثا أحاول أن أنبههم إلى أن الأمم إنما تتقدم بالعلم والإتقان والإبداع والنظام والذوق الجميل، ولكن على من ترتل مزاميرك يا داود؟ ألم يسمعوا الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يقول: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. التقوى هاهنا (ويشير إلى صدره)؟ أم تراه قال: ولكن ينظر إلى لحاكم وذقونكم؟

فمثلا كنت أحاضر طلاب الدراسات العليا فى إحدى كليات الجامعة منذ أيام، وجاءت سيرة الاعتقاد فى عَيْن الحسود، فانبرى طالب ذاكرا قوله تعالى فى الآية الحادية والخمسين من سورة "القلم": "وإنْ يكاد الذين كفروا ليُزْلِقونك بأبصارهم لما سمعوا الذِّكْر، ويقولون إنه لمجنون"، فحكيت لهم تجربتى مع تفسير هذه الآية حين قرر سورتها علينا د. شكرى عياد فى السنة الأولى بآداب القاهرة فى مادة التفسير فى العام الجامعى 6- 1967م، وكيف أننى، حين قرأت ما قاله بعض المفسرين القدماء عنها باعتباره إشارة إلى القدرة على الإصابة بالعين، لم أقتنع، بل نظرت إليها على أنها تعبير مجازى عن مدى الكراهية التى كان المشركون يكنونها لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما نقول مثلا فى تعبيراتنا اليومية إن عين فلان تصدر شَرَرًا، والمقصود أنه غاضب حاقد على علان أو ترتان، ولا يعنى أبدا أن عينيه تصدران شررا تحرقانه به. ومثله قولنا عمن ينظر بِوَلَهٍ إلى فتاة جميلة إنه سوف يأكلها بعينيه. ولا أكل ولا يحزنون، بل هو مجاز. كما ورد فى حديث للنبى عليه الصلاة والسلام قوله: "نظرُ المؤمنِ إلى محاسِنِ المرأةِ سَهمٌ من سِهامِ إبليسَ مسمومٌ"، ونحن كثيرا ما ننظر إلى النساء فلا نرى سهاما ولا رماحا، بل المقصود تصوير الأمر تصويرا بيانيا يجسد أمام أعيننا المعنى المراد، وهو ما يترتب على كثرة التطلع إلى النساء والاشتغال بأجسادهن من أخطار نفسية وخلقية واجتماعية. ولو كان الأمر أمر حسد بالمعنى الذى يفهمونه من حيث الإصابة بالعين لكان أولى بالمشركين أن يحسدوه ويَعِينُوه صلى الله عليه وسلم بسبب اختيار خديجة إياه زوجا لها دون رجال قريش جميعا رغم أن كبار القوم وأغنياءهم حاولوا خطبتها بعد ترملها، فردَّتهم ولم ترض واحدا منهم، وسعت هى بنفسها إلى لفت نظر هذا الفتى الفقير عن طريق الوسيطات واتخاذها زوجا لها. فكان ينبغى، إذا فكروا فى حسده وإزلاقه بعيونهم المؤذية الشريرة، أن يحسدوه على زواجه بخديجة الغنية الأرستقراطية التى رفضتهم جميعا من قبل. أليس هذا هو ما يقوله المنطق والعقل؟

ثم قلت لهم: المعروف أن الحاسد إنما يحسد الآخرين على ما هم فيه من نعمة. وهذا يقتضى أن ينظر الحاسد إلى ما فيه الآخرون على أنه نعمة تستحق الحسد لأنه محروم منها. فهل كان الكفار يحسدون النبى على ما أسنده الله إليه من مسؤولية الرسالة والدعوة؟ لقد كانوا يكفرون بما يدعوهم إليه ويسخرون منه ويتهمونه، كما تقول الآية، بالجنون. فأين الحسد إذن؟ وكيف نقول إنهم كانوا يريدون إصابته بالعين حقدا منه على ما يتمتع به دونهم من جنون؟ ثم إن الآية على كل حال تقول إنهم يكادون أن يُزْلِقوه بأبصارهم لا إنهم أزلقوه فعلا، بما يدل على أن عيونهم لم تؤثر فيه، فأين العين هنا؟ كما أنه عليه السلام لم يقع له يوما أن تعثر فى مشيه، فضلا عن أن يكون هذا التعثر، أو الانزلاق كما تقول الآية، سببه عيون الكفار. فكيف يفهم فاهم من الآية أنها تتحدث عن العين وما كان الكفار يصيبون به الرسول بأبصارهم؟ بل إن اليهود أنفسهم، وكانوا يحسدون النبى وقومه على النبوة لأنهم يعرفون قدرها وأبعادها، لم يَعِينُوا النبى بل تمثل حسدهم له فى حقدهم عليه وجحودهم لدعوته، وهذا كل ما هنالك. وهذا التفسير ورد فى حديث نبوى شريف: "كان حُيَيُّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدا، إذ خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما: "وَدَّ كثير من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تَبَيَّنَ لهم الحقُّ". قال ابن عباس: من بعد ما أضاء لهم الحق لم يجهلوا منه شيئا، ولكن الحسد حملهم على الجحود".

وبعد أن كتبت ما سبق بأكثر من أسبوعين بدا لى أن أنظر فى كتاب "تلخيص البيان فى مجازات القرآن" للشريف الرضى، فألفيته يقول فى الآية المذكورة إن العبارة المشار إليها "استعارة. والمراد بالإزلاق هاهنا إزلال القدم حتى لا يستقر على الأرض. وذلك خارج على طريقة للعرب معروفة. يقول القائل منهم: نظر إلىّ فلان نظرا يكاد يصرعنى به. وذلك لا يكون إلا نظر المقت والإبغاض، وعند النزاع والخصام. وقال الشاعر:

يتقارضون إذا التقوا فى موقف نظرا يزيل مواقف الأقدام

وقد أنكر بعض العلماء أن يكون المراد بقوله تعالى: "لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ" الإصابة بالعين، لأن هذا من نظر السخط والعداوة، وذلك من نظر الاستحسان والمحبّة". فحمدت الله على توافق رأيى فى هذه النقطة مع رأى مثل ذلك العالم الأديب. ونفس الشىء وجدته فى "تفسير كتاب الله العزيز" للهوارى الإباضى، إذ قال: "قال عز وجل: "وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ" أي: لينفذونك "بِأَبْصَارِهِمْ" لشدة نظرهم عداوة وبغضًا "لَمَّا سَمِعُواْ الذِّكْرَ"، أي القرآن، بُغضًا له، "وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ". يعنون محمدًا عليه السلام".

هذا مجمل ما قلته لطلابى محاولا أن نجد طريقا لنا من خلال الآية، مضيفا أننى، وأنا صغير، كنت أسمع عن أحد جيراننا بالقرية أنه حساد، أى أن عينيه قادرتان على إيقاع الضرر بمن أو بما ينظر إليه، لكنى لا أستطيع أن أتذكر ولو حادثة واحدة تثبت هذا الذى كان يقال عن الرجل. كذلك لو كان ما يقال عن عين الرجل وأذاها صحيحا لما بقيت بقرة ولا جاموسة ولا جمل ولا حمار فى الشارع على الأقل حيا، لأنهم كانوا يتهمونه بحسد البهائم. ولو افترضنا، مجرد افتراض جدلى، أن حيوانا فى الشارع تصادف موته عند أو عقب نظرة ذلك الرجل إليه فهناك ملايين المرات التى نظر فيها ذلك الرجل إلى هذا الجمل أو تلك الجاموسة أو تيك النعجة أو ذلك الجمل ولم يحدث أى ضرر. فلم الإمساك بتلك المرة وإهمال المرات الملايين الأخرى؟ ثم لا تَنْسَوْا، يا أبنائى، أن هذا الاعتقاد ليس له من معنى إلا اختفاء التفوق من على وجه البسيطة. هكذا قلت لهم، شارحا. ذلك بأنه ما من إنسان متفوق فى شىء إلا وهناك من يحسده على ما يتمتع به من تفوق. فإذا كانت العين تضر بالمعنى الذى تفهمونه فالنتيجة الحتمية أن صاحب النعمة لا بد أن تضره العيون المصوبة إليه طوال الوقت تحسده على ما هو فيه، وتنزل به الأمراض أو الموت أو خراب الديار حتما مقضيا، لأنه لو أفلت من عينِ عائنٍ فلن يفلت من عيون سائر العائنين، وما أكثرهم، وبخاصة فى البلاد التى لا ينصرف الناس فيها إلى العمل بل يضيعون وقتهم كله فى الحقد على الآخرين والاجتهاد فى تعويقهم وإيذائهم. أليس كذلك؟

وظننت أن كلامى ومنطقى سوف يفعلان فعلهما ويدفعانهم على الأقل إلى التروى والتفكير فيما أقدّمه من وجهة نظر. إلا أنهم لم يعيروا ما قلته لهم أى انتباه، بل كانوا يرددون أن الحسد مذكور فى القرآن، وهو ما لم أنفه، إذ الحسد فعلا آفة بشرية لا يخلو منها مجتمع، ولا يمكن عاقلا أن ينكره حتى لو لم يتعرض له القرآن بالذكر. لكن المشكلة فى فهم الطريقة التى يعبر بها الحاسد عن حسده: هل هى النظر الحاقد بالعين فيصاب المنظر إليه فى جسده أو عقله أو نفسه أو ماله أو أولاده أو بيته، أو طعامه إذا كان يأكل حين نظر إليه الحاسد فيتسمم الطعام وينقله أهله إلى المستشفى ليدركه الأطباء قبل أن يموت؟ ثم أضحك فأقول: لكن ماذا لو أن جرعة الحقد فى نظر الحاسد إلى الطعام كانت أضخم وأكثر فعالية؟ هل يترتب عليها أن الأطباء لن يستطيعوا معالجة المتسمم، وأنه سوف يموت لا محالة؟ إن تأثير الحسد فيما أفهم يتمثل فى تشويه الحاسد صورة المحسود واتهامه بما هو منه براء أو الكيد له عند رؤسائه أو الوقيعة بينه وبين أحبائه وأصدقائه أو وضع العراقيل فى طريقه أو التآمر عليه للزج به فى السجن أو شكايته عند المسؤولين بأنه يريد بالدولة شرا أو حرمانه من حقه فى ترقية مثلا أو الطعن فى عرضه أو الادعاء على زوجته بأنها تخونه... وهكذا مما من شأنه أن يحول حياته إلى جحيم لا يطاق. فهذا هو الشر الذى أفهم أن يجترحه الحاسد فى حق المحسود. أما أن يقال إن الله سبحانه وتعالى قد أقام كونه على نظرة تؤذى وكلمة توقف أذى هذه النظرة، فهذا ما لا أفهمه أبدا. وأرجو أن يغفر الله لى سواء كنت على صواب أو كنت مخطئا، فنحن فى حاجة ماسة إلى غفرانه سبحانه وتعالى.

ولقد تعرضت عائشة إلى محنة عاتية بل إلى أعتى المحن فى حياتها حين انفجرت حادثة الإفك، إذ اتهمت فى عرضها وهى مَنْ هى؟ إذ هى ابنة الصديق وزوجة خاتم الأنبياء والمرسلين وأحبهم إليه وأحظاهم عنده بالمودة والإعزاز، فماذا كان تعليق أمها على تلك الواقعة الكريهة التى لا يمكن أن يقع لامرأة عربية شىء أبشع وأبغض إلى القلب منها؟ لقد بلغ عائشة أن الناس كانوا يخوضون فى سيرتها فسألت أمها: "يا أمتاه، ماذا يَتَحَدَّثُ الناسُ؟ قالت: يا بُنَيَّةُ، هوِّني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وَضِيئَةً عندَ رجلٍ يُحِبُّها، لها ضرائرُ، إلا أكثرْنَ عليها. قالت: فقُلْتُ: سبحان الله، أوقد تحدَّثَ الناسُ بهذا؟". وهذا كل ما قالته الأم وردت به عليها الابنة، فلا كلام عن العين ولا يحزنون. ولو كان هناك إيمان بالعين لقالت أم رومان لابنتها: "يا حبيبة قلب أمك يا أختى، يا حبة عينى، لقد حسدتك ضرائرك، قلع الله عيونهن"، ولردت عليها عائشة بأن عيون ضرائها التى تندب فيها رصاصة قد حسدتها، فكان ما كان من انتشار الشائعات التى تهدم الأعراض وتدمر البيوت وتقضى على السعادات والمسرات. لكن شيئا من ذلك لم يكن.

وخذ هذه عندك أيضا أيها القارئ الكريم الذى أحبه وأحب له أن يقف عند ما أقول مفكرا فيه دون أن يخر عليه عَمًى وصممًا وبَكَمًا من غير أن يفكر فيه ويُعْمِل حاسته النقدية فيقبله أو يرفضه بعد أن يكون قد قلَّبه فى عقله ومحَّصه وأعطاه الوقت لينضج ويصل فيه إلى ما يرتاح إليه صدره بعيدا عن أى تاثير خارجى ما دام قد قرأ كل وجهات النظر وراجع النصوص ونظر فيما كتبه العبد لله بهدوء وتجرد وسكينة: فقد روى أحد المسلمين قائلا: "قلتُ لابنِ عباسٍ: أرأيتَ هذا الرَّمَل بالبيتِ ثلاثةَ أطوافٍ، ومَشْي أربعةِ أطوافٍ؟ أسُنَّةٌ هو؟ فإنَّ قومك يزعمون أنه سُنَّةٌ. قال: فقال: صدَقوا، وكذبوا. قال: قلتُ: ما قولُك: صدقوا وكذبوا؟ قال: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قَدِم مكةَ، فقال المشركون: إنَّ محمدًا وأصحابَه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيتِ من الهزلِ. وكانوا يحسدونَه. قال: فأمرهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أن يَرمُلوا ثلاثًا، ويمشوا أربعًا. قال: قلتُ له: أخبِرْني عن الطوافِ بين الصفا والمروةِ راكبًا، أسُنَّةٌ هو؟ فإنَّ قومك يزعمون أنه سُنَّةٌ. قال: صدَقوا وكذَبوا. قال: قلتُ: وما قولُك: صدَقوا وكذَبوا؟ قال: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كثُرَ عليه الناسُ، يقولون: هذا محمدٌ. هذا محمدٌ. حتى خرج العواتقُ من البيوتِ. قال: وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لا يضربُ الناسَ بين يديْهِ. فلما كثُرَ عليه رَكِبَ، والمشيُ والسعيُ أفضلُ. وفي روايةٍ: نحوه. غيرَ أن قال: وكان أهلُ مكةَ قوم حسدٍ. ولم يقل: يحسدونَه".

والآن ها هو ذا ابن عباس يقول إن أهل مكة كانوا قوم حسد. وهنا سيسارع الكثيرون قائلين: وماذا تريد بعد ذلك من دليل يا عم إبراهيم؟ ولكن هل قلت لكم إنى أنكر الحسد؟ لقد قلت إن الحسد موجود لا يمكن المشاحة فيه، إلا أننى أختلف مع معظم الناس بشأن معناه وأثره. ولنعد إلى ابن عباس، فماذا قال؟ قال إن أهل مكة، بما أنهم أهل حسد، قد اتهموا الرسول والمسلمين بأنهم ضعاف مهازيل لا يقدرون على المشى، فمن ثم رَمِلَ الرسول ليريهم أنه ليس ضعيفا أبدا، وأنه لا يقدر على المشى فقط بل على الجرى أيضا. ثم جرى وأراهم من نفسه ومن نفوس المسلمين قوة. أليس هذا ما يقوله الحديث؟ أفلو كان أهل مكة يَعِينون كما قال بعض المفسرين فى قوله تعالى: "وإن يكاد الين كفروا ليزلقونك بأبصارهم..." أكانوا يقولون عن المسلمين إنهم ضعاف مهازيل؟ لقد كان ينبغى أن يقولوا: الله يخرب بيتهم. إنهم لا يتأثرون بشىء مما نفعله لهم، بل يزدادون قوة على قوتهم. وعندئذ يخر المسلمون صرعى لا يستطيعون أن ينهضوا، فضلا عن أن يمشوا، فضلا عن أن يجروا، ولكان رد فعل الرسول لِحَسَدِهم أن يأمر المسلمين بأن يتظاهروا بالضعف والتهافت حتى لا تصيبهم عيون المشركين الحسادة أكثر مما أصابتهم. هذا ما يقوله العقل والمطق، لكنْ أنا أعرف ماذا سيرد به علىَّ معظم الناس، ألا هو: لكن الحسد مذكور فى القرآن. وعندئذ سأخرس فلا أتكلم لأنه من الواضح أن الكلام واستخدام المنطق صار لا يجدى. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد!

وإليك، قارئى العزيز، هذا الحديث كذلك، فقد روى معاذ بن جبل "أن نبي الله صلى الله عليه وسلم جلس في بيت من بيوت أزواجه، وعائشة عنده، فدخل عليه نفر من اليهود فقالوا: السام (أى الهلاك والموت) عليك يا محمد. قال: وعليكم. فجلسوا فتحدثوا، وقد فهمت عائشة تحيتهم التي حَيَّوْا بها النبي صلى الله عليه وسلم، فاستجمعت غضبا وتصبرت، فلم تملك غيظها، فقالت: بل عليكم السام وغضب الله ولعنته. بهذا تحيون نبي الله صلى الله عليه وسلم؟ ثم خرجوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما حَمَلَكِ على ما قلتِ؟ قالت: أولم تسمع كيف حَيَّوْك يا رسول الله؟ والله ما ملكت نفسي حين سمعت تحيتهم إياك! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا جَرَمَ كيف رأيتِ رددتُ عليهم. إن اليهود قوم سئموا دينهم، وهم قوم حُسَّد، ولم يحسدوا المسلمين على أفضل من ثلاث: رد السلام، وإقامة الصفوف، وقولهم خلف إمامهم في المكتوبة: آمين". فها هو ذا سيدنا رسول الله يقول إن اليهود قوم حسادون، إلا أن الحديث لم يتركنا فى عماية من أمرنا، بل وضح لنا أن حسدهم قد تجسد فى التحية الإجرامية التى حَيَّوْه بها صلى الله عليه وسلم. ولو كان الحسد على ما يفهمه العامة وأشباههم لكان اليهود قد نصبوا فى عيونهم صواريخ سام3 وأطلقوها على المسلمين رشقة واحدة فخَرَّ هؤلاء على بكرة ابيهم يفرفرون كالدجاجة المذبوحة. لكنهم لم يفعلوا شيئا من هذا، بل لجأوا إلى التآمر والتطاول والبذاءات، وهو ما يجرى مع فهمى للحسد وأفاعيله.

وفى ذات الاتجاه يجرى الحديث التالى، إذ يذكر أبو أيوب الأنصارى أنه بعد انتصار المسلمين المدوى فى بدر وقع فى يد المسلمين أسرى كثر من مقاتلى المشركين، "فقتلنا وأسرنا، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ما أرى أن تكون لك أسرى، فإنما نحن داعون مؤلفون. فقلنا، معشرَ الأنصار: إنما يحمل عمرَ على ما قال حسدٌ لنا. فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ، فقال: ادعوا لي عمر. فدُعِيَ له، فقال: إن الله عز وجل قد أنزل عليَّ: ما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتى يُثْخِنَ في الأرض. تريدون عَرَضَ الدنيا، والله يريد الآخرة. والله عزيز حكيم". وفى هذا الحديث أن الأنصار كانت تظن أن عمر إنما أشار على الرسول بقتل الأسرى حسدا منه لهم لأنهم اختاروا الإبقاء على الأسرى لمفاداتهم فيما بعد بالمال، فى الوقت الذى رأى عمر قتل هؤلاء الأسرى لتخليص المسلمين من شرهم فلا يعودوا لمقاتلتهم مرة أخرى. أى أن الأنصار، وهم مسلمون من الطراز الأول، يرمون عمر بن الخطاب بالحسد. لكن الحسد، كما هو واضح، ليس أن يَعِينَهم عمرُ بعينه الضارة، بل معناه أنه لا يريد أن يأخذ الرسول بالرأى الذى كان عليه باقى المسلمين، ومنهم الأنصار. ثم، وهذا هو المهم، لقد نزل القرآن بما يوافق رأى عمر المتهم من قِبَل الأنصار بالحسد. فما رأى قرائى الأفاضل؟

ثم هذا الحديث الذى رواه أبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفى: "كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقدم عليه وفد بني تميم، عليهم قيس بن عاصم وعمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن الأهتم: ما تقول في الزبرقان بن بدر؟ فقال: يا رسول الله، مطاع في أنديته، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: يا رسول الله، إنه ليعلم مني أكثر مما وصفني به، ولكنه حسدني. فقال عمرو: والله يا رسول الله، إنه لَزَمِنُ المروءة، ضيق العَطَن، لئيم الخال، أحمق الولد. والله يا رسول الله ما كذبت أولا، ولقد صدقت آخرا، ولكني رَضِيتُ فقلت أحسن ما علمت، وغضبتُ فقلت أقبح ما علمت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحرا وإن من الشعر لحكما (أى حكمة)". فها هو ذا الزبرقان بن بدر، وهو صحابى كما نرى، يفهم الحسد، الذى اتهم به عمر بن الأهتم، على أنه إظهاره بمظهر القليل المناقب، مع أن الرجل لم يقصر فى مدحه، وهو ما دعاه فى المرة الثانية التى تصدى فيها لوصفه بتشويه صورته تماما، مبررا ذلك بأن كل شخص فيه وفيه، وأن العبرة بالحالة النفسية التى يكون عليها الواصف: فإن كان راضيا أورد صادقا فضائل الموصوف، وإن كان ساخطا عليه أورد صادقا أيضا رذائله. والمهم أن الزبرقان لم يشتك من ضرر أوقعته به نظرات عين ابن الأهتم القاتلة.

وهناك حديث ضعيف سأورده رغم ضعفه لأنه يتمشى مع ما جاء فى القرآن الكريم عن ابنى آدم حين قرب كل منهما قربانا تقبل الله أحدهما ورفض قربان الآخر، فما كان منه إلا أن قتل أخاه الذى تُقُبِّل قربانه. ذلك أن قتله لأخيه إنما كان بسبب حسده إياه لرضا الله عنه دونه. يقول الحديث الضعيف: "إيَّاكُم والكِبْرَ، فإنَّ إبليسَ حَمَلَهُ الكِبْرُ على أن لا يَسْجُدَ لآدمَ. وإيَّاكُم والحِرْصَ، فإنَّ آدمَ حَمَلَهُ الحِرْصُ على أن أكل من الشجرةِ. وإيَّاكُم والحَسَدَ، فإنَّ ابْنَيْ آدمَ إنما قَتَلَ أحدُهما صاحبَه حَسَدًا، فهو أَصْلُ كلِّ خطيئةٍ". أأستمر فى هذا الموضوع أم أكتفى بما سبق، وهو كافٍ جدا؟ ومع هذا كله فإنى أقترح أن يَنْهَدَ عدد من العلماء من مختلف التخصصات التى لها صلة بالحسد لدراسة هذا الموضوع حتى يشفوا صدورنا بالنتائج العلمية التى يتوصلون إليها ويتقربوا إلى الله بما يفعلون، فهو سبحانه العليم والخبير، ويريد منا أن نكون علماء خبراء. "ولله المثل الأعلى فى السماوات والأرض".

وهذا هو نفسه ما يقوله الشيخ محمد عبده فى كتابه: "تفسير سورة عم" لدن تفسير قوله تعالى فى سورة"الفلق": "قل أعوذ برب الفلق * ... * ومن شر حاسد إذا حسد". ونص كلامه فى هذا الشأن هو: "الحاسد الذى يتمنى زوال نعمة محسوده، ولا يرضى أن تتجدد له نعمة. وهو، إذا حسد، أى أنفذ حسده وحققه بالسعى والجد فى إزالة نعمة من يحسده، من أشد خلق الله أذى، ومن أخفاهم حيلة، وأدقهم وسيلة. وليس فى طاقة محسوده إرضاؤه بوجه ولا فى استطاعته الوقوف على ما يدبره من المكايد، فلا ملجأ منه إلا إلى الله وحده، فهو القادر على كف أذاه، وإحباط سعيه. وقانا الله شر الحاسدين، وكف عنا كيد الكائدين. والله أعلم". فكما يرى القارئ ليس فى كلام الرجل أى شىء عن العين والعائن والـمَعِين (الـمَعْيُون)، بل الكلام عن الأساليب الطبيعية فى محاولة الحاسد الإضرار بالمحسود عن طريق التآمر والكيد والتسلل فى نعومة كنعومة الحيات والثعابين ليضرب ضربته القاتلة فى خفاء كخفاء الشياطين.

ثم تذكرت المونولوج الذى يغنّيه إسماعيل يس عن أصحاب العيون المؤذية وحملته عليهم لما ينزلونه بالناس حولهم من ضرر لا يقاوم كانفجار النجفة الجديدة الغالية التى فى الصالون بمجرد أن يبدى العائن إعجابه بها أو موت معزة جدته أو مرضه هو وتطوحه وفقدانه الاتزان عقب قيام صديقه الحَسَّاد بإطراء صحته وأحواله المادية... إلى آخر ما يقوله المونولوجست صاحب الفم الكبير، الذى لا أدرى لماذا لم يمرض وتنكسر رجلاه وتشتعل سيارته وينهدم بيته ويحترق مسرحه من كثرة ما صُوِّبَ إليه من نظرات حاقدة بسبب نجاحه فى فنه واستيلائه على القلوب أفلاما ومسرحيات ومونولوجات، أو على الأقل: بسبب كِبَر فمه الذى لا يدانيه فى الاتساع فم آخر فى الدنيا والذى يستحق أن يدخل به بكل جدارة موسوعة جينيس، فضلا عن ابنه ياسين، الذى كان متفوقا فى دراسته حتى لقد دخل معنا كلية السياسة والاقتصاد سنة 1966م حسبما قرأت فى كشوف الطلاب أوانذاك، وإن كان قد تركها إلى معهد السينما بالقاهرة كما تركتها أنا أيضا إلى كلية الآداب، ثم تُوُفِّىَ عام 2008م بسبب السرطان، رحمه الله. وهذا نص المونولوج:

يا اللِّى َتَمِّلى تحسدْ غِيرَكْ، بَطَّلْ قَرّ

سَمِّى وْصَلِّى دى عْنِيكْ مُوشْ هَتْجِيبْها البَرّ

* * *

مَرَّة حَسُودِى

شَكْلُه قْرُودِى

شافْنى قالْ لى: إشّ امَّالْ!

نعمة عظيمه

وقِيمَة وسِيمَهْ

وعِزّ وْشُهْرَة وْمَالْ وِجَمَالْ

عَنْها وارَوَّح

كده باتْطَوَّح

زَىّ الفرخة الدايخة تمامْ

عينه الصافية

ما خَلِّتْ عافيهْ

ورُوشِتّاتْ ما اعرفش بْكَامْ

و لا جَهْ قال لى: بَسّ اشْ حالَكْ؟ بِعْدِ الشرّ!

يا اللِّى تَمَلِّى تحسدْ غيرك، بَطَّلْ قَرّ

* * *

واحد غِيرُهْ

كَتَّرْ خِيرُهْ

جانى بسرعة يْطُلّ عَلَيَّا

شافْ نجفتْنا

قالْ لى: دى فتنه

ده احْنا ولا فْ عِزّ الضُّهْرِيّه

تَمِّ الجملهْ

راحت عامله:

"بِي". يعنى ما لحقتْش تْبَاتْ

عينه الصافيه

راحت طافيه

النور، واتحرقوا اللَّمْباتْ

قلت له: خلى عندك ذُوقْ ولاَّ امشى انْجَرّ

يا اللى تملى تحسد غيرك، بطل قرّ

* * *

واللى هاوِسْنِى

وهَيِفْرِسْنِى

واحد غيرهم لُهْ كراماتْ

رِمْشُه صْغيَّرْ

نِنُّه يْطَيَّرْ

بيتْ بدورين وتلات عمارات

معزةْ ماما

هَبَدْها كرامهْ

طَقِّتْ ماتت فى دقيقتينْ

عينه الصافْيَه

تجيب الكافْيَه

و لا مدفعْ رشّاشْ برُوحِينْ

ولا بِيْجَلِّى. كل حياته يا شَرّ اشْتَرّ

يا اللى تملى تحسد غيرك، بَطَّلْ قَرّ

وأنا، كلما تذكرت هذا المونولوج الذى نظمه المرحوم ابن الليل أو سمعته، تعجبت غاية التعجب من حملة مؤلفه ومغنيه على العائن، إذ ما ذنبه، وهو قد خُلِقَ هكذا؟ اللهم إلا إذا كان المونولوج يتهكم بمن يعتقدون فى مثل تلك الأمور أو يشنع على الحقود الذى لا يهدأ ولا يرتاح إلا إذا أفسد على صاحب النعمة نعمته، لكن بطريقة كاريكاتورية مجازية لا حقيقية. ولكن هل الأمر كذلك؟ وحتى لو كان هذا هو هدف الزجال والمونولوجست فهل سوف تفهم الناس أن هذا هو هدفهما فعلا؟ أحسب أن الناس سوف تتصور أن الفناَنْين، على العكس، إنما يؤكدان هذا الاعتقاد ويعملان على تثبيته فى العقول والنفوس.

وعلى نفس الشاكلة ينبغى ألا تكون هناك امرأة جميلة أنيقة إلا ويتم تشويهها جراء الحسد الذى لا بد أن تحسدها إياه كل امرأة قبيحة، وما أكثرهن والحمد لله، الذى لا يحمد على قبح سواه. ثم ألا يقع الحسد من العميان رغم أنهم لا ينظرون إلى أحد لعدم وجود عيون لهم أصلا؟ فما القول فى حالتهم؟ لكن لقد نسيت يا عم إبراهيم أن هناك، إلى جانب العين، ما يسميه العامة بـ"القَرّ" و"النَّقّ" و"النَّبْر"، وهو كلامٌ بالفم لا نظرٌ بالعين. أى أن حياتنا كلها ملغمة بالعيون والأفواه، ولا مفر من ثم من الإصابة. فالحسد يشبه صواريخ سام3 فى أنه لا يمكنك أن تهرب منه مثلما كانت الطائرات الإسرائيلية تعجز عن تجنب هذا الضرب من الصواريخ، وينتهى أمرها دائما إلى السقوط.

وأحيانا ما أقول ساخرا: إن الحسد هو سبب تخلفنا، وهو دليل قاهر على أنه موجود بالمعنى الذى يعتقد فيه كثير من الناس فى مجتمعاتنا. كيف؟ إننا ما دمنا أمةٌ حسّادة قرارة نقّاقة نبّارة ليس لنا من شغلة ولا مشغلة طوال النهار والليل إلا تصويب العيون والأفواه إلى ما يتمتع به الآخرون من نعم فإن النتيجة الحتمية هى أن يحسد بعضنا بعضا، وبالتالى فكلنا مصابون مضرورن، وتكون النتيجة العامة هى الحرمان من النعم بسبب العين والقر والنق والنبر. وهل التخلف إلا الحرمان من النعم: نِعَم الغنى والنظافة والعلم والإبداع والنظام وراحة البال؟ فكيف بالله عليكم يمكن أن نتقدم ونتحضر، وصواريخ سام3 شغالة لا تكل ولا تمل؟

لكنى أعود فأقول: وعلى أى شىء نُحْسَد، ونحن متخلفون وحياتنا كلها مضطربة ولا شىء تقريبا سليم فيها، والفقر والقذارة والمرض هو كلمة السر فى واقعنا؟ ثم أعود فأقول: وهل أنت فى مجتمع يفكر أفراده بمنطقية وعقلانية؟ ترى لو أننا نعيش فى مجتمع منطقى عاقل أكان بائع الروبابيكيا الجائع المريض البائس ذو الأسمال البالية الذى يدفع أمامه عربة محطمة قذرة لا تحتوى إلا على أتفه الأشياء يكتب على عربته: "يا ناس يا شَرّ، كفاية قر"؟ على رأى المثل: قالوا للقرد: سوف نسخطك. قال: كيف تسخطوننى وأنا مسخوطٌ خِلْقَةً؟ وهناك ناحية فى الاعتقاد بالعين لا أدرى كيف يمكن العقل هضمها، ألا وهى أن العين فى هذا الميدان لا تعرف التخصص فى الأذى، فهى تمرض الشخص وتكسر رجله وتهدم بيته وتحطم سيارته وتفشله فى الامتحان وتبغضه فى زوجته التى كان يعشقها ويطير بها طيرانا وتصيبه بفيروس الكبد الوبائى وتطلق المرأة من زوجها وتموّت الشحط الفحل الذى لو أطلقت عليه مدفعا رشاشا ما أثر فيه... إلخ إن كان لذلك من آخر. بل إنها بالنسبة للمرض وحده لا تعرف أيضا أى تخصص، فهى تصيب بالسرطان والعمى والحمى والنسيان والبرص والخناق وبقية الأمراض التى تعرفها البشرية والتى تعرفها وسوف بمشيئة الله تعرفها ما دامت الدنيا لا تخلو من صواريخ سام3. إن الله سبحانه قد أقام دنياه على التخصص، إلا أن العين تشذ عن هذه السنة الكونية، وهو ما يضاعف الهم والغم، إذ لا ندرى كيف نحمى أنفسنا أمام هذا الطوفان الذى لا ينتهى من الأضرار والآذاء كالإنسان الذى تنهال عليه السهام من كل جانب.

ومشكلة أخرى لا تقل عن هذه تعقيدا، وهى أن هذا الاعتقاد يوقع العداوة والبغضاء بين الناس والجيران والأقارب. ولتوضيح ما أريد قوله أذكر أن نجفة قد انفجرت مصابيحها ذات مرة فى بيت أحد معارفى قبيل وصولى، فوجدتهم قد اجتمعوا وكأنهم مجلس حرب، وأخذوا يضربون أخماسا لأسداس لمعرفة من يا ترى آخر واحد نظر إلى النجفة فأصابها بعينه التى تستحق الخرم حتى لا يَدَعُوه يدخل بيتهم مرة أخرى، وبعد عدة مداولات صاح أحدهم: وجدتها، وجدتها. فقالوا: من؟ قال إن آخر شخص زارنا هى فلانة أمس، وقد لاحظتُ أنها نظرت مرة إلى النجفة، فليس إلا هى. فعندئذ هدأت النفوس، واستقرت الآراء على أنه لا ينبغى تركها تدخل الشقة ثانية حتى لو انطبقت السماء على الأرض. وعبثا حاولت أن أقنعهم بسخف فهمهم وتعليلهم للأمر، قائلا لهم: هل تظنون أن نظرة الست الطيبة الكريمة تلك ظلت منذ أمس تدور فى أرجاء الغرفة لا تستطيع أن تصل إلى النجفة إلا قبيل مجيئى إليكم بلحظات؟ ثم ألم تزركم هذه السيدة قبل ذلك عشرات المرات ولم يحدث شىء لا للنجفة ولا للتلفاز ولا للأطفال، فكيف نسيتم هذا كله ولم تتنبهوا إلا لهذه المصادفة التى لا تعنى شيئا؟ ثم أية نجفة هذه التى تتهمونها بأن عينها الحسادة هى التى فجرتها، وأنتم تعلمون أن لديها بدل نجفتكم الرخيصة هذه نجفا كثيرا غاليا؟ ألم تجد إلا نجفتكم هذه؟ يا ناس، أين ذُهِبَ بعقولكم؟ لكن طبعا كنت كمن يؤذن فى مالطة. ثم أضفت قائلا: ومن أدراكم أنها هى وليست شخصا آخر زاركم قبلها أو ذكر نجفتكم من بعيد فظلت نظرته أو كلمته تدور حول نفسها لا تستطيع أن تشق طريقها نحو الهدف المبتغَى إلا الآن؟ وواضح أن مثل ذلك الاعتقاد يوقع الكراهية وسوء الظن بين الناس، ويجعل كل إنسان متربصا بالآخر متهما له ولمشاعره.

وقد ذكرنى هذا بدكتور يُعَدّ بمثابة تلميذ لى كنت عنده فى الدوحة ذات صباح، وجاءت ابنته الوحيدة الصغرى تجلس معنا، وكنت أستلطفها وأحب أن أدخل على قلبها البهجة بالألطاف التى يحبها الأطفال، وبمداعبتها والثناء عليها. فجريًا على عادتى قلت لأبيها أُسْمِعُها كى تفرح: "من أين أتيتم بهذه البنت الحلوة؟"، ظنا منى أن ذلك سوف يسعده، إلا أننى فوجئت به ينتفض ويبسط كفه فى وجهى وهو يقول: "ما هذا يا دكتور؟ قل: أعوذ برب الفلق". فنزلتْ علىَّ جرادل الماء المثلج التى فى الدنيا كلها، وأردت أن أتداخل فى نفسى حتى لا تفع علىَّ عين. لقد صرت فى لحظةٍ حَسّادًا نقَّاقًا قَرَّارًا نَبَّارًا. وخشيت أن تصاب البنت بالمصادفة بأى شىء فى ذلك اليوم، أو ذلك الأسبوع، أو ذلك الشهر، أو ذلك العام، أو ذلك القرن، أو ذلك الدهر، فتُنْسَب إصابتها إلى تأثير عينى، التى تستحق أن يندبّ فيها رصاصة. أعوذ بالله منك يا عم إبراهيم يا حقودى!

كما ذكرنى بما كان الإنجليز رجالا ونساء يقولونه حين يَرَوْنَنا فى أكسفورد ندفع بنتنا التى كانت ترضع فى تلك الأيام، وصارت الآن أستاذة مساعدة بالجامعة، إذ كانوا يوقفوننا، فى الشارع أو فى المحلات التى نرتادها لشراء ما نحتاجه من حاجيات الحياة، ملتمسين منا أن يلقوا نظرة على البنت وهم يصيحون فى إعجاب (بالإنجليزية طبعا، خذوا بالكم!): يا للعينين الجميلتين! يا للرموش الطويلة! (Look! Beautiful eyes! Long eye-lashes). ولو لم أكن قد شكمتُ زوجتى وشرحتُ لها منذ بداية تعارفنا قبل أن نسافر إلى بلاد الإنجليز بسنوات أن مثل تلك الاعتقادات لا أساس لها من الصحة ولا من الإعراب أو التصريف لأخذتِ البنتَ وعَدَتْ فى شوارع أكسفورد هربا من كلام الإنجليز وأعينهم، وكأنْ قد أصابها مس أو خالطها رعب كرعب بطل المقامة المضيرية، الذى كان الناس يجرون وراءه وهم يصرخون: يا أبا الفتح، الـمَضِيرَة! فلا يزداد إلا جريا وهربا. المهم أن بنتى حتى الآن لم يصبها بحمد الله شىء لا فى رموشها ولا فى عيونها. اللهم إلا إذا قال متنطع: ومن أدراك أنها لن تصاب؟ فأردّ أنا عليه: لكن يا أخى، لقد نَقَّ الإنجليز وقَرُّوا عليها منذ عشرات السنين. فيرد فى تنطع أشد: وإِنِنْ! ولسوف نرى. ثم إنه لن يخيِّب ظنَّه تنطعُه حين يلحظ أنها أصبحت ترتدى نظارة بعدما كانت تبصر رقم الحافلة اللندنية من بعيد جدا وهى طفلة صغيرة، فيقول: وهل بعد النظارة من دليل على أن العين والنَّقَّ والقَرَّ حق؟ فلا أجد أنا العبد الفقير من مفرٍّ أمام هذا المنطق القاهر الجبار إلا أن أقول له: بارك الله فى عقلك الترللى يا أخى! نسيت أن أقول إننى وزوجتى كنا نسعد عند سماع ذلك الإطراء الجميل، ونشعر فى أعماقنا بالشكر لله على أَنْ مَنَحَنا بنتا جميلة، على الأقل: فى عيون الإنجليز! ولم نفكر قط فى أن هذا الإطراء يمكن أن يصيب البنت بشىء!

ويتعرض د. جواد على فى الفصل الرابع والثمانين من الجزء الثالث من كتابه: "المفصل فى تاريخ العرب" لبعض الاعتقادات الجاهلية المرتبطة بهذا الأمر فيتحدث عن "التمائم" قائلا إنها "عُوذَة على هيئة قلادة من سيور تضم خرزا، وقد تكون من خرزة واحدة تستعمل للصبيان والنساء في الغالب اتقاء النفس والعين، فاذا كبر الطفل انتزعت التميمة منه. وقيل: التمائم خرزات كان الأعراب يعلقونها على أولادهم يتقون بها النفس والعين بزعمهم، فأبطله الإسلام". ثم يضيف أنهم كانوا يعتقدون انها تمام الدواء والشفاء، وأنه قد أشير اليها في الشعر الجاهلي، وعدها بعض الصحابة من الشرك، لأنهم جعلوها واقية من المقادير والموت وأرادوا دقع ذلك بها، وطلبوا دفع الذفى من غير الله.

كما تكلم عن العين فقال: "كان للجاهليين رأي وعقيدة في العين وفي أثرها في الحياة، فهم يعتقدون بأثر العين وإصابتها. ولخطر هذه الإصابة وأهميتها تفننوا في ابتداع وسائل الوقاية منها، وحماية أنفسهم من أثرها. وقد زعموا أن عيون بعض الناس تصيب، وانها إن أصابت شيئا أهلكته، فان العين لا تنتج الا شرا، وهي لا تكاد تكون في خير مطلقا. ولذلك تجنبوا "العائن" وابتعدوا عنه. و"العائن" و "المعيان" و "العَيُون" هو مَنْ تصيب عيونه. فكان أحدهم اذا ما اتصل بإنسان، وصادف أن نظر ذلك الإنسان إلى شيء أعجبه، أو رأى شيئا لفت نظره، ثم صادف أن وقع مكروه لمن نظر اليه أو إلى ما كان قد رآه "العائن" نُسِب ذلك المكروه اليه، ورُمِيَِ باصبة العين". ومما قاله أيضا فى هذا الصدد إن الإصابة بالعين "لا تقتصر على اصابة عيون الإنسان، فقد تصيب عيون الحيوان كذلك" فـ"هناك حيوانات عديدة لها قدرة على الاصابة بعينيها مثل الحيات والثعلب والطاووس". و"يعبر عن العين التي تصيب الـمَعِين بـ"النفس". يقال: نفستُه بنفس، أي أصبتُه بعين، وأصابت فلانا نفس، أي عين... وما أنفسه، أي ما أشد عينه... وللحاسد نفس على المحسود، وقد يصل نفس الحاسد إلى حد الإهلاك. والعائن ربما لا يتعمد الأذى، إنما عينه هي التي تصيب بمجرد المقابلة أو وقوع النظرة على الشيء، ولذلك كان أذاه عند المقابلة ووقوع عين العائن على المعيون.أما الحاسد فإنه يصيب في النية وفي الحضور، لأن عينه تنفذ وتصل إلى المحسود، وإن كان غاضباً عن الحاسد. ولخطر الحسد وشدة أذاه، اتخذت الوسائل الخاصة بمقاومةعيون الحسود...".

وقد حاولت أن أجد ذكرا للحسد والحاسد فى الشعر الجاهلى فلم أظفر إلا بالبيت التالى لحاتم الطائى:

وَكِلْمَةِ حاسِدٍ مِن غَيْرِ جُرْمٍ سَمِعْتُ وَقُلْتُ: مُرّي فَانْقُذِيني

ومن الواضح أن حاتما إنما يتكلم عن الحقد والكراهية التى تدفع صاحبها إلى التقول على من يحسدهم ومحاولة تشويههم وتحقيرهم بين الناس وافتراء التهم الكاذبة عليهم. ومن الواضح أيضا أنه، بتلقائيته عجيبة، لم يشغل نفسه بما يشاع زورا عنه، بل طوى كشحه وثنى عطفه عنه غير مبالٍ أو مضيع وقته فى الرد عليه أو الاشتغال به. لقد نصح ابن القيم المسلمين بعدم الانشغال بالحسود وعَيْنه، عادًّا هذا جزءا من علاج العين والحسد. فها هو ذا حاتم الطائى، قبل أن يظهر ابن القيم بقرون، ينفذ هذه النصيحة على نحو تلقائى حكيم. وهذا ما نريده من الناس: ألا يصدقوا بهذا الاعتقاد أو ينشغلوا به وبمن يقال إن لديهم مقدرة على الإصابة بالعين، اللهم إلا ثبت على نحو علمى على ما سوف نبسطه بعد قليل أن العين تصيب فعلا وتؤذى. والمناسبة هناك شعر منسوب لعنترة بن شداد يرد فيه كلام عن الحسد، لكن هذا الشعر غير صحيح البتة كما بينت ذلك فى كتابى عن ذلك الشاعر، بخلاف شعره الحقيقى، الذى يخلو تماما من الإشارة إلى الحسد والحاسدين. أما كلمة "العين" بالمعنى الذى نحن فيه فلم أقع لها على شواهد شعربة جاهلية سوى قول علقمة الفحل عن حصانه:

بَغُـــــــــوجٍ لَبَانُــــاهُ يُتَمُّ بَرِيمُـــــهُ عَلى نَفْثِ راقٍ خَشْيَةَ العَيْنِ مُجْلِبِ

وبطبيعة الحال أنا لا أجهل أن هناك أحاديث منسوبة للنبى عليه الصلاة والسلام تقول مثلا: "العين حق. ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا اسْتُغْسِلْتُم فاغتسلوا". ولو ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك وحيا من السماء، وبالمعنى الذى يقصده من يؤمنون بالعين، لما كان لى إلا أن أصدق ما قاله سيدنا رسول الله. لكن لى عدة ملاحظات: هل قال النبى ذلك فعلا؟ الجواب هو أن كتب الحديث تقول إن هذا حديث صحيح. إذن فمن حيث الرواية: الحديث صحيح. لكن هل إذا كان الحديث صحيحا فى نظر أهل الحديث من ناحية الإسناد أفلا بد أن يكون صحيحا بالضرورة؟ هل الأحاديث مجرد رواية لا دخل لها بالتفكير المنطقى فى مضمونه ومعناه؟ ثم هل قاله صلى الله عليه وسلم على سبيل الوحى؟ أم هل كان ذلك مجرد اجتهاد منه كاجتهاده فى مسألة تأبير النخل، الذى اتضح أن ما أشار به فى هذا الخصوص كان فى غير موضعه ولم يكن هو الأسلوب السليم فى عملية التلقيح؟ لكن هل يترك الله الأمر فى هذه الحالة دون أن يتم تصحيح الخطإ على نحو أو على آخر كما حدث فى تأبير النخل؟ معنى هذا أن يكون النبى قد قال ذلك أولا حتى يمكن أن يصحَّح ما يكون قد وقع منه من سهو أو نسيان أو خطإ، فهل قاله فعلا؟ كذلك هل يمكن أن يسبق شىءٌ القَدَر؟ إن القدر هو مشيئة الله عز شأنه، فهل يمكن أن يخطر هذا المعنى على بال رسول الله صلى الله عليه وسلم وينطق به فى حديث يظل يردده المسلمون طوال الحياة؟ ترى هل هناك شىء يقع على الأرض أو فى السماء يمكن أن يكون بمشيئة غير مشيئته سبحانه، بله أن تسبق تلك المشيئة مشيئته تعالى، بله أن يكون هذا الشىء هو العين، التى يرى ابن القيم أنها قد تصيب، وقد تخيب، فضلا عن أنها ليست بالقضية الهامة على الإطلاق، بل هى لا فى العير ولا فى النفير، وبخاصة أن معظمنا لا يرى أثرا لها فى الواقع؟ أقول: "معظمنا" لمجاراة الطرف الآخر من باب الحكم الافتراضى سدا لباب اللجاج ليس إلا. فكيف يمكن أن نصدق أن الرسول عليه السلام يلجأ، فى الكلام عنها، إلى هذا التعبير المتجاوز؟ الواقع أننى فى أشد الحيرة.

ومن الأحاديث التى قررت ذلك الموضوع أيضا الحديثان التاليان: "انطلق عامرُ بنُ ربيعةَ وسهلُ بنُ حُنَيفٍ يريدان الغسلَ. قال: فانطلَقا يلتمِسانِ الخمرَ. قال: فوضع عامرٌ (كذا، والصواب سَهْلٌ) جُبَّةً كانت عليه من صوفٍ، فنظرتُ إليه فأصبتُه بعينيَّ، فنزل الماءَ يغتسلُ. قال: فسمعتُ له في الماءِ قرقعةً، فأتيتُه فناديتُه ثلاثًا، فلم يُجِبْني. فأتيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فأخبرْتُه فجاء يمشي فخاض الماءَ كأني أنظرُ إلى بياضِ ساقَيْه. قال: فضرب صدَره بيدِه، ثم قال: اللهمَّ أذهِبْ عنه حرَّها وبردَها ووصَبَها. قال: فقام. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: إذا رأى أحدُكم من أخيه ومن نفسِه ومن مالهِ ما يُعْجِبُه فلْيُبرِّكْهُ فإنَّ العينَ حقٌّ". ففى هذا الحديث نجد أن الحاسد هو عامر بن ربيعة طبقا لرواية ابنه عبد الله الراوى الأول للحديث، إلا أن راوى الحديث الأخير يقول إن الصواب هو سهل بن حنيف، أما عامر فهو المحسود. أما الحديث الثانى فمن رواية أبى أمامة بن سهل بن حنيف، والحاسد هو عامر بن ربيعة، والمحسود هو سهل بن حنيف: "اغتسلَ سهلُ بنُ حُنَيْفٍ بـ"الخَرَّارِ" فنزع جُبَّةً كانت عليه، وعامرُ بنُ ربيعةَ ينظرُ، وكان سهلُ رجلاً أبيضَ حسنَ الجلدِ، قال: فقال له عامرُ بنُ ربيعةَ: ما رأيتُ كاليومِ ولا جلدَ عذراءَ. قال: فوُعِكَ سهلٌ مكانَه، واشتدَّ وعَكُه، فأتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فأخبر أنَّ سهلاً وُعِكَ، وأنه غيرُ رائحٍ معك يا رسولَ اللهِ. فأتاه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فأخبر سهلٌ بالذي كان من أمرِ عامرٍ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: علامَ يقتلُ أحدُكم أخاهُ؟ ألا برَّكْتَ؟ إنَّ العينَ حقٌّ. تَوَضَّأ له. فتوضَّأ له عامرٌ، فراح سهلٌ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ليس به بأسٌ".

والآن أى الحديثين هو الصحيح؟ إن هناك روايتين متناقضتين للحدث تبعا للراوى الأول، فكل راو يذكر أن أباه هو المحسود، وأن الطرف الآخر هو الحاسد. وكلا الحديثين موجود فى "السلسلة الصحيحة" للألبانى. ثم هل كان المحسود، أيا كان، يحتاج إلى أن يخلع ملابسه حتى يرى الحاسد لون بشرته؟ أليست بشرة الواحد منا تظهر حتى وهو مرتدٍ ملابسه؟ أم كان الرجال فى ذلك الوقت يغطون كل بقعة من أجسادهم؟ كذلك متى كان رجال العرب، فضلا عن المسلمين، يتفاخرون بأن جلودهم تشبه جلود العذارى، كى يحسد بعضهم بعضا على هذا؟ ثم إن هناك رواية ثالثة للحديث لم يذهب فيها الحاسد إلى النبى يخبره بما وقع لزميله، بل اضطر الرسول لسؤال قوم المحسود عمن يتهمونه، فقالوا له: فلان. فعندئذ أحضر فلانا هذا، ونهاه عن أن يَعِينَ أخاه المسلم، آمرا إياه بدلا من ذلك بأن يباركه لدى الثناء عليه. وواضح أنها رواية لا تتسق مع الروايتين الأخريين أبدا.

وهذا نص الرواية، وصاحبها هو المحسود نفسه: سهل بن حنيف، إذ تقول إنه "خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالخرّار دخل ماء يغتسل، وكان رجلا وضاء، فمر به عامر بن ربيعة فقال: لم أر كاليوم حسن شيء ولا جلد مخبأة. فما لبث سهل أن لبط به، فدعا له نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقال: علام يقتل أحدكم أخاه؟من تتهمونه به؟ قالوا: عامر بن ربيعة. فدعا عامرا ودعا بإناء فيه ماء فأمر عامرا، فغسل وجهه في الماء وأطراف يديه وركبتيه وأطراف قدميه، ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم صيغي إزار عامر وداخِلَتَه فغمرها في الماء ثم أفرغ الإناء على رأس سهل وأكفأ الإناء من دبره، فأُطْلِقَ سهل لا بأس به".

وقد ورد ذكر "القرقعة" فى الحديث الأول، وهى صوت الحديد عند اصطدامه بالحديد وما أشبه ذلك من الأصوات على ما جاء فى "معجم اللغة العربية المعاصرة" للدكتور أحمد مختار عمر. وإنى لأتساءل: ما دخل القرقعة هنا بالعين والإصابة بها؟ ثم كيف يترك الرجل زميله فى هذا الوضع المفزع ويذهب لرسول الله كى يخبره بما حصل دون أن يحاول مساعدته مع أن كل الشواهد تدل على أنه فى خطر عظيم إذ لم يستطع الرد عليه حين ناداه ثلاث مرات لا مرة واحدة، وسمع الحاسد، بدلا من ذلك، صوت قرقعة، وكأن هناك حديدا يصدم حديدا؟ ثم ماذا كان يمكن أن يقع لو لم يكن هناك رسول الله؟ لقد كان الرجل فى كرب عظيم، وكانت حياته فى حرج كما يفهم من سياق الرواية. أإلى هذا الحد يكون خطر العيون، وتكون حياة الشخص الـمَعِين رهنا بالمصادفات التى لا تجرى على قانون؟ أنا لا أكذِّب كلاما ثبت أن رسول الله قاله فعلا، بل كل ما أبغيه هو محاولة إقامة مثل هذا الأمر على أسس علمية صلبة بدلا من الاعتقاد فى شىء لا ندرى مدى مبلغه من الصحة. ولا أظن الرسول عليه السلام يضيره أو يغضبه أن نحاول التحقق من أمر أخبرنا به. إننا نحبه صلى الله عليه وسلم حبا جما، ونحب أن نتأكد مما يُرْوَى عنه ومن صحته كى نصدق أنه قاله حقا. ذلك أن حبنا الحقيقى له صلى الله عليه وسلم يقتضينا أن نلجأ إلى العلم للتحقق من صحة أى شىء. أليس هو الذى نادى بفضل العلم والعلماء؟ أليس القرآن هو الذى يدعو الكفار إلى الإتيان بأثارة من علم إن كانوا صادقين؟

ترى هل يغضب الرسول أو يجد فى الأمر مِسَاسًا برسالته إذا ما أراد أحد الصحابة التحقق مثلا من أن عدم تأبير النخل لا يمنعه من الإثمار؟ بل لقد حدث هذا فعلا، وقام الصحابة بتجربة ما قاله الرسول فى هذا الشأن فترتب عليه أن النخيل لم يثمر ذلك العام، فراجعوه عليه السلام، فما كان منه سوى أن قال بكل بساطة وتواضع ونزول على مقتضى الحق والواقع: "أنتم أعلم بأمر دنياكم"، ولم يقل لهم فى غضب: كيف تراجعوننى فى أمر أخبرتكم فيه برأيى؟ ففى الحديث "أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مرَّ بقومٍ يُلقِّحون، فقال: لو لم تفعلوا لصلَح. قال: فخرج شِيصًا. فمرَّ بهم فقال: ما لنخلِكم؟ قالوا: قلتَ كذا وكذا. قال: أنتم أعلمُ بأمرِ دنياكم".

وفى حديث الذبابة حصل أن بعض علماء المسلمين فى العصر الحديث قد خطر له أن يجرى تجربة علمية على جناحى الذبابة ليرى هل فى أحد جناحيها داء، وفى الآخر دواء كما ورد فى حديث آخر للرسول عليه السلام، وقيل إن أولئك العلماء التجريبيين قد أَلْفَوْا ما قاله صحيحا. فهذان مثالان يبينان بأجلى بيان أن إخضاع ما قاله الرسول أو ما يُنْسَب إليه للتجربة العلمية لا يصادم الإسلام فى شىء، بل يجرى فى نفس اتجاهه. وانظر إليه صلى الله عليه وسلم وهو يصيح فى مسمع التاريخ فى عظمة وصدق ونبل وسموق: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وأقضي له على نحو مما أسمع. فمن قضيتُ له من حق أخيه شيئا فلا يأخذ، فإنما أقطع له قطعة من النار". وهذه هى العظمة المحمدية، فهو صلى الله عليه وسلم لا يزعم لنفسه أنه فوق كل خطإ، بل يعلن بصريح العبارة أنه بشر، وأن الخطأ وارد عليه. صحيح أنه عليه السلام لا يمكن بتاتا يقترف إثما أو يرتكس فى سلوك لا يليق أو يغفل تبليغ أى شىء من أمور الوحى أو يغيره، بيد أن هذا لا ينفى أن يقع فى أخطاء عقلية أو حسابية أو ينسى أو يسهو. وقد صلى ذات مرة الصلاة الرباعية ركعتين على سبيل السهو، ولما نبهه أصحابه تنبه ولم تأخذه العزة بالإثم، ونهض فأكمل بكل بساطةٍ الركعتين الباقيتين.

وكان الصحابة على وعى بهذا، إذ كانوا يميزون فيما يقوله الرسول أو يراه أو يصنعه بين وحى نزل عليه فلا بد من اتباعه وبين اجتهاده برأيه فعندئذ كانوا يراجعونه إذا ما وجدوه لا يحقق المطلوب. ففى غزوة بدر مثلا اختار الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينزل المسلمون موقعا عند أدنى ماء من بدر يتمترسون فيه وينتظرون لقاء الكفار، إلا أن بعض الصحابة كان لهم رأى آخر. لكنهم سألوه أولا: هل هذا الموضع الذى اختاره قد اختاره بوحى سماوى؟ أم هل كان مرجع الاختيار هو الاجتهاد الشخصى؟ ولما أجاب الرسول بأنه مجرد رأى منه أشار عليه الصحابى المذكور بضرورة اختيار موقع آخر يحقق الغرض، وعندئذ نزل الرسول على رأيه دون أية غضاضة. فقد ورد أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لأصحابهِ: أشيروا عليَّ في المنزلِ. فقال الـحُبَابُ بنُ الـمُنذِرِ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أرأيتَ هذا المنزِلَ: أمنزِلٌ أنزَلَكَه اللهُ ليس لنا أن نتقدَّمَه ولا نتأخَّرَه؟ أم هو الرَّأيُ والحَربُ والمكيدَةُ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بل هو الرَّأيُ والحَربُ والمكيدَةُ. قال: فإن هذا ليس بمنزِلٍ. انطلِقْ بنا إلى أدنى ماءِ القومِ فنُعسكِرَ فيه ثمَّ نَعُورُ ما وراءَه من الآبارِ ثُمَّ نَبني علَيهِ حوضًا فنملأه ماءً ثُمَّ نقاتلُ القومَ َفنشربُ ولا يشرَبونَ. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ: لقد أشَرتُ بالرَّأيِ. ثم أمرَ بإنفاذِهِ، فلم يَجئ نصفُ اللَّيلِ حتَّى تحوَّلوا كما رأى الحُبابُ، وامتَلكوا مواقعَ الماءِ.

أما ما قاله أبو عيسى الرمانى ردا على أبى على الجبائى (المعتزلى)، الذى كان ينكر تأثير العين بهذا المعنى وكان يؤكد أن "الإصابة بالعين لا تصح"، من أن ما ذكره الجبائى "غير صحيح لأنهُ غير ممتنع أن يكون الله تعالى أجرى العادة لصحة ذلك لضرب من المصلحة وعليه إجماع المفسرين وجوَّزه العقلاء فلا مانع منه" طبقا لما أورده الطبرسى فى تفسير الآية رقم 51 من سورة "القلم"، أما هذا الذى قاله الرمانى فلا يكفى لأنه لا يترتب بالضرورة على عدم امتناع شىء ما من الناحية النظرية عن الوقوع أن يكون فعلا صحيحا من الناحية الواقعية، وإلا لجاز أن يقع فى الدنيا أى شىء تقريبا، وبخاصة أن العلم فى تلك الأيام لم يكن قد اتسع ولا تعمق اتساعَه وتعمقَه الآن، فكانت الأشياء الجائزة نظريا من الكثرة بحيث لا تكاد تحصى. وعلى أية حال فإن التحقق علميا من صحة أمر ما لا يضايق الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يناقض الدين الذى أتى به فى شىء.

ومما أورده الطبرسى فى هذا الصدد أيضا قوله: "وقيل: إن الرجل منهم كان إذا أراد أن يصيب صاحبه بالعين تجوَّع ثلاثة أيام ثم كان يصفه فيصرعه بذلك، وذلك بأن يقول للذي يريد أن يصيبه بالعين: لا أرى كاليوم إبلاً أو شاءً أو ما أراد، أي كإبل أراها اليوم. فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم كما كانوا يقولون لما يريدون أن يصيبوه بالعين- عن الفراء والزجاج". وهذا الكلام يثير الشك فى الأمر، إذ من ذا الذى يصبر على تجويع نفسه بما يترتب عليه من مقاساة الجوع عدة أيام كى يصيب بعينه إنسانا آخر؟ ومن أين نشأت هذه القاعدة التى يقال إنهم كانوا يتبعونها عند الحسد بنظرة العين؟ وهل فى الآية ما يشير إلى شىء من ذلك؟ ولقد كان الرسول موجودا بين ظهرانى الكفار وتحت أبصارهم طول الوقت قبل البعثة، فلماذا لم يحسدوه إلا حين أتاهم بالدين الجديد، وليس فيه من أمور الدنيا ما يمكن أن يُحْسَد الإنسان عليه؟ لقد كان الرسول أهلا لأن يحسد حين تزوجت به خديجة بعدما رفضت كل من تقدم إليها من كبار القوم، وبخاصة أنها هى التى عرضت الأمر عليه لا أنه هو الذى تقدم إليها. لكنهم لم يفعلوا. أتراهم يفعلون الآن، وقد صار محط أذى الناس ومؤامراتهم وشتائمهم واتهاماتهم وسخريتهم وتشنيعهم؟

ولقد ساق الطبرسى تفسيرا آخر للآية ختم به الكلام فى الموضوع، وهو: "وقيل: معناه أنهم ينظرون إليك عند تلاوة القرآن والدعاء إلى التوحيد نظر عداوة وبغض وإنكار لما يسمعونه وتعجب منه فيكادون يصرعونك بحدّة نظرهم، ويزيلونك عن موضعك. وهذا مستعمل في الكلام. يقولون: نظر إليَّ فلان نظرًا يكاد يصرعني، ونظرًا يكاد يأكلني فيه. وتأويله كله أنه نظر إليَّ نظرًا لو أمكنه معه أن يأكلني أو يصرعني لفعل- عن الزجاج". وهذا هو التفسير الصحيح فى نظرى مع تسليمى بأن من الممكن أن يكون ما قلته فى المسألة خطأ فى خطإ فى حالة ما لو تبين من التجربة العلمية أن ما سقته من تفسير للأمر يناقض الواقع فعلا لا نظرا وجدالا.

ثم كيف يغيب عن بالنا أن الإيمان بتأثير العيون فى الأشياء والأحياء ليس من بنود الدين، بل هو من أمور الدنيا مثل التصديق مثلا بأن الأرض تدور حول الشمس، إذ هناك من يعتقدون أن العكس هو الصحيح، ومنهم علماء دين يشار إليهم بالبنان كالشيخ ابن باز مثلا، فهل يقدح هذا فى إيمانهم؟ كما كان كثير من علماء التفسير فى العصور الماضية يتصور أن مدة الحمل قد تصل إلى خمسة أعوام، وأن من الأطفال من نزل من بطن أمه بأسنان، إذ تقول رواية منسوبة للضحاك التابعى أنه وُلِد بعد أربع سنين وقد نبتت ثناياه، وفى رواية أخرى عنده أيضا أن هَرِم بن سنان قد نزل من بطن أمه بعد خمس سنين، ومن هنا أخذ اسم "هَرِم". ويجد القارئ هذا الكلام فى تفسير الزمخشرى المعتزلى المعتز بالعقل أيما اعتزاز (وفى تفسير غيره أيضا) للآية الثامنة من سورة "الرعد". وبالمثل كان كثير من مفسرينا القدامى يؤكد خطأً أن الحلىّ لا تستخرج إلا من البحار الملحة، ولا يمكن من ثم أن توجد فى الأنهار العذبة رغم أن هناك أنهارا كثيرة هنا وهناك تحتوى على الذهب والفضة والألماس والزيركون والياقوت واللؤلؤ. فهل يقدح هذا فى إيمانهم؟ أبدا، بل هو جهل ببعض حقائق الحياة. كما قرأت فى كتب المتصوفة أن بعضهم كان إذا توضأ يستحيل الماء الذى ينزل من أعضائه قضبانا من الذهب، وأن بعضهم يستطيع الطيران من سطح بيته إلى سطح الجامع الذى يصلى فيه، وأن بعضهم الآخر يستطيع أن يحط على سن الصارى ويبقى هناك طوال الليل. وهذا كله، وإن كان كذبا أبلق ودجلا وتلفيقا، لا يخرج صاحبه من الملة.

ولماذا نذهب بعيدا، وفى"صحيح مسلم" نقرأ الحديث التالى الذى رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو "أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: "لا عَدْوَى"، ويُحدَّثُ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال "لا يُورَدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ". قال أبو سلمةَ: كان أبو هريرةَ يُحدِّثُهما كلتَيهما عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ثم صمت أبو هريرةَ بعد ذلك عن قوله: "لا عَدْوَى"، وأقام على "أن لا يُورَدَ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ". قال: فقال الحارثُ بنُ أبي ذُبابٍ (وهو ابنُ عمِّ أبي هريرةَ): قد كنتُ أسمعُك يا أبا هريرةَ تُحدِّثُنا مع هذا الحديثِ حديثًا آخرَ قد سكتَّ عنه. كنت تقول: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "لا عَدوى"، فأبى أبو هريرةَ أن يعرف ذلك، وقال: "لا يُورَدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ". فما رَاه الحارثُ في ذلك حتى غضب أبو هريرةَ فرطنَ بالحبشيةِ، فقال للحارثِ: أتدري ماذا قلتُ؟ قال: لا. قال أبو هريرةَ: قلتُ: أبيتُ. قال أبو سلمةَ: ولعَمري لقد كان أبو هريرةَ يُحدِّثُنا أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: "لا عَدوى"، فلا أدرى أَنَسِيَ أبو هريرةَ أو نَسَخَ أحدُ القولَينَ الآخرَ". فأما أولا فلا يمكن أن يقع نسخ فى هذا الأمر لأنه ليس تشريعا، بل مسألة طبية، والمسائل الطبية إما حقيقة أو باطل، ولا تتحول من هذا إلى ذاك بنسخ. وثانيا: ها هم أولاء بعض الصحابة يختلفون فى العدوى، وهى كالعين، دون أن يشكك أحدهما فى دين الآخر. وثالثا: سواء قال أبو هريرة، نقلا عن النبى عليه السلام، إنه لا عدوى أو لم يقل، وسواء أنكر أنه قال ذلك أو لم ينكر، فهناك أحاديث عن النبى صلى الله عليه وسلم فعلا بأنه لا عدوى. فما العمل؟ ولقد أبى عمر بن الخطاب أن يدخل المينة التى كان فيها الطاعون بالشام لدن سفره فى خلافته إلى هناك، واستغرب الصحابة عليه ذلك متصورين بأنه يهرب من قدر الله، فكان جوابه الحصيف أنه يفر من قدر الله إلى قدره، فهل يكون الفاروقرضى الله عنه قد خالف كلام النبى عليه الصلاة والسلام بأنه لا عدوى؟ المعروف أن هناك أمراضا غير معدية، وأخرى معدية، وأن العدوى قد تتم عن طريق التنفس، أو عن طريق الدم، أو عن طريق اللمس، أو عن طريق الأكل والشرب... فلعل الرسول، حين قال إنه لا عدوى، كان يتحدث عن أحد الأمراض التى لا تعدى. والأمر أمر طب. صحيح أن الأطباء قد يخطئون بعض الوقت ثم يصلون مع الأيام إلى الصواب الذى لم يكونوا يعرفونه، إلا أن المسألة رغم ذلك تبقى مسألة علمية لا اعتقادية. ومن الممكن جدا أن يقول الرسول فى مثل تلك الحالة كلمة الفصل فى الأمر ويخطئ الأطباء، لكن هذا لا يحولها من مسألة علمية إلى مسألة اعتقادية. وأرجو أن يكون موقفى الآن قد اتضح.

الخلاصة أن أقصى ما يمكن أن يقال فيمن ينكرون دوران الأرض حول الشمس وأمثالهم من الناحية العلمية هو أنهم يخالفون حقائقَ مـُجْمَعًا عليها، لكن لا يصح اتهامهم أبدا فى دينهم. وعلى كل حال فإنه ليس من صميم مهمة الرسول عليه الصلاة والسلام إبلاغنا بأن العين تؤثر فى الجمادات والأحياء، بل جوهر مهمته هو هدايتنا من ضلال الشرك إلى استقامة الإيمان، ومن التخلف إلى التحضر، ومن الجهل إلى العلم، ومن الكسل والخمول إلى النشاط والجد، ومن ذل السؤال إلى عزة العمل والإنتاج، ومن الزنا إلى العفة والطهارة، ومن السُّكْر والخمر إلى الصحو واليقظة، ومن القذارة إلى النظافة، ومن القبح إلى الجمال، ومن فساد الذوق وانعدام اللياقة إلى رُقِىّ السلوك وسُمُوّ الشعور، ومن الالتواء والمخادعة فى التصرفات إلى الاستقامة والصدق فى معاملة الآخرين، ومن التعلق بقشور الدين إلى الحرص على جوهره، ومن النفاق والرياء إلى الصراحة والإخلاص، ومن الخيانة إلى الوفاء، ومن الغلظة إلى الرقة، ومن القسوة على اليتيم والمسكين والضعيف والمهمَّش إلى احترام إنسانيتهم وأخوتهم والعطف عليهم ورحمتهم، ومن التقليد القرودى إلى الإبداع والاختراع، ومن التنطع فى تتبع دقائق الشكليات الدينية التى لا تفيد بشىء إلى لوذعية الالتصاق بالجوهر النافع المجدى... إلخ. ومن غرائب هذا الباب ذلك الحديث المنسوب للنبى عليه الصلاة والسلام، ونصه: "أََكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أُمَّتِي بَعْدَ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ بِالأَنْفُسِ"، أى بالعين. ووجه الغرابة فى هذا الكلام هو أنه يخرج الموت بالعين من قضاء الله وقدره، وكأن شيئا يمكن أن يخرج عنهما، أو يقول بأن أكثر الموت فى أمة المسلمين راجع إلى العين، إذ إن وقائع التاريخ لا تساعد على هذا الاقتناع، ودعك من أنه يجعل منا أمة من الحسادين الذين يصيب بعضهم بعضا بنظرات العيون. ويكفى فى التدليل على ما نقول أن نشير إلى أن مرض سهل بن حنيف فى الماء بسبب نظر عامر بن ربيعة إليه وثنائه على بشرته البيضاء وهو يستحم عاريا هو الحالة الوحيدة فى هذا الموضوع فى عهده صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين على الأقل، إذ لم نسمع بحالة غيرها فى ذلك الوقت. والمضحك أن هناك حديثا فى شرح موطإ الإمام مالك المسمى بـ"المنتقى" يقول: "رَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ: "كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَافَ أَنْ يُصِيبَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ، وَلا تَضُرَّهُ"، وهو ما لا معنى له إلا أن عينه عليه الصلاة والسلام كانت هى أيضا مؤذية لولا أنه كان يستعين على أذاها بتبريك الشىء أو الشخص الذى ينظر إليه. الله أكبر! لم يبق إلا أن يقال هذا عن النبى صلى الله عليه وسلم. ألا إن هذا لهو الهوس بعينه!

ليس ذلك فقط، بل يمضى الهوس بذلك الموضوع حتى لنقرأ فى ذات الكتاب للقرطبى كلاما عجيبا، إذ من رأيه أنه "َلَوْ أَتْلَفَ الْعَائِنُ شَيْئًا ضَمِنَهُ، وَلَوْ قَتَلَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ إِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ عَادَةً. وَهُوَ فِي ذَلِكَ كَالسَّاحِرِ الْقَاتِلِ بِسِحْرِهِ عِنْدَ مَنْ لا يَقْتُلُهُ كُفْرًا، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَيُقْتَلُ، قَتَلَ بِسِحْرِهِ أَمْ لا لِأَنَّهُ كَالزِّنْدِيقِ". ومعنى هذا أن القرطبى لا مانع عنده أن يقتل العائن كم قتيلا للتجربة، ولكن حين نتأكد من خلال التجارب أنه يَعِين فعلا فعندئذ لا بد من قتله إذا مات الـمَعِين (الـمَعْيُون). والواقع أننا لو أخذنا بهذا الحكم العجيب الذى سوف يجعلنا مهزلة الأمم لسوف يقوم الجهلة، وما أكثرهم وأشد حماقتهم واختلال عقولهم، باتهام بعضهم بعضا بالقتل عن طريق العين، وسوف ينتهى الأمر بتفانى المسلمين. وشكرا للإمام القرطبى على غيرته "القاتلة" على الدين، فهكذا ينبغى أن تكون الغيرة، وإلا فلا. وعلى خلافه ابن عبد البر والإمام النووى، إذ يقول الأول نقلا عن صاحب "المنتقى": "إِنَّ مِنَ الطَّبْعِ الْبَشَرِيِّ الإِعْجَابَ بِالشَّيْءِ الْحَسَنِ، وَالْحَسَدَ عَلَيْهِ، وَهَذَا لا يَمْلِكُهُ الْمَرْءُ مِنْ نَفْسِهِ. فَلِذَا لَمْ يُعَاتَبْ عَامِرٌ عَلَيْهِ، بَلْ عَلَى تَرْكِ التَّبْرِيكِ الَّذِي فِي وُسْعِهِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ قَدْ تَقْتُلُ، وَتَوْبِيخُ مَنْ كَانَ مِنْهُ أَوْ بِسَبَبِهِ سُوءٌ، وَإِنْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ تَحْتَ الْقَدَرِ السَّابِقِ بِذَلِكَ كَالْقَاتِلِ يَقْتُلُ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ يَمُوتُ بِأَجْلِهِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ إِنَّمَا تَعْدُو إِذَا لَمْ يَبِرِّكْ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَعْجَبَهُ شَيْءٌ أَنْ يُبَارِكَ". وهذا كلام معقول رغم أنى لا أطمئن إلى أن العين قد تؤذى.

وفى "المنتقى" كذلك نقرأ للنووى أنّه "لا يُقْتَلُ الْعَائِنُ، وَلا دِيَةَ وَلا كَفَّارَةَ ِأَنَّ الْحُكْمَ إِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مُنْضَبَطٍ عَامٍّ دُونَ مَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ النَّاسِ وَبَعْضِ الأَحْوَالِ مِمَّا لا انْضِبَاطَ لَهُ. كَيْفَ، وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ فِعْلٌ أَصْلاً، وَإِنَّمَا غَايَتُهُ حَسَدٌ وَتَمَنٍّ لِزَوَالِ النِّعْمَةِ؟ وَأَيْضًا فَالَّذِي يَنْشَأُ عَنِ الإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ حُصُولُ مَكْرُوهٍ لِذَلِكَ الشَّخْصِ، وَلا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الْمَكْرُوهُ فِي إِزَالَةِ الْحَيَاةِ، فَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَكْرُوهٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَثَرِ الْعَيْنِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَلا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ إِلا الْحُكْمُ بِقَتْلِ السَّاحِرِ، فَإِنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَسِرٌ". وفى "المنتقى" أيضا أنه قد "َنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلإِمَامِ مَنْعُ الْعَائِنِ إِذَا عُرِفَ بِذَلِكَ مِنْ مُدَاخَلَةِ النَّاسِ، وَيَأْمُرُهُ بِلُزُومِ بَيْتِهِ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا رَزَقَهُ مَا يَكْفِيهِ وَيَكُفُّ أَذَاهُ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّ ضَرَرَهُ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ آكِلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ الَّذِي مَنَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ لِئَلا يُؤْذِيَ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ ضَرَرِ الْمَجْذُومِ الَّذِي مَنَعَهُ عُمَرُ وَالْعُلَمَاءُ بَعْدَهُ الاخْتِلاطَ بِالنَّاسِ، وَمِنْ ضَرَرِ الْمُؤْذِيَاتِ مِنَ الْمَوَاشِي الَّذِي يُؤْمَرُ بِإِبْعَادِهَا إِلَى حَيْثُ لا يَتَأَذَّى بِهَا أَحَدٌ".

واضح أن أمر الحسد، كما تفهمه الغالبية الساحقة منا، هو مجرد كلام فى كلام: فالحاسد يقول كلاما فتقع مصيبة من جراء هذه الكلام، والمحسود يقول كلاما يتقى به شر المصيبة فتنقشع المصيبة بعد وقوعها. ولكن لم يسأل القوم أنفسهم: إذا كان المريض الذى وعكه الكلام يمكن ببعض الكلام أن يعود سليما كما كان، فكيف بالله يمكن أن تعود مثلا النجفة التى انفجرت واحترقت صحيحة مرة أخرى؟ واضح أن هناك طبقية وتفرقة حتى فى هذا المجال: فأشياء تعود صحيحة كما كانت، وأشياء لا يمكن أن تعود. كذلك فات من يعتقدون هذه الاعتقادات أن ثمة لونا آخر من الحسد يحبه الدين، ومع هذا نراهم يَعْمَوْنَ تماما عنه ولا يتطرق أحد منهم إليه، ألا وهو الحسد فى الخير. وذلك حين ترى إنسانا متفوقا فى مجال من مجالات الخير فتحاول أن تقلده: من ذلك رجلٌ كريم يخرج من ماله فى سبيل الله مساعدة لفقير أو مسكين أو مريض، أو طالبٌ ينفق وقته فى طلب العلم والقراءة والتردد على المكتبات والندوات والمحاضرات، أو مؤلفٌ يسهر ليله فى مراجعة الكتب والبحوث والكتابة والتأليف، أو عالِمٌ يعكف على تجاربه فى المعمل كى يحقق فرضا افترضه أو نظرية بدت له، أو شرطىٌّ يجتهد فى حفظ الأمن وحراسة الممتلكات الخاصة والعامة لا يألو فى ذلك جهدا، أو صاحبُ مطعمٍ يعمل بكل قواه على نظافة دكانه وجودة الطعام الذى يقدمه لقصاده، أو كناسٌ يحرص على تنظيف الشارع الذى كُلِّفَ بتنظيفه فى إخلاص وعزيمة.

بالله عليكم هل سمعتم بأحد يتحدث فى هذا اللون من الحسد ويشير إليه وينبه الناس من حوله عليه؟ أبدا. لماذا؟ لأن هذا حسد إيجابى يقوم على العمل لا الكلام، ويحتاج إلى بذل الجهد، ويدل على أن أصحابه قوم متحضرون، ونحن ضد العمل والحضارة والتقدم، ولا نفكر إلا فيما يعوق الحياة ويفسدها، أما ما يفتح طرقها نحو العلا والرقىّ فبيننا وبينه خصومة وعداء، ونتصور أن أمر الدنيا وجوهرها كلام فى كلام. يقول رسولنا الكريم: "لا حَسَدَ إلا في اثنتينِ: رجلٌ آتاهُ اللهُ القرآنَ فهو يتلوهُ آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ فيقولُ رجلٌ: لو آتانِي اللهُ مثلَ ما آتَى فلانا فعلْتُ فيهِ مثْلَ ما فعلَ، ورجلٌ آتاهُ اللهُ مالا فهو يُنفقهُ في حَقّهِ فيقولُ رجلٌ: لو آتانِي الله مثلَ ما آتى فلانا فعلتَ فيهِ مثلَ ما فعلَ". هذا ما ينبغى أن يكون فيه الحسد، فلنبتدر فى هذا الميدان الخيرات إذا كنا حقا نؤمن بأن الحسد مذكور فى الإسلام.

وبالنسبة لى شخصيا أرانى لا أهتم بموضوع العين ولا أضعه فى ذهنى. وسر ذلك، بالإضافة إلى الأدلة التى بسطتها هنا، أننى لم أشاهد فى حياتى أية حادثة تقول إن للعين تأثيرا فى الحياة. كما أن حياتى تسير فى عكس هذا الاتجاه تماما. ذلك أننى كنت طوال عمرى تقريبا متفوقا فى الدراسة، أقصد من الناحية الرسمية، مهما كنت فى واقع أمرى ضئيل الذكاء متخلفا عن غيرى فى الفهم والعلم أشواطًا طِوَالاً، ومع هذا لم يحدث أن أصابنى أى أذى من كلام الناس عنى وعن تفوقى: أقصد التفوق الرسمى لا الحقيقى كما قلت. كما كنت لاعبا بارعا فى كرة القدم على مستوى القرية والمركز، ورغم هذا ظللت ألعب طول حياتى دون أن أصاب فى قدمى أو ساقى أو ركبتى إصابة تمنعنى من الاستمرار فى ممارسة تلك الهواية.

أما ما لاحظه أحد زملائى حين اعترانى اختناق أمامه ذات مرة منذ سبعة عشر عاما، وكت حديث عهد بالعودة من السعودية من إعارة بالطائف، من أن مرجع ما أنا فيه من معاناة هو حسد الناس لى على الإعارة وفلوس الإعارة، فهو خارج المنطق تماما. وإلى القارئ الأسباب: فأولا كان مرتبى قليلا بالقياس إلى كل زملائى بما فيهم مَنْ يعدون بمثابة تلاميذ لى، ولا داعى للدخول فى التفاصيل. ثانيا لقد كانت هذه الحالة المرضية امتدادا لما أصابنى قبل ذهابى إلى السعودية وحصولى على "ملايين" السعودية، واستمر معى فترة هناك حتى إن الطبيب الهندى (هندى: خذوا بالكم!) الذى كان يعالجنى فى الطائف وصف لى دواء الربو، وأخبرنى أننى سأظل أعانى تلك الحالة طوال حياتى، وهو ما لم أقتنع به، فقمت بإيقاف الأدوية بعد حين بناء على تفكير عميق فى الأمر ومراجعة لتفاصيل حالتى منذ أصابتنى وتطوراتها وفعل الأدوية معى، واتضح أنه ليس عندى ربو ولا يحزنون. لقد جاء الاختناق وذهب كما جاء دون أن أزعج نفسى بالبحث عمن عاننى وأطلب منه أن يستحم لأغتسل أنا بدورى بماء استحمامه. لقد عولجت وانتهى الأمر، وإن لم يمنع هذا من أن أشرق أحيانا بقطرة ماء أو أغص بلقمة، وهو ما يحدث لأى إنسان آخر سواء ذهب إلى السعودية أو لم يذهب، وحصل على الملايين أو على الملاليم. لكن من يسمع؟ ومن يقرأ؟ ثم، وهذا هو المهم، من يفتح عقله ويقتنع بما أقول؟

وقد قابلت هذا الزميل اليوم بعد أن كتبت الكلام السابق بعدة أسابيع، فسألته عن آخر أخبار سفره فى مهمة أستاذ زائر إلى إحدى دول الخليج، فقال: ليس أستاذا زائرا بل إعارة. قلت متمنيا له التوفيق: على بركة الله، وربنا يتمم على خير. فعقب بقوله: خذ بالك. لا تفتح هذا الموضوع أمام زوجتى. فقلت له: لماذا؟ هل ستسافر من وراء زوجتك وأولادك؟ قال: لا بل بعلمهم، إلا أنها ترى أنه لا ينبغى أن يعرف بهذا الأمر أحد. قلت: خوفا من العين والحسد؟ فتردد قليلا كأنه يريد أن يقول: لا، ثم سرعان ما عاد يقول: نعم. فقلت له: لستُ معها فى هذا، اللهم إلا أن يكون حذرها خوفا من أن ينطّ فى المسألة حقود أو حاسد فيفركشها من يدك بالاتصال بالجامعة التى تنوى أن تدعوك فيفسد عليك أمرك عند المسؤولين فيها. أما حكاية العين وما إليها فلست أومن بها. فسكت الرجل. وكنت أزوره فى المستشفى لأطمئن عليه بعدما اتصل بى البارحة يخبرنى أنه محجوز فيها، فدعوت الله له بسرعة الشفاء، وخرجت منصرفا بعد أن أنفقنا وقتا لذيذا ضاحكا تعدى الساعة والنصف غسلنا به بعض هموم الحياة المتخلفة فى بلادنا المحروسة.

وصحبة صديقى وزميلى هذا من ألذ الصُّحَب، فهو طيب وابن نكتة ومتدين على طريقته، وكان غَزِلا فى شبابه، ولا يزال فى أعماقه ذلك الغَزِِل الذى كانه أيام الشباب، والذى كان يشد الفتيات إلى التعلق به والالتفاف حوله، بينما العبد لله ضاربٌ لخمة: يتطلع بقلبه، لكن دينه يمنعه ويحجزه، فلا طال بلح الشام ولا عنب اليمن. أما زميلى العزيز فكان يخاف الله وتحبه الفتيات. كيف؟ هذا ما لا أدريه. بالله عليكم، أليست خيبة؟ وأنا دائما ما أقول لنفسى: خيبة الناس السبت والأحد، وأنت يا خِلُّ خيبتك لم تقع لأحد! ثم أضحك على طريقتى فى تحويل كل شىء أو حدث إلى مادة للضحك.

وأخيرا أذكر أننى، فى اللقاء الذى أجريته قبل سفرى إلى السعودية قابلت أستاذا مثلى ذاهبا إلى نفس الجامعة لم أكن أعرفه من قبل، بمرتب أفضل كثيرا من مرتبى، لكن فى مكة وليس فى الطائف مثلى، فقلت خلال حديثى معه إننى ذاهب إلى السعودية لأكسب بعض المال أستعين به على مطالب الحياة. فما كان منه إلا أن رد علىَّ فى الحال منتفضا كمن لدغته عقرب قائلا: أما أنا فذاهب لأجاور فى الحرم. ترى بم ينبغى أن أعلق على مثل هذا الهجص؟ قل له أنت يا حسين! أغلب الظن أنه ممن يخافون العين. ومع هذا فقد علل صديقى الأستاذ الجامعى سبب اختناقى منذ سبعة عشر عاما بالعين التى أصابتنى نتيجة لما كيَّلْتُه من المال تكييلا فى السعودية. والواقع أننى أستحق ما جرى لى، إذ كان ينبغى ألا أصرح بالسبب الحقيقى لسفرى للعمل فى السعودية، وأقول بدلا من ذلك إننى ذاهب لتقوية إيمانى أيضا بالمجاورة فى مسجد رسول الله. وقد اخترت المسجد النبوى احتراما للاختصاص، إذ ما دام زميلى قد اختار البيت الحرام فمن الواجب أن أضع حصاة ملح فى عينى وأترك له الجمل بما حمل، وأبحث لى عن جامع آخر اقتداء بالشحاتين، الذين لا يفكر أحدهم أبدا فى الوقوف بالموضع الذى يقف فيه شحات آخر لينافسه، بل عليه أن يفتش له عن موضع للشحاتة آخر. ومن الأمور المضحكة أن الأستاذة الدكتورة التى أتردد عليها للعلاج فى مستشفى عين شمس التخصصى فى السنوات الأخيرة كلما سألتنى عن حالى كان جوابى واحدا لا يتغير: مثل الجن! فتفزع فى كل مرة قائلة: باسم الله! ما شاء الله! أمسك الخشب! لكنى لا أمسك الخشب أبدا، وإن كنت حريصا على أن أشكر الله دائما على نعمه كلها صغيرة أو كبيرة.

وقد تناول ابن القيم موضوع العين فى بعض كتبه، فقال إنها "سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والـمَعِين، تصيبه تارة، وتخطئه تارة: فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه أثرت فيه ولا بد، وإن صادفته حذرا شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه". كما أكد حَقِّيَّتها استنادا إلى آية سورة "القلم" وآيات سورة "الفلق" وبعض أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم، وحمل على من يحاولون إعمال عقولهم فيها متهما إياهم فى دينهم ومؤكدا أنه لا ينكرها إلا من قل نصيبهم من العقل والسمع واتبعوا أهواءهم وما يمليه عليهم الشيطان. وأحب ألا يفوتنى النص على أن الزمخشرى، وهو مَنْ هو بين المعتزلة، ومعروف مَنْ هم المعتزلة، كان يؤمن بالعين. أقول هذا إبراء للذمة لأن كثيرا من القراء قد ينصرف تفكيرهم، بعد قراءة كلام ابن القيم، إلى المعتزلة ظنا منهم أنه إنما يشير إليهم باعتبارهم يميلون إلى تأويل النصوص التى تتحدث فى مثل تلك الموضوعات. ويقول القرطبى إن الاعتقاد فى العين هو "قَوْلُ عَامَّةِ الأُمَّةِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَنْكَرَهُ قَوْمٌ مُبْتَدِعَةٌ، وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِمَا يُشَاهَدُ مِنْهُ فِي الْوُجُودِ، فَكَمْ مِنْ رَجُلٍ أَدْخَلَتْهُ الْعَيْنُ الْقَبْرَ، وَكَمْ مِنْ جَمَلٍ أَدْخَلَتْهُ الْقِدْرَ لَكِنْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَلا يُلْتَفَتُ إِلَى مُعْرِضٍ عَنِ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ يَتَمَسَّكُ بِاسْتِبْعَادٍ لا أَصْلَ لَهُ، فَإِنَّا نُشَاهِدُ مِنْ خَوَاصِّ الأَحْجَارِ وَتَأْثِيرِ السِّحْرِ مَا يَقْضِي مِنْهُ الْعَجَب، وَيُحَقِّقُ أَنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ بِسَبَبِ كُلِّ سَبَب". ولا أدرى هذا الغرام بإلحاق مثل هذا الأمر بدائرة الاعتقاد والتشريع، وكانه بند من بنود الدين رغم أنه فى أحسن أحواله لا يزيد عن أن يكون أمرا من أمور الدنيا التى يدور حولها اختلاف بين الناس: مسلمين وغير مسلمين.ولا يزيد إنكار تأثير العين عن إنكار تأثير الأحجار الذى يتحدث عنه القرطبى. فهل يصح أن نتهم مثل ذلك المنكر فى عقيدته ونطعنه فى دينه؟ الواقع أن الأمر أهون من ذلك كثيرا.وأنا، فى كل ما أقوله عن الحسد، أعمل دائما على نقله من دائرة الغيبيات إلى دائرة الطبيعيات، ومن مجال الإيمان إلى مجال الواقع والتجربة العلمية. ولو لم يكن لى فى هذه القضية سوى هذه الإضافة لرجوت أن يثيبنى الله عليها.

والآن أسوق، فيما يلى مع التصرف الكبير، ما كتبه ابن القيم فى طرق علاج العين مما أمكن بعض الباحثين تلخيصه: أولا الرقية الشرعية. والمقصود العلاج النبوي لهذه العلة، وهو أنواع. وقد روى أبو داود في سننه عن سهل بن حنيف قال: "مررنا بسيل، فدخلت فاغتسلت فيه، فخرجت محموما، فنمي ذلك إلى رسول الله، فقال: مروا أبا ثابت يتعوذ. قال: فقلت: يا سيدي، والرقى صالحة. فقال: لا رقية إلا في نفس أو حمة أو لدغة". والنفس العين. فمن التعوذات والرُّقَى الإكثار من قراءة المعوذتين وفاتحة الكتاب وآية الكرسي. ومنها التعوذات النبوية، نحو "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق"، ونحو "أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة". ومن جرب هذه الدعوات والعُوَذ عرف مقدار منفعتها وشدة الحاجة إليها. وهي تمنع وصول أثر العائن وتدفعه بعد وصوله بحسب قوة إيمان قائلها وقوة نفسه واستعداده وقوة توكله وثبات قلبه، فإنها سلاح، والسلاح بضاربه".

ثانيا الإكثار من قراءة سورة "الفلق". فهذه السورة من أكبر أدوية المحسود، فإنها تتضمن التوكل على الله والالتجاء إليه والاستعاذة به من شر حاسد النعمة، فهو مستعيذ بولي النعم وموليها كأنه يقول: يا من أولاني نعمته وأسداها إلي، أنا عائذ بك من شر من يريد أن يستلبها مني ويزيلها عني. وهو حسب من توكل عليه وكافي من لجأ إليه، وهو الذي يؤمن خوف الخائف ويجبر المستجير، وهو نعم المولى ونعم النصير. فمن تولاه واستنصر به وتوكل عليه وانقطع بكليته إليه تولاه وحفظه وحرسه وصانه ومن خافه واتقاه أمنه مما يخاف ويحذر وجلب إليه كل ما يحتاج إليه من المنافع. "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه". ثالثا الأمر بالاغتسال كما ثبت في السنة النبوية المطهرة. فيؤمَر العائن بغسل مغابنه وأطرافه وداخل إزاره. وفيه قولان: أحدهما أنه فرجه، والثاني أنه طرف إزاره الداخل الذي يلي جسده من الجانب الأيمن. ثم يصب على رأس الـمَعِين من خلفه بغتة. وهذا مما لا يناله علاج الأطباء ولا ينتفع به من أنكره أو سخر منه أو شك فيه أو فعله مجربا لا يعتقد أن ذلك ينفعه. رابعا رقية جبريل عليه السلام للنبي التي رواها مسلم في صحيحه: "باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس او عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك". خامسا الشرب والاغتسال من الماء المقروء عليه آيات من القرآن أو الماء الذي وضع فيه آيات مكتوبة. أما وسائل الوقاية من العين فهي أولا المحافظة على قراءة المعوذتين والتعويذات الشرعية. وثانيا التسلح بسلاح الذكر. وثالثا الدعاء بالبركة لمن خاف أن يصيبه بالعين. ورابعا قول "ما شاء الله لا قوة إلا بالله". خامسا ستر محاسن من يخاف عليه من العين.

ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب: أحدها التعوذ بالله تعالى من شره واللجوء والتحصن به واللجوء إليه. السبب الثاني تقوى الله وحفظه عند أمره ونهيه. فمن اتقى الله تولى الله حفظه ولم يكله إلى غيره قال تعالى: "وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا". وقال النبي لعبد الله بن عباس: "احفظ الله يحفظك. احفظ الله تجده تجاهك". السبب الثالث الصبر على عدوه وأن لا يقاتله ولا يشكوه ولا يحدث نفسه بأذاه أصلا. فما نُصِر محسود على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه والتوكل على الله. ولا يستطل تأخيره وبغيه، فإنه كلما بغى عليه كان بغيه جندا وقوة للمبغي عليه المحسود يقاتل به الباغي نفسه وهو لا يشعر. فبغيه سهام يرميها من نفسه. ولو رأي المبغي عليه ذلك لسره بغيه عليه. ولكن لضعف بصيرته لا يرى إلا صورة البغي دون آخره ومآله. السبب الرابع التوكل على الله. من يتوكل على الله فهو حسبه، والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم. وهو من أقوى الأسباب في ذلك، فإن الله حسبه أي كافيه. ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش. وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدا. السبب الخامس فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له فلا يلتفت إليه ولا يخافه ولا يملأ قلبه بالفكر فيه. وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره، فإن هذا بمنزلة من يطلبه عدوه ليمسكه ويؤذيه. فإذا لم يتعرض له ولا تماسك هو وإياه بل انعزل عنه لم يقدر عليه. فإذا تماسكا وتعلق كل منهما بصاحبه حصل الشر.

السبب السادس الإقبال على الله والإخلاص له وجعل محبته وترضيه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه وأمانيها تدب فيها دبيب الخواطر شيئا فشيئا حتى يقهرها ويغمرها ويذهبها بالكلية فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محابّ الرب والتقرب إليه وتملقه وترضيه واستعطافه وذكره كما يذكر المحب التامُّ المحبَّةِ لمحبوبه المحسن إليه الذي قد امتلأت جوانحه من حبه فلا يجعل بيت إنكاره وقلبه معمورا بالفكر في حاسده والباغي عليه والطريق إلى الانتقام منه والتدبير عليه. السبب السابع تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه. السبب الثامن الصدقة والإحسان ما أمكنه فإن لذلك تأثيرا عجيبا في دفع البلاء ودفع العين وشر الحاسد. السبب التاسع، وهو من أصعب الأسباب على النفس وأشقها عليها ولا يوفق له إلا من عظم حظه من الله وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه. فكلما ازداد أذى وشرا وبغيا وحسدا ازددت إليه إحسانا وله نصيحة وعليه شفقة. السبب العاشر، وهو الجامع لذلك كله وعليه مدار هذه الأسباب، هو تجريد التوحيد والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم والعلم بأن هذه آلات بمنزلة حركات الرياح، وهي بيد محركها وفاطرها وبارئها، ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه.

هذا ما قاله ابن القيم، وإنى لأتساءل: وهل يمكن أن يبقى، بعد هذا كله، للإنسان أى عقل يمكنه به مواجهة الحياة وتدبير أموره والسعى وراء رزقه وتحصيل العلم وأداء واجباته الإنسانية والوطنية والأسرية والشخصية؟ والطريف أن ابن القيم يطلب ستر محاسن من يخاف عليه من العين. ألا يرى، رحمه الله، أن هذا يتعارض مع قوله تعالى: "وأما بنعمة ربك فحدِّثْ" ومع قول الرسول الكريم: "إنَّ اللهَ إذا أنعم على عبدٍ نعمةً يحبُّ أن يرى أثَرَ نعمتِه على عبدِه" ومع ما قاله عمران بن حصين الصحابى الجليل فى الحديث التالى، إذ روى بعض الصحابة قائلا: "خرج علينا عمرانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وعليهِ مُطرَفٌ منْ خزٍّ، وقال: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال: منْ أنعمَ اللهُ عليهِ نعمةً فإنَّ اللهَ يحبُّ أن يرى أثرَ نعمتِهِ على عبدِه"؟ ترى كيف نوفق بين هذا وذاك؟ أيمكن أن يأمرنا الله أو رسوله بشىء يعرضنا للضرر والأذى؟ أعوذ بالله ممن يقول بهذا.

كذلك ينصح ابن القيم صاحب النعمة بألا يفكر فى أمر حاسده ولا ينشغل به أبدا. ترى هل بعد كل ما قاله ابن القيم فى ذلك الموضوع يمكن أن يُخْلِىَ المحسودُ عقلَه وقلبَه من التفكير فى حاسده وأذاه؟ وأيا ما يكن الأمر فلا شك أن خلو عقل واحد مثلى وقلبه من الانشغال بذلك الأمر هو أكبر تحقيق لما ينادى به ابن القيم. أليس يطلب منا ألاننشغل بالحاسد؟ فأنا قد أخرجت الحاسد والحسد بالمعنى الذى يتحدث عنه من ذهنى تماما، ولم يعد له أى تأثير علىَّ، بل أتصرف وأتحرك فى حياتى كأنه غير موجود بالمرة، فأرحت واسترحت. أما حث ابن القيم لنا على إخراج الصدقات فإنى، رغم اختلافى معه فى موضوع الحسد والحاسدين جذريا بمعنى أن نظرة العائن تضر المعيون بالطريقة التى شرحها، أحبذ هذا الحث فى حد ذاته أعظم التحبيذ دون أن أربطه بما نحن فيه، إذ الحياة مفعمة بالتعساء والمسحوقين والمظلومين المهضومى الحقوق. فهذه فرصة ينبغى اهتبالها لمد يد المساعدة لأولئك الأشقياء المضطهدين لعل الله أن يكفر عنا سيئاتنا ويتقبلنا فى رضوانه.

كذلك يلاحظ أن ابن القيم يحيل فى تأثير حسد الحاسد إلى مدى ما فى قلب المحسود من إيمان. وهذا أمر لا ينضبط، إذ كيف نقيس مقدار ما فى قلب الشخص من إيمان؟ كما أن عدم تعرض واحد مثلى للحسد من أى شخص يمكن، بهذه الطريقة، أن يفسَّر بأنه دليل على قوة إيمانى بالنسبة للصحابة الذين كان الحسد يؤثر فيهم. فهل هذا ما يريد ابن القيم الانتهاء إليه أو على الأقل: يوافق عليه؟ ثم من يا ترى سوف يرضى أن يقال عنه إنه حساد حقود، ثم يزيد فيرضى أن يغتسل ويعطى ما اغتسل به من ماء لمن يقول عنه إنه قد حسده وآذاه؟ ودعك من أن هذا الباب لو انفتح فلن ينغلق أبدا، وسوف يجر فى أعقابه فتنا وخصومات لا تنتهى، إذ نحن مجتمع مهووس بفكرة العين والحسد، وسوف يتهم كل منا الآخر بأنه السبب وراء ما ابْتُلِىَ به من مرض أو فشل أو مصيبة فى بيته أو سيارته أو زوجته أو أبنائه، علاوة على أن هذا سوف يأخذنا بعيدا عن المصيبة التى ينبغى مواجتها، وبدلا من الذهاب إلى الطبيب مثلا لمعالجة مرضانا سوف نضيع وقتنا فى اتهام الآخرين بأنهم حسدونا فتسببوا فى مرضنا وبأن المهمة الملحة التى تنتظرنا هى الحصول على ماء استحمامهم للتداوى به. ومن يرضى يا ترى أن يقال عنه إنه هو سبب ما نزل بالآخرين من بلاء بما يعنى أن قلبه أسود مفعم بالحقد يكره أن يتمتع أحد من عباد الله بنعمة دون أن يتمنى زوالها عنه؟ قد يقول البعض إن إيمان الحاسد ينبغى أن يدفعه إلى الموافقة على الاغتسال وإعطاء ماء الغسل لمن يطلبه منه. لكن أَوَلَوْ كان عنده إيمان أكان يترك نفسه يحسد الآخرين أصلا؟ يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "الحسَدُ يُفْسِدُ الإيمانَ كما يفسدُ الصَّبْرُ العسلَ"، "لا يجتمِعُ في جوفِ عبدٍ الإيمانُ والحسَدُ"، "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب"، "لا حسدَ إلا على اثنتينِ: رجلٌ آتاه اللهُ الكتابَ وقام به آناءَ الليلِ، ورجلٌ أعطاه اللهُ مالاً فهو يتصدَّقُ به آناءَ الليلِ والنهارِ". وبالمثل نرى ابن القيم يؤكد أن الحاسد يمكن أن يحسد نفسه. كيف؟ هذا ما لا أتصور أنه يكون، إذ الحاسد إنما يكره أن يتفوق عليه الآخرون بنعمة لا يتمتع هو بها، فكيف يحسد بالله نفسه، وحسده نفسه إنما يجرى عكس اتجاه نزعة الحسد عنده؟ إن هذا أشبه بمن يربط نفسه بالسلاسل ثم يصيح بالناس أن يهبوا لفكها عنه وتحريره منها. أم هو كلام لمجرد الكلام، والسلام؟ لو كان هذا الكلام صحيحا لوجب على الحاسد ألا يستبقى فى بيته أية مرآة حتى لا يقع بصره على نفسه ولو على سبيل الخطإ فيصوب عينه الهيدروجينية إلى جسمه أو صحته أو وسامته فيضيع فى شربة ماء. كما أقترح ألا يبيع الزَّجَّاج مرايا لأحد إلا إذا أحضر له روشتة من طبيبَىْ عيون يزيد مرتب كل منهما عن عشرة آلاف جنيه فى الأسبوع ويتردد على عيادته فى اليوم ما لا يقلّ عن خمسين مريضا يشهدان فيها أنه لا يمكن أن يحسد نفسه، وأن تخصصه فى الشر هو حسد الآخرين، أو أنه خائب نائب لا يحسد أصلا ولا حتى قطة!

ثم لماذا لا نحاول استثمار وجود الحاسدين فى مجتمعاتنا استثمارا قوميا بدلا من محاولة القضاء على الحسد وتضييع الوقت والجهد فى ذلك؟ إن إسرائيل مثلا تتمتع بما لا نتمتع نحن بعُشْرِه من نظافة وعلم ونظام وجِدٍّ وعمل وإتقان واختراع وغنى وديمقراطية، فلماذا لا نستنفر حاسدينا ونوقفهم على الحدود طالبين منهم أن يوجهوا قوتهم الحسدية إلى الإسرائيليين فيوقفوا طائراتهم فلا تضربنا بالصواريخ والقنابل، ويعطلوا مصانعهم فلا تنتج شيئا يستعينون به علينا، ويُفْشِلوا طلابهم وعلماءهم فلا يهتموا بعلم ولا بمعرفة ويعيشوا مثلنا جهلاء يرتعون فى بحبوحة الكسل والخمول العقلى ويكبِّروا أمخاخهم مثلما نكبر نحن أمخاخنا، وينتهى الأمر بأن نكون نحن وهم فى مستوى واحد من البلادة الذهنية ثم نزيد نحن عليهم بكثرة العدد ويكون النصر من ثم حليفنا؟ بل إننا ليمكننا الاستغناء عن هذا التعب كله والاكتفاء بتكليف حسادنا أن يكثفوا حقدهم على هؤلاء الأعداء الألداء ويركزوا هذا كله فى عيونهم ثم ينظروا بها إليهم فيمرضوهم مرضا يقضى عليهم، أو يهدموا عليهم بيوتهم فنتخلص منهم ومن شرهم إلى الأبد. أتصور أنه لا يمكن أن يكون هناك حل لمشكلة الحسد والحساد لدينا أفضل من هذا. إنها كاستثمار القمامة بدلا من صرف الجهد والمال والفكر فى محاولة التخلص منها عبثا، والاجتهاد بدلا من ذلك فى تدويرها وإعادة استعمالها بحيث نستفيد منها استفادة عظيمة. أم ترى الحسد عندنا لا يصلح إلا على المستوى المحلى على اعتبار أننا لا نستطيع أن ننتج شيئا ذا قيمة للنطاق العالمى؟

بل لماذا لم يحسد المسلمون أحدا من المشركين الأغنياء أو المتمتعين بصحة الثيران، وما كان أكثرهم فى ذلك الوقت الذى كان المسلمون فيه مستضعفين غاية الاستضعاف فى مكة، أو يحسدوا أحدا من اليهود والمنافقين من أصحاب الثروات الفاحشة فى المدينة حين كانوا لا يزالون ضعفاء فقراء هناك قبل أن تنتعش أحوالهم المالية؟ ألم يكن المسلمون يحسد بعضهم بعضا كما رأينا فى حالة الرجل المستحم الذى حسده زميله المسلم فلم يستطع أن ينجو من نظراته التى آتت أُكُلَها السام فى التَّوِّ واللحظة؟ لقد كان المسلمون إذن أحرى أن يحسدوا الكفار واليهود والمنافقين. أم تراهم قد كتب الله عليهم ألا يؤثر حسدهم إلا فى إخوانهم المسلمين وحدهم؟

ولنستدر إلى الناحية الأخرى ونتساءل: لماذا لم يفكر اليهود والمنافقون فى حسد أحد من المسلمين كعبد الرحمن بن عوف، الذى كان تاجرا ناشطا سرعان ما أصبح من كبار المتمولين فى المدينة منذ سأل الناس هناك أن يدلوه على السوق وقصده وصار واحدا من دهاقنته؟ كما كان عمر يتمتع يسمت يملأ العيون بالمهابة ويوقع الخشية فى القلوب، فلم يا ترى لم نسمع بأن أحدا قد حسده من المسلمين أو من اليهود أو من المنافقين، مثلما لم نسمع بأن أحدا قد حسد عليا، كرم الله وجهه، على بطولاته العسكرية العبقرية التى أظهرها فى حروب الإسلام ضد الكفر واليهودية؟ ولماذا لم نسمع بوقوع الحسد على أحد من القادة المسلمين الكبار الذين فتحوا البلاد وأَضْحَوْا أُولِى صولة وجولة تملآن العقول دهشة، والقلوب رعبا، وتغريان من ثم بالحقد والحسد، إن لم يكن من قِبَل المسلمين فمن قِبَل أصحاب البلاد المفتوحة الموتورين؟ ولقد اقترح ابن القيم على صاحب النعمة أن يخفى نعمته حتى لا تقع عليها أبصار الحساد فيضروه، فكيف بالله يمكن هؤلاء القواد الفاتحين أن يخفوا بطولاتهم وفتوحهم الشادهة عن العيون والعقول؟ بل لماذا لم يخف ابن القيم كتبه ومؤلفاته عن العيون حتى لا يتعرض للحسد المبير؟ ولماذا لم يخف الطبرى والغزالى وابن حزم والزمخشرى والقرطبى وابن سينا وابن رشد والفارابى وابن الهيثم والخوارزمى والبيرونى وابن خلدون وأبو نواس وأبو العتاهية وابن زيدون والمتنبى عبقرياتهم وإبداعاتهم العلمية والأدبية عن عيون العالم كيلا يحسدهم عائن فيرديهم فى الهلاك أو على الأقل: يمنعهم الإبداع فتصير قرائحهم بين غمضة عين وانتباهتها مجدبة لا تبض بقطرة من قطرات العبقرية والتميز؟ فها هو ذا القارئ يرى معى أن الأبواب مسدودة بغاية الإحكام فى وجه ن يقولون بالحسد عن طريق العين على النحو الذى يؤمن به جماهير المسلمين!

والعبد لله، خوفا من أن يكون كل ما كتبه هنا فى أسوإ الفروض والاحتمالات خطأ فى خطإ، يقترح أن يقوم فريق من علماء المسلمين يضم بعضا من علماء الدين من تقليديين وتجديديين، وبعضا من علماء البيولوجيا، وبعضا من علماء الكيمياء، وبعضا من علماء الفيزياء، وبعضا من علماء النفس، وبعضا من علماء الاجتماع، وبعضا من علماء الأنثروبولوجيا، أى بعضا من كل طائفة من العلماء الذين تتصل تخصصاتهم بهذه المسألة، بدراسة ذلك الموضوع. ولا يَحْتَجَّنَّ أحدٌ بأن موضوع العين وتأثيرها فى العالم المادى هو من السمعيات أو الغيبيات، التى لا يمكن دراستها دراسة علمية تجريبية، إذ العين جزء من العالم المادى، وجسم الشخص الذى يُضَارّ بها هو جزء من العالم المادى، والأذى الذى ينزل به هو جزء من العالم المادى، فمن السهل إذن إخضاع الأمر للدراسة العلمية التجريبية. وبذلك نضع حدا للاختلاف فيه، أو على أقل تقدير: نتقدم فى هذا السبيل خطوة أو عدة خطوات. وسوف تكون دراسة هذا الموضوع كدراسة موضوع الجاذبية الأرضية أو العدوى المرضية مثلا لا تزيد ولا تنقص. والإسلام هو دين العلم بامتياز، ولاريب أنه سيرحب أشد الترحيب وأعظمه بمثل تلك الدراسة. هذا ما أقترحه، راجيا من الله تعالى أن يبعث لتأدية تلك المهمة من العلماء من يَرَوْنَ أهميتها ويتقربون إليه سبحانه بتنفيذها. وبالمناسبة فلسنا نحن المسلمين ولا العرب وحدنا الذين نؤمن بالعين، فالإيمان بالعين قديم ومنتشر بين كل الأمم وكل الأديان فى كل أرجاء الأرض قديما وحديثا كما أشار إلى ذلك ابن القيم، مع الاختلاف فى بعض التفاصيل وفى الوسائل التى ينبغى اللجوء إليها لتفادى الإصابة بالعين بين ثقافة وأخرى. ومن يرجع إلى الموضوع فى أية موسوعة سوف يجد ذلك. إلا أن انتشاره الواسع هذا فى ذاته لا يصيِّره فى نظرى صحيحا، بل الذى يصيِّره صحيحا هو الدراسة العلمية التجريبية، إذ ما أكثر الأمور التى كانت الأمم جميعها تؤمن بصحتها ثم اتضح أنها مجرد أوهام.

كذلك بدا لى أن أعود إلى التفاسير الحديثة فألفيت أصحاب بعضها يفهمون ما أفهمه من آية سورة "القلم" وأمثالها، ومنهم الشيخ محمد رشيد رضا، الذى كتب فى تفسير الآية الرابعة والخمسين من سورة "النساء"، وهى عن اليهود وحسدهم النبى عليه السلام والعرب لأن الله اختاره لحمل آخر الرسالات السماوية، واختارهم لتحمل عبء المسؤولية معه وما يترتب على ذلك من عز ومجد لا يريد اليهود أن يشاركهم أحد فيه، ونصها: "أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا". ويقول رشيد رضا: "أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، الأسْتَاذُ الأمَامُ: سَبَقَ فِي الأيَاتِ قَبْلَ هَذِهِ أَنَّ الْيَهُودَ حَكَمُوا بِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَهْدَى سَبِيلاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ مِنَ الْحَسَدِ وَالْغُرُورِ بِأَنْفُسِهِمْ ؛ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، فَهُمْ فِي شَرِّ حَالٍ، وَيَعِيبُونَ مَنْ هُمْ فِي أَحْسَنِ حَالٍ، فَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ هَؤُلاءِ يُرِيدُونَ أَنْ يَضِيقَ فَضْلُ اللهِ بِعِبَادِهِ، وَلا يُحِبُّونَ أَنْ يَكُونَ لأُمَّةٍ مِنَ الأمَمِ فَضْلٌ أَكْثَرُ مِمَّا لَهُمْ أَوْ مِثْلُهُ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ لِمَا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْغُرُورِ بِنَسَبِهِمْ وَتَقَالِيدِهِمْ مَعَ سُوءِ حَالِهِمْ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: هَلْ غَرَّرَ هَؤُلاءِ بِأَنْفُسِهِمْ تَغْرِيرًا، أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فِي هَذَا الْكَوْنِ فَهُمْ يَمْنَعُونَ النَّاسَ، فَلا يُؤْتُونَهُمْ مِنْهُ نَقِيرًا، أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا أَعْطَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ؟ أَيِ: الْعَرَبُ، فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا، وَالْعَرَبُ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ، وَقَدْ كَانَتْ ظَهَرَتْ تَبَاشِيرُ الْمُلْكِ الْعَظِيمِ فِيهِمْ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الأيَاتِ، فَإِنَّهَا مَدَنِيَّةٌ مُتَأَخِّرَةٌ، وَكَانَتْ شَوْكَةُ الْمُسْلِمِينَ قَدْ قَوِيَتْ. فَالأيَةُ مُبَشِّرَةٌ لَهُمْ بِالْمُلْكِ الَّذِي يَتْبَعُ النُّبُوَّةَ وَالْحِكْمَةَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَالَ الْيَهُودِ يَوْمَئِذٍ كَانَ لا يَعْدُو هَذِهِ الأمُورَ الثَّلاثَةَ: إِمَّا غُرُورٌ خَادِعٌ يَظُنُّونَ مَعَهُ أَنَّ فَضْلَ اللهِ مَحْصُورٌ فِيهِمْ، وَرَحْمَتَهُ تَضِيقُ عَنْ غَيْرِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ مِنْ خَلْقِهِ، وَإِمَّا حُسْبَانُ أَنَّ مُلْكَ الْكَوْنِ فِي أَيْدِيهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَحُونَ لأَحَدٍ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَلَوْ حَقِيرًا كَالنَّقِيرِ، وَإِمَّا حَسَدُ الْعَرَبِ عَلَى مَا أَعْطَاهُمُ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ وَالْمُلْكِ الَّذِي ظَهَرَتْ مَبَادِئُ عَظَمَتِهِ، انْتَهَى مَا قَالَهُ فِي الدَّرْسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا عَنْهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُ.

وَأَقُولُ: فَسَّرُوا الْحَسَدَ بِأَنَّهُ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْ صَاحِبِهَا الْمُسْتَحِقِّ لَهَا، وَلَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُ فِي الْقُرْآنِ إِلاَّ فِي هَذِهِ الأيَةِ، وَفِي قَوْلِهِ مِنْ سُورَةِ "الْبَقَرَةِ": "وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ" (2/ 109)، وَفِي سُورَةِ "الْفَلَقِ". وَأَهْلُ الْكِتَابِ فِي آيَةِ "الْبَقَرَةِ" هُمُ الْيَهُودُ، فَهُوَ لَمْ يُسْنِدِ الْحَسَدَ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَقَدْ سُلِبَ مِنْهُمُ الْمُلْكُ، يَتَمَنَّوْنَ عَوْدَتَهُ إِلَيْهِمْ وَقَدْ كَبُرَ عَلَيْهِمْ أَنْ تَسْبِقَهُمُ الْعَرَبُ إِلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنِ النَّصَارَى يَوْمَئِذٍ يَحْسُدُونَ الْمُسْلِمِينَ لأَنَّهُمْ مُتَمَتِّعُونَ بِمُلْكٍ وَاسِعٍ، وَلا مُشْرِكُو الْعَرَبِ لأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ النُّبُوَّةَ الَّتِي قَامَ بِهَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَقٌّ، وَلا أَنَّهَا تَسْتَتْبِعُ، فَإِنَّ مَنْ ظَهَرَ لَهُ حَقِّيَّةُ الدَّعْوَةِ صَارَ مُسْلِمًا. وَأَمَّا الْيَهُودُ فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ مِمَّنْ ظَهَرَتْ لَهُمْ حَقِّيَّةُ دَعْوَةِ الأسْلَامِ إِلاَّ نَفَرٌ قَلِيلٌ، وَمَنَعَ الْحَسَدُ بَاقِيَ الرُّؤَسَاءِ أَنْ يُؤْمِنُوا، وَتَبِعَهُمُ الْعَامَّةُ تَقْلِيدًا لَهُمْ. وَقَلَّمَا يَمْنَعُ النَّاسَ مِنَ اتِّبَاعِ الْحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ لَهُمْ مِثْلُ الْحَسَدِ وَالْكِبْرِ، فَالْحَسُودُ يُؤْثِرُ هَلاكَ نَفْسِهِ عَلَى انْقِيَادِهَا لِمَنْ يَحْسُدُهُ لأَنَّ الْحَسَدَ يُفْسِدُ الطِّبَاعَ. وَفِي التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ هُنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلا شَكَّ أَنَّهُمْ حَسَدُوهُ وَحَسَدُوا قَوْمَهُ الْعَرَبَ لأَنَّهُ مِنْهُمْ، وَهُمْ أَسْبَقُ إِلَى الْخَيْرِ الَّذِي جَاءَ بِهِ.

وَرَدَ فِي بَعْضِ أَسْبَابِ نُزُولِ الآيَةِ أَنَّ بَعْضَ الْيَهُودِ كَكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ لَمْ يَجِدُوا مَطْعَنًا يَقُولُونَهُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ تَعَدُّدَ أَزْوَاجِهِ. وَقِيلَ: حَسَدُوهُ عَلَى ذَلِكَ. وَالأيَةُ تَرُدُّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ لأَنَّ بَعْضَ أَنْبِيَائِهِمْ كَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ كَانَ لَهُمْ أَزْوَاجٌ كَثِيرَةٌ، كَمَا رَدَّ عَلَيْهِمُ اسْتِبْعَادَهُمْ أَنْ يَكُونَ الْمُلْكُ فِي غَيْرِ آلِ إِسْرَائِيلَ بِأَنَّهُ تَعَالَى أَعْطَى آلَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْحَاقَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالنُّبُوَّةَ فَضْلاً مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ حَقٌّ عَلَيْهِ تَعَالَى، فَكَذَلِكَ يُعْطَى ذَلِكَ لآلِهِ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ، وَلا حَجْرَ عَلَى فَضْلِهِ. فَإِنْ كَانَ هَذَا الْفَضْلُ الألَهِيُّ لا يَنَالُهُ إِلاَّ مَنْ لَهُ سَلَفٌ فِيهِ، فَلِلْعَرَبِ هَذَا السَّلَفُ. عَلَى أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى بَاطِلَةٌ، وَإِلاَّ لَكَانَتْ هَذِهِ الْعَطَايَا قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً، وَلَيْسَ الأنْسَانُ قَدِيمًا أَزَلِيًّا، وَلَوْ كَانَ أَزَلِيًّا لَمَا أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ بَعْضُ فُرُوعِهِ أَزَلِيَّةً، فَإِيتَاءُ اللهِ تَعَالَى بَعْضَ الْبَشَرِ الْفَضْلَ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَحْضِ الاخْتِصَاصِ وَالاخْتِيَارِ وَذَلِكَ مَوْكُولٌ إِلَى مَشِيئَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِمَزَايَا وَفَضَائِلَ فِيمَنْ يُعْطِيهِ ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ كُلُّ مَنْ يَكْتَسِبُ مِثْلَ تِلْكَ الْمَزَايَا مُسْتَحِقًّا لِهَذَا الْفَضْلِ، وَالنُّبُوَّةِ وَمُقَدَّمَاتِهَا بِمَحْضِ الاخْتِصَاصِ.

أَمَّا كَثْرَةُ النِّسَاءِ لِدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلامُ فَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ كَانَ لِدَاوُدَ مِائَةُ امْرَأَةٍ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ سُورَةِ "ص" وَأَنَّهُ كَانَ لِسُلَيْمَانَ أَلْفٌ وَثَلاثُمِائَةِ امْرَأَةٍ وَسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ فَكَيْفَ يَسْتَنْكِرُ أَتْبَاعُهُمَا أَنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعُ نِسْوَةٍ، وَقَدْ تَزَوَّجَ أَكْثَرَهُنَّ لِحِكَمٍ وَأَسْبَابٍ عَامَّةٍ أَوْ خَاصَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ مِنَ الْجُزْءِ الرَّابِعِ؟ وَفِي سِفْرِ "الْمُلُوكِ" مِنْ كِتَابِهِمُ الْمُقَدَّسِ مَا نَصُّهُ: 11/ 1: "وَأَحَبَّ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ نِسَاءً غَرِيبَةً كَثِيرَةً مَعَ بِنْتِ فِرْعَوْنَ مُوآبِيَاتٍ وَعَمُونِيَاتٍ وَأَدُومِيَاتٍ وَصَيْدُونِيَاتٍ وَحَثَيَاتٍ مِنَ الأمَمِ الَّذِينَ قَالَ عَنْهُمُ الرَّبُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَدْخُلُونَ إِلَيْهِمْ وَلا يَدْخُلُونَ إِلَيْكُمْ لأَنَّهُمْ يُمِيلُونَ قُلُوبَكُمْ وَرَاءَ آلِهَتِهِمْ فَالْتَصَقَ سُلَيْمَانُ بِهَؤُلاءِ بِالْمَحَبَّةِ وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُمِائَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ وَثَلاثُمِائَةٍ مِنَ السَّرَارِي فَأَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ" إِلَى آخِرِ مَا هُنَاكَ مِنَ الطَّعْنِ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وَبَرَّأَهُ اللهُ". ومن الواضح أن الحسد، كما يفهمه رشيد رضا، لا علاقة بينه وبين العين، بل هو شعور نفسى ضار لصاحبه قبل أن يكون ضارا بالمحسود.

ومنهم كذلك محمد الطاهر بن عاشور صاحب "تفسير التحرير والتنوير"، إذ وجدته يقول فى تفسير آية سورة "القلم" ما نصه: "عرَّف الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعض ما تنطوي عليه نفوس المشركين نحو النبي صلى الله عليه وسلم من الحقد والغيظ وإضمار الشر عندما يسمعون القرآن. والزلَق (بفتحتين): زَلَل الرجل من مَلاَسَةِ الأرض من طين عليها أو دهن، وتقدم في قوله تعالى: "فتُصْبِحَ صعيدًا زَلَقًا" (في سورة الكهف/ 40). ولما كان الزَّلَق يفضي إلى السقوط غالبًا أُطْلِق الزلق وما يُشْتَقّ منه على السقوط والاندحاض على وجه الكناية، ومنه قوله هنا: "لَيُزْْلِقونك"، أي يسقطونك ويصرعونك. وعن مجاهد: أيْ ينفذونك بنظرهم. وقال القرطبي: "يقال: زلق السهم وزهق، إذا نفذ"، ولم أره لغيره. قال الراغب: قال يونس: لم يُسْمَع الزَّلَق والإِزلاق إلا في القرآن. اهـ. قلت: وعلى جميع الوجوه فقد جعل الإِزلاق بأبصارهم على وجه الاستعارة المكنية، شبهت الأبصار بالسهام ورمز إلى المشبه به بما هو من روادفه وهو فعل "يزلقونك". وهذا مثل قوله تعالى: "إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا" (آل عمران/ 155)". وبالمثل نجد فى "التفسير الواضح" للدكتور محمد محمود حجازى ما يلى: "اعلم أن هؤلاء المكذبين لا يألون جهدا في عداوتك، فمهما لاقيت منهم فهو قليل. ولا أدل على ذلك من قوله تعالى: وإن يكاد الذين كفروا لينظرون إليك نظر الحاقد الكاره حتى كأنه من شدة الغيظ والحنق يكاد يزلق قدمك ويرميك من طولك. فهذه النظرات المسمومة كأنها سهام محسوسة حين يسمعون منك القرآن. أرأيت وصفا أدق من هذا للحاقد الحاسد؟ ويقولون: "إنه لمجنون" كما قالوا سابقا. وما هذا القرآن إلا ذكر للعالمين، وشرف للناس أجمعين، فهل يعقل أن يكون هذا القرآن آتيا على يد مجنون؟".

وفى تفسير "الوسيط في تفسير القرآن الكريم" للدكتور محمد سيد طنطاوى نقرأ فى تفسير آية "القلم": "ختم سبحانه السورة الكريمة ببيان ما كان عليه الكافرون من كراهية للنبى صلى الله عليه وسلم ومن حقد عليه، فقال تعالى: "وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ". وقوله: "لَيُزْلِقُونَكَ" من الزَّلَق (بفتحتين)، وهو تزحزح الإِنسان عن مكانه. وقد يؤدى به هذا التزحزح إلى السقوط على الأرض. يقال: زَلَقه يَزْلِقه، وأزْلقه يُزْلِقه إزلاقا، إذا نحاه وأبعده عن مكانه، واللام فيه للابتداء... و"إن" هى المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، و"لَمَّا" ظرفية منصوبة بـ"يزلقونك"، أو هى حرف، وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه. أى لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك. أى وإن يكاد الذين كفروا ليهلكونك، أو ليزلون قدمك عن موضعها، أو ليصرعونك بأبصارهم من شدة نظرهم إليك شزرا بعيون ملؤها العداوة والبغضاء حين سمعوا الذكر، وهو القرآن الكريم. "وَيَقُولُونَ" على سبيل البغض لك: "إِِنَّهُ لَمَجْنُونٌ"، أى إن الرسول صلى الله عليه وسلم لمن الأشخاص الذين ذهبت عقولهم. "وَمَا هُوَ"، أى القرآن الذى أنزلناه عليك، "إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ"، أى تذكير بالله تعالى وبدينه وبهداياته، وشرف لهم وللعالمين جميعا. وجاء قوله: "يَكَادُ" بصيغة المضارع للإِشارة إلى استمرار ذلك فى المستقبل. وجاء قوله: "سَمِعُوا" بصيغة الماضى لوقوعه مع "لما"، وللإِشعار بأنهم قد حصل منهم هذا القول السَّيِّئ. وجاء قوله: "لَيُزْلِقُونَكَ" بلام التأكيد للإِشعار بتصميمهم على هذه الكراهية وحرصهم عليها".

وفى سورة "الكهف" نقرأ قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً (46)".

وواضح أن زوال نعمة صاحب الجنتين ليس بسبب حسد الآخر له، إذ لم يُبْدِ ذلك الآخر أى إعجاب بها يمكن اتخاذه شماعة للقول بأنه هو السبب فى تدميرهما، بل كل ما قاله المحروم له هو أنه ينبغى أن يشكر ربه على ما هو فيه من نعمة سابغة بدلا من الاغترار الأحمق بالغنى العميم الذى يتمتع به. والطريف أن الذى أثنى على الجنتين هو صاحبهما نفسه. فهل نردد ما يقوله العوام من أنه لا يحسد المال إلا صاحبه؟ لكنى قد رددت على هذه النقطة من قبل، وهأنذا أزيدكم من الشعر بيتا، وهو أن الآيات لا تتكلم أبدا عن الحسد والعين، بل عن الكفر والجحود، وأن الله قد عاقب صاحب الجنتين لا لأنه عانهما، بل لأنه لم يشكره سبحانه على ما خَوَّلَه من نعم دنيوية. بل إن الرجل نفسه قد صرح بذنبه، وهو أنه أشرك بالله سبحانه. ألم يقل حين رأى جنته قد صارت أثرا بعد عين: "ياليتنى لم أشرك بربى أحدا"؟ ولوكانت العين الحسودة هى السبب لقال مثلا: "يا ليتنى لم أَعِنْ جنتى". وليس شرطا أن نفهم القصة فهما حرفيا، إذ ما أكثر ما نقابل فى الدنيا من أغنياء لا يشكرون النعمة ولا يحدث لهم من ذلك شىء، ومعنى ذلك أن عقاب الفرد الجاحد بحرمانه من النعمة سريعا ليس هو القاعدة. وأنا أفهم الآية الكريمة فى المقام الأول على أنها إنذار لمشركى قريش بأنهم إذا لم يدخلوا الدين الجديد ويتخَلَّوْا عن كفرهم وشركهم فإن الأمور سوف تدور دورتها وتنتقل النعمة منهم إلى المسلمين، لكن بالتدريج على نحو ما يحدث فى الحياة، إذ إن تحول حال الأمم من الغنى والقوة إلى الفقر والضعف والمذلة والتخلف لا يتم بين عشية وضحاها، بل يستغرق وقتا قد يطول وقد يقصر كما هو معروف فى تاريخ الأمم والحضارات. وفى حالة قريش لم يحدث أن انتصر المسلمون عليهم فى غمضة عين، بل أخذ الأمر سنوات. لقد كان الشرك فى جزيرة العرب قد شارف نهايته، فجاء الإسلام وسدد الضربة الأخيرة لينهار بناؤه انهياره الضخم لدن فتح مكة ثم تتوالى الانهيارات إلى أن تسود عقيدة التوحيد تماما فى بلاد العرب وتنطلق إلى الآفاق العالمية عَقِبَئِذٍ.

ومثل قصة صاحب الجنتين قصة قارون، إذ نقرأ فى سورة "القصص": "إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)". وواضح هنا أيضا أن الأمر ليس أمر حسد، على الأقل: لأن المؤمنين لا يفكرون فى أن يحسدوا الكافرين وَيِعيُنوهم، فضلا عن أن الآيات لا تذكر حسدا ولا عينا، ولا تومئ إليهما مجرد إيماء، بل أمر كفر وحسن تقدير، إذ الإنسان العاقل ينبغى أن يشكر الله على ما أسبغ عليه من مال وغنى، وأن يقدم الآخرة على الدنيا لأن الدنيا زائلة، والآخرة هى الحياة الباقية، لا بالنزول عن المال بل بشكر الله عليه وعدم نسيان حقوق المسحوقين العاجزين فيه.

وعلى نفس الشاكلة نقرأ ما تقوله سوة "القلم" عن كقار قريش واغترارهم بما هم فيه من قوة وغنى وتذكير الآيات لهم بما وقع لأصحاب الجنة مما يمكن جدا أن يقع لهم إذا ما مضوا فى نفس الطريق وأصروا على الكفر والعصيان والبخل وقسوة القلب: "وَلا تُطِعْ كُلَّ حََلاَّفٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34)". والطريف أن هذه السورة هى السوة التى ورد فيها قوله تعالى: "وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (52)". فلو كان الأمر أمر حسد وعين لكان أصحاب الجنة هم الذين ينبغى أن يُحْسَدوا لا الرسول لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن صاحب جنة، بل هم، أما هو فصاحب رسالة كانوا يكذبونه ويستضعفونه ويضطهدونه ويؤذونه ويكفرون بما جاء به ويأتمرون به ليقتلوه بسببها.

وفى سورة "البقرة" نقرأ قول الحق تبارك وتعالى: "ودَّ كثيرٌ من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانِكم كفارا، حسدًا من عند أنفسهم من بعدما تبين لهم الحقُّ. فاعفوا واصفحوا حتى يأتىَ الله بأمره". فها هى ذى الآية تتحدث صراحة ومباشرة عن الحسد، فماذا قالت؟ لقد قالت إن كثيرا من أهل الكتاب كانوا يحسدون المسلمين على إيمانهم النقى بالله سبحانه وتوحيده وطاعته والتزامهم بمبادئ دينهم وإخلاصهم له، وكان هذا الحسد يجعلهم يتمنَّوْن أن يكونوا قادرين على رد المسلمين عن دينهم. خذوا بالكم: رد المسلمين عن دينهم لا إصابتهم بالعين. ثم تمضى الآية فتأمر المسلمين بالعفو والصفح عنهم إلى أن يأتى الله بأمره. ولو كان الحسد هو الإضرار بالعين فكيف تأمرهم الآية بالصفح والغفران؟ إن معنى ذلك أن يموت المعيونون أو يمرضون مرضا يقرقعون فيه من شدة بُرَحَاء الألم، وهم هنا المسلمون جميعا. فهل هذا يعقله عاقل؟ وهل يمكن أن تكون الظروف التى كان فيها المسلمون حينئذ مسوغا لذلك الموقف السلبى الضار؟ أويستحق احتياج المسلمين من الكفار الاغتسال وإعطاءهم الماء الذى اغتسلوا به كى يصبوه على أنفسهم أن يكون مبررا لشىء من هذا؟ وعلى أية حال لقد مرت الأيام، وأتى الله بأمره، وانتصر الإسلام على الشرك والمشركين، فهل سمع أحد بأن الرسول أو أيا من الصحابة قد طلب حينئذ من المشركين بعد اعتناقهم الإسلام أن يغتسلوا ويأتوهم بماء الاغتسال حتى يستحم المسلمون السابقون به إزالة لآثار العين الحسادة أو إزالة ما كان باقيا منها لا يزال؟ أبدا. فما القول فى ذلك؟

قلنا ونقول إن الحسد هو كراهية ما فيه الآخرون من نعمة وتفوق ونجاح، والعمل على إفشالهم ودهورتهم وتجريدهم من الخير الذى ينعمون به. وهذا إنما يتحقق بالتآمر عليهم وتشويه سمعتهم أو سرقتهم أو تلفيق الدعاوى القضائية لهم أو الوقيعة بينهم وبين رؤسائهم فى العمل أو كتابة التقارير الظالمة ضدهم... وهكذا لا بالعين وتسديد نظراتها إليهم بالأذى والشر حسبما يفهم كثير من الناس. ومما يؤكد ما قلناه فى تفسير هذه الآية أن عبد الله بن عباس فى الحديث التالى الذى هو راويه يقول إن حسد اليهود للمسلمين قد دفعهم إلى جحود الإسلام، أى الكفر به وبالرسول الذى دعا إليه. يقول الحديث: "كان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدا، إذ خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم. وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما: "ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم... من بعد ما تبين لهم الحق". قال ابن عباس: من بعد ما أضاء لهم الحق، لم يجهلوا منه شيئا، ولكن الحسد حملهم على الجحود". ولم يقل، رضى الله عنه: "لكن الحسد حملهم على أن يوجهوا إليهم مدافع أعينهم الشريرة".

وفى "السيرة النبوية" لابن هشام كلام عن حسد من اليهود للمسلمين اتخذ صورة التآمر من لدن أحفاد القردة والخنازير على أتباع النبى العربى، ولم يتمثل فى عيون حسادة تنزل الأذى والمرض بهم من نظرات يصوبونها إليهم. يقول ابن هشام: "قال بن إسحاق: ومر شأس بن قيس، وكان شيخا قد عسا عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم، على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخرزج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد. لا والله ما لنا معهم، إذا جتمع مَلَؤُهم بها، من قرار. فأمر فتى شابا من يهود كان معهم، فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم/ ثم اذكر يوم بعاث وما كان قبله، وأَنْشِدْهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه الأشعار.

وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه يومئذ للأوس على الخزرج. وكان على الأوس يومئذ حضير بن سماك الأشهلي أبو أسيد بن حضير، وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضي فقتلا جميعا قال ابن هشام: قال أبو قيس بن الأسلت:

على أن قد فجعت بذي حفاظ فعاودني له حزن رصين

فإما تقتلون فإن عمرًا أعض برأسه عضب سنين

... قال بن إسحاق: ففعل، فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الرُّكَب: أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جَذَعَةً. فغضب الفريقان جميعا وقالوا: قد فعلنا. موعدكم الظاهرة (والظاهرة: الحَرَّة). السلاح السلاح! فخرجوا إليها، فبلغ لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين، الله الله! أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر وألف به من قلوبكم؟ فعرف أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شأس بن قيس، فأنزل الله تعالى في شأس بن قيس وما صنع: "قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعلمون * قل يا أهل الكتاب لِمَ تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون".

وأنزل الله في أوس بن قيظي وجبار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا عما أدخل عليهم شأس من أمر الجاهلية: "يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين * وكيف تكفرون وأنتم تُتْلَى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم * يأيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تُقَاتِه ولا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون... (إلى قوله تعالى:) وأولئك لهم عذاب عظيم". فهذا ما نريد أن يتنبه إليه القراء، ألا وهو أن الحسد شعور نفسى بغيض بشع يسول لصاحبه العمل على إيقاع الأذى بالمحسود من خلال تآمر عليه يمنعه من الحصول على حقه مثلا أو وقيعة بينه وبين من يحب أو الكيد له عند رئيسه... إلخ. وفى هذا الشاهد رأينا اليهود يثيرون الإِحَن القديمة ويشعلون نارها الخابية كى يعود المسلمون إلى التحارب وقتل بعضهم بعضا بدلا مما نجح الرسول فى إرسائه بينهم من التضافر والاتحاد فى جبهة واحدة ضد العدو الذى يريد الفتك بهم والقضاء على شأفتهم. وقد نجح اليهود فى البداية، وكاد الأمر يتحول قتالا شرسا بين الأوس والخزرج لولا مسارعة الرسول إلى تنبيههم إلى ما نصب لهم من مؤامرة أوشكوا أن يوحلوا فيها. إذن لا عين ولا غُسْل، بل تآمر من جانب اليهود، ووعى ويقظة من قِبَل المسلمين لألاعيب الحاقدين الحاسدين وإحباط لمؤامراتهم وتفويت للفرصة عليهم.

وفى رسالة "فصل ما بين العداوة والحسد" يقول الجاحظ الخبير بأدواء النفوس المتغلغل فى أطوائها: "والحسد، وإن كان مُوَكًّلا بالأدنى فالأدنى، فإنه لم يَعْرَ منه الأبعد فالأبعد. فقد رأينا وشاهدنا من كان يسكن العراق وينتحل العلم والأدب انتهى إليه خبر مشاركٍ له في الصناعة من أهل خراسان وجنْبة بلْخ من اتساق الرياسة في بلده وجميل حاله ونبيل محلِّه عند أهل مصره وطاعة العامة له وترادف الناس عليه، فطار قلبه فَرَقًا، وأخذتْه الأَرْباء، وتنفَّس الصُّعَداء وانتفض انتفاض المفلس الممطور. فقال لي رجلٌ من إخواني كان عن يميني حين رأى ما رأى منه: بحقٍّ قال من قال: "لم يُرَ ظالم أشبه بمظلوم من حاسد نعمة، فإن نَفَسه متّصل، وكربه دائم، وفكرته لا تنام". وهو في أهل العلم أكثر، وعليهم أغلب، وبهم أشدُّ لصوقًا منه بغيرهم من الملوك والسُّوقة. وكأن من ناله التقصير في صناعة العلم عن غايته القصوى قد استشعر حسد كل ما يَرِد عليه من طريفِ أدبٍ، أو أنيقِ كلامٍ، أو بديعِ معنًى. بل قد وقع بخلده لضعفه، وقرَّ في روعه لخساسته أنه لا ينال أحدٌ منهم رياسةً في صناعة، ولا يتهيأ له سياسةُ أهلها إلا بالطَّعن على نواصيهم، والعيب لجِلَّتهم، والتحيُّف لحقوقهم". قال لي مسلم بن الوليد الأنصاري الشاعر، الذي يُعْرَف بـ"صريع الغواني": خُيِّل إلى نَوْكَي الشعراء أنهم لا يُقْضَى لهم بجودة الشعر إلا بهجائي والطعن في شعري، ولسانٍ يُهْجَى به عِرْضِي، لا أنفكُّ متَّهَما من غير جُرْمٍ إلا ما سبق إلى قلوبهم من وساوس الظنون والخواطر التي أوهمتْهم أنه لا يسجَّل لهم بجودة الشعر إلا إذا استعملوا فيَّ ما خُيِّل إليهم".

ويمضى فيتحدث عن تجربته فى هذاالميدان وما ابتُلِىَ به من الحسد على أيدى الحاقدين قائلا: "وإني ربما ألفت الكتاب المحكم المتقن في الدِّين والفقه والرسائل والسيرة والخطب والخراج والأحكام وسائر فنون الحكمة وأنسبه إلى نفسي، فيتواطأ على الطعن فيه جماعةٌ من أهل العلم بالحسد المركب فيهم، وهم يعرفون براعته ونصاعته. وأكثر ما يكون هذا منهم إذا كان الكتاب مؤلَّفًا لملكٍ معه المقدرة على التقديم والتأخير، والحَطِّ والرَّفْع، والترغيب والترهيب، فإنهم يهتاجون عند ذلك اهتياج الإبل المغتلِمة: فإنْ أمكنتْهم حيلةٌ في إسقاط ذلك الكتاب عند السيد الذي أُلِّف له فهو الذي قصدوه وأرادوه. وإنْ كان السيد المؤلَّف فيه الكتاب نحريرا نقابا، ونقريسا بليغا، وحاذقا فطنا، وأعجزتْهم الحيلة، سرقوا معاني ذلك الكتاب وألّفوا من أعراضه وحواشيه كتابا، وأهدوه إلى ملك آخر، ومتُّوا إليه به، وهم قد ذمّوه وثلبوه لـمَّا رَأَوْه منسوبًا إليَّ، وموسومًا بي

وربما ألفت الكتاب الذي هو دونه في معانيه وألفاظه، فأترجمه باسم غيري، وأحيله على من تقدمني عصره مثل ابن المقفع والخليل، وسلْم صاحب بيت الحكمة، ويحيى بن خالد، والعتّابيّ، ومن أشبه هؤلاء من مؤلِّفي الكتب، فيأتيني أولئك القوم بأعيانهم الطاعنون على الكتاب الذي كان أحكم من هذا الكتاب، لاستنساخ هذا الكتاب وقراءته عليّ، ويكتبونه بخطوطهم، ويصيِّرونه إماماً يقتدون به، ويتدارسونه بينهم، ويتأدّبون به، ويستعملون ألفاظه ومعانيه في كتبهم وخطاباتهم، ويروونه عنيِّ لغيرهم من طلاب ذلك الجنس فتثبت لهم به رياسة، ويأتمُّ بهم قومٌ فيه؛ لأنه لم يترجم باسمي، ولم يُنسب إلى تأليفي. ولربما خرج الكتاب من تحت يدي مُحصفاً كأنه متن حجرٍ أملس، بمعانٍ لطيفةٍ محكمةٍ، وألفاظ شريفة فصيحة، فأخاف عليه طعن الحاسدين إنْ أنا نسبته إلى نفسي، وأحسد عليه من أهمُّ بنسبته إليه لجودة نظامه وحسن كلامه، فأُظهره مُبْهماً غُفلاً في أعراض أصول الكتب التي لا يُعرف وُضّاعها، فينهالون عليه انهيال الرَّمْل، ويستبقون إلى قراءته سباق الخيل يوم الحلْبة إلى غايتها.

وحسد الجاهل أهون شوكةً وأذلُّ محنا، من حسد العارف الفطن؛ لأن الحاسد الجاهل يبتدر إلى الطعن على الكتاب في أوّل وهلة يُقرأ عليه، من قبل استتمام قراءته ورقةً واحدة؛ ثم لا يرضى بأيسر الطعن وأخفه حتى يبلغ منه إلى أشده وأغلظه، من قبل أن يقف على فصوله وحدوده. وليس ثلْبه مفسَّرَّاً مفصَّلا، ولكنه يُجمل ذلك ويقول: هذا خطأ من أوله إلى آخره، وباطل من ابتدائه إلى انقضائه، ويحسب أنه كلما ازداد إغراقاً وطعناً وإطناباً في الحمْل على واضع الكتاب، كان ذلك أقرب إلى القبول منه. وهو لا يعلم أن المستمع إليه إذا ظهر منه على هذه المنزلة استخف به، وبكتّه بالجهل، وعلم أنه قد حكم من غير استبراء، وقضى بغير روية، فسقط عنه وبطل. والحاسد العارف الذي فيه تقيَّةٌ ومعه مُسْكَةٌ، وبه طَعْمٌ أو حياةٌ إذا أراد أن يغتال الكتاب ويحتال في إسقاطه تصفح أوراقه ووقف على حدوده ومفاصله، وردد فيه بصره وراجع فكره، وأظهر عند السيد الذي هو بحضرته وجلسائه من التثبُّت والتأني حِبالةً يقتنص بها قلوبهم، وسببًا يسترعي به ألبابهم، وسُلَّمًا يرتقي به إلى مراده منهم، وبساطًا يفرش عليه مصارع الخُدَع، فيوهم به القصد إلى الحق والاجتباء له. فربما استرعى بهذه المخاتل والخدع قلب السيد الحازم.

فمن أعظم البلايا وأكبر المصائب على مؤلِّفي الكتب إذا كان العارض لها على السيد الذي منه تُرْجَى أثمانها، وعنده تنفق بضائع أهلها، على هذه الصِّفة التي وصفتُها من الحسد والحذق بأسبابه، والمعرفة بالوجوه التي تثلم المحسود وتهدُّه، وتضع منه ومن كتبه، لا سيما إنْ كان مع استبطان الحسد واستعمال الدهاء والذكاء جليسًا لازمًا، وتابعًا لا يفارق، ومحدِّثًا لا يريم، وليست له رِعَةٌ تحجره عن الباطل، ولا معه حذرٌ يبعثه على الفكر في العواقب. فإن هذا ربما وافق فترة السيد ترداد الكلام، وكثرة تكراره عليه، من تأكيد خطائه، ونصرته قوله، وذياده عنه، واحتجاجه فيه، فيؤثر في قلبه، ويضجِّع رأيه. فليس للسيد الذي يحبُّ أن تصير إليه الأمور على حقائقها، وتُصوَّر له الأشياء على هيئاتها، حيلةٌ في ذلك إلا حَسْم مادة هذا من أهل الحسد، بالإعراض عنهم، والاحتجاز دونهم.

وربما بلغ من الحاسد جهد الحسد، إذا لم يُعْمَل بشهوته ولم تنفذ سهام لطائفه، أن يقرَّ على نفسه بالخطأ، ويعترف أن الطَّعن الذي كان منه في الكتاب عن سهوٍ وغفلةٍ، وأنه لم يكن بلغ منه في الاستقصاء ما أراد، وكان مشغول الفكر مقسَّم الذهن، فلما فرغ له ذهنُه وانفرد له همُّه راجَعَ ما كان بَدَر منه، لتُُظَنَّ به الرِّعة، ويقال إنه لم يرجع عن قوله واعترف بالخطأ إلا من عقل وازع، ودينٍ خالص. وإنما ذلك حيلةٌ منه ودهاءٌ قدَّمه أمام ما يريد أن يوكِّد لنفسه ويوطِّد لها من قبول القول في سائر ما يرد عليه من الكتب عن غير موافقةٍ على مواضع، ويجعل ما قد تقدم له من الرجوع عن قوله عند ما تبيَّن له خلاف ما قال أوثقَ أسباب عدالته، وأحكمَ عُرَى نَصَفَتِه...".

فمن هذا يتبين أن الحسد ليس بنظرة من العين تصيب المنظور بأذى، بل فى الكراهية التى تؤلم الحاسد قبل أن تؤلم المحسود، وفى التآمر الذى يراد به الحط من قدره وإضراره وإنزاله من مرتبته وتضييع النعمة عليه والحصول عليها بدلا منه... وهكذا. وإنى لأنتهز الفرصة لإزجاء الشكر هنا لصديقى العالم النحرير الظريف د. محمود عباس عبد الواحد، الأستاذ بكلية اللغة العربية الأزهرية بشبين الكوم، الذى نبهنى الليلة بعدما كتبت الصفحات الماضية عن الحسد بعدة أسابيع إلى ما كتبه الجاحظ فى هذا الموضوع، فقلت له: يا عجبا! كيف نسيت أن أرجع إلى الجاحظ، وقد قرأت وأنا شاب صغير هذا الذى كتبه عن الحسد؟ ثم قلت له، وكنا جالسين معا عند كشك الحاج منصور على بعد أمتار من بيتى وبضعة مئات أمتار من بيته فى حى حدائق القبة كما يحدث لنا كثيرا: بمشيئة الله سوف أنظر من جديد فيما كتبه الجاحظ وأستفيد منه وأستشهد به، وأذكر إلى جانب هذا أنك أنت الذى أذكرتنى به، وكنت له ناسيا. وهأنذا قد فعلت. اللهم اشهد!

وفى "الأغانى": "قال إسحاق (الموصلى): قلت في ليلة من الليالي:

هل إلى نظرة إليك سبيلُ يُرْوَى الصَّدَى ويُشْفَى الغليلُ

إن ما قَلَّ منك يَكْثُرُ عندي وكثيرٌ ممن تحب القليلُ

قال: فلما أصبحت أنشدتهما الأصمعي، فقال: هذا الديباج الخسرواني، هذا الوشي الإسكندراني، لمن هذا؟ فقلت له: إنه ابن ليلته؛ فتبينت الحسد في وجهه، وقال: أفسدته! أفسدته! أَمَا إن التوليد فيه لَبَيِّنٌ". وهنا يقول إسحاق الموصلى إن الأصمعى قد حسده، لكنه لم يتهمه بأنه له نظرات صاعقة تنطلق من عينيه كالصواريخ المدمرة، بل بأنه حقد عليه براعة بيتيه، فدفعه الحقد إلى أن يتنقص من شأنهما بعدما كان يمدحهما ويصفهما بكل رائع من القول ظنا منه أنهما ليسا لإسحاق. فلما عرف أنهما لإسحاق لحس حكمه الطيب عليهما، وادعى أنهما من الشعر المولد الجديد الذى لا يعجب أصحاب الذوق الكلاسيكى المرتبطين بالقديم لأنه يمثل الأصالة فى نظرهم.

ثم إلى القارئ هذا الخبر الساخر. ومغزاه، فيما نحن بصدده، واضح غاية الوضوح. كتب أبو حيان التوحيدى فى كتابه: "البصائر والذخائر" ما نصه: "قال المدائني: تذاكَرَ قومٌ مِنْ ظُرَّاف البصرةِ الحسدَ، فقال رجل: إن الناس ربما حسدوا على الصَّلْب. فأنكروا ذلك، ثم جاءهم بعد أيام فقال: إن الخليفة قد أمر أن يصلب الأحنف ومالك بن مسمع وقيس بن الهيثم، وحَجَّام يعرف بـ"حمدان". فقالوا: هذا الخبيث يُصْلَب مع هؤلاء؟ فقال: ألم أقل إن الناس يحسدون على الصلب؟". وبطبيعة الحال لا يمكن أن يزعم هنا أحد أن الحسد هو العين، وإلا فما الذى يمكن أن تصنعه العين بالمحسود أبشع مما هو فيه؟ اللهم إلا إذا قيل إنها يمكن أن تطيّره من موضعه على الصليب فينجو! ها ها ها.

وفى "التمثيل والمحاضرة" لأبى منصور الثعالبى كلام عن الحسد يصب فى معنى واحد هو أن الحسد إنما يشقى الحاسد ولا يضر المحسود فى شىء: "الحسد داء الجسد. الحسود لا يسود. الحسد أول ذنبٍ عُصِيَ الله به في السماء والأرض. لا راحة لحسودٍ. ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلومٍ من الحسود. أقل الناس سرورًا الحسود. حاسد النعمة لا يرضيه إلا زوالها. الحسود يأخذ نصيبه من غموم الناس، فينضاف إلى ذلك غمه بسرور الناس، فهو أبدًا مغمومٌ. الحسود فقيرٌ، وعند الناس حقير. الحسود يَعْمَى عن محاسن الصبح بعينٍ تدرك دقائق القبح. الحساد يحسدون أكثر مما في المحسود، لأن بعضهم يظن عند المحسود ما لا يملك، فيحسده عليه. الحسد والنفاق والكذب أَثَافِيُّ الذل. الحاسد مغتاظٌ على من لا ذنب له، بخيلٌ بما لا يملكه، طالبٌ لما لا يجده. لا يرضى عنك الحسود حتى تموت. كأن الحاسد إنما خُلِقَ ليغتاظ. يكفيك من الحاسد أنه يغتم عند سرورك. الحاسد ساخط على أقدار الله تعالى. عقوبة الحاسد من نفسه. الحاسد يرى زوالَ نعمتك نعمةً عليه".

وفى الوقت الذى يهتم فيه كثير ممن ينتسبون إلى العلم الدينى بمثل تلك القضايا جاعليها هِجِّيرَاهم نراهم لا يقفون كثيرا ولا قليلا أمام النصوص الإسلامية التى تحض على العلم وتعلى من شأنه وشأن أهله وتصور سموق مكانتهم وأجرهم عند الله، وتنص على إكرام الله لهم وتنبئنا بشهود الملائكة مجالسهم وتواضعها فى حضرتهم ورضاها بما يصنعون، وتؤكد أن الخروج فى طلب العلم إنما هو خروج فى سبيل الله وأن العلماء هم ورثة الأنبياء وأن مرتبتهم تعلو مرتبة العُبَّاد كثيرا جدا حتى إن رسول الله، حين قارن بينهما، قد شبه فضل العالم على العابد بتفوق نور البدر على نور الكواكب. كذلك فهؤلاء العلماء لا يُعَنُّون أنفسهم بتبصير الأمة بالتخلف العلمى المخزى الذى نحن فيه. إن من يسمع كلام الكثيرين منهم عن اللحى مثلا ليتصور أنها هى الجهاد الأعظم، وأن الإسلام سوف يضيع لا محالة إن لم يلتح أبتاعه على بكرة أبيهم وأن أمرهم كله منتهٍ حتما إلى البوار والخذلان مهما فعلوا إن لم يطلقوا لحاهم، فى الوقت الذى تتوثب فيه الدنيا من حولنا علما وصناعة وإبداعا وإنتاجا وتخطيطا، وكثير من علمائنا الدينين وغير الدينيين هائم فى عالم آخر من صنع الوهم لا صلة بينه وبين الحياة. وإنى لأتصور أن الرسول عليه الصلاة والسلام لو عاد إلى الدنيا ورأى أحوالنا وانشغال علمائنا بتلك السفاسف لكان أول من ينكر عليهم، وأن كثيرا منهم سيكونون أول الشاغبين عليه والمحاربين له رغم تنصيبهم أنفسهم الآن ناطقين باسمه وتظاهرهم بالدفاع عن سنته، وما سنته إلا العلم والعمل والإتقان والنظافة والنظام والذوق والجمال والتفكير السليم.

وهذا يدعونا إلى الحديث عما قرأته فى رواية "الإخوة كارامازوف" للأديب الروسى الشهير فيودور ديستويفسكى من أن السيد المسيح قد عاد إلى الأرض أيام محاكم التفتيش فى إسبانيا (تلك التى قُتِل فيها قِتْلَةً بشعةً أعداد غفيرة لا تحصى من المسلمين الإسبان) وأخذ يعمل المعجزات كما كان يعملها من قبل حسبما ورد ذكرها فى الأناجيل، داعيا الناس إلى الإيمان والصلاح، فاستجابت له الجماهير فى شغف وحب. إلا أن رجال الكنيسة ألقوا القبض عليه بتهمة الهرطقة والخروج على الملة وأودعوه السجن وحكموا عليه بالموت حرقا. وفى الزنزانة زاره المفتش العام قائلا له إن الكنيسة لم تعد فى حاجة إليه وإن ظهوره من شأنه أن يفسد عليها وعلى رجالها كل شىء، وإن حرية الاختيار التى يدعو إليها ويعلى من شأنها لا يريدها معظم البشر ولا يستطيعون التعامل معها. وعلى ضوء هذا يمكن أن نتوقع علام سيكون الموقف الذى سيقفه من الرسول كثير ممن ينصِّبون أنفسهم متحدثين باسمه صلى الله عليه وسلم، بينما هم فى الواقع بعيدون عن مبادئه وإنسانيته العظيمة ورحمته العميمة وسعة أفقه وحبه للبشر ورغبته فى أن يتبوأ العباد أفضل المنازل فى الدنيا والآخرة واشمئزازه من التنطع والتهافت على الشكليات التى لا تؤدى إلى طائل والتى يجتهد أصحابها بكل ما أوتوا من قوة فى أن يجعلوا من الحبة قبة، والقبة حبة، وكل ذلك باسم الدين، والدين من ذلك وممن يقولون به براء.

أليس مما يدعو إلى العجب أن ينتشر إطلاق اللحية على نطاق واسع بين المواطنين بهذا النحو اللافت للنظر وتقوم تظاهرات بين رجال الشرطة وأمنائها للمطالبة بإطلاقها فى الفترة الأخيرة، وتنتشر معها فى الوقت ذاته أكوام القمامة فى كل مكان؟ وبالمثل كثيرا ما تعجبت من اهتمام كثير من المتدينين بتعليق لافتات ترشد الناس إلى أماكن صلاة العيد خارج المساجد، وفى ذات الوقت لا نرى أى اهتمام بإزالة الزبالة من الشوارع. إن صلاة العيد سنة، على حين أن إماطة الزبالة عن الطرق فرض، ودعنا من أن الإعلانات المذكورة ليست خاصة بالصلاة ذاتها، فمعظم الناس يحبون صلاة العيد بما فيهم من لا يركعونها طول العام، بل هى خاصة بتأديتها خارج المساجد. فانظر إلى مدى اهتمام هذه الطوائف بهامش الهوامش وإهمالهم البشع لما هو واجب لا يصح التفريط فيه. صحيح أن التخلص من الزبالة فى الشوارع هو عمل الحكومة فى المقام الأول، لكنْ كثيرا ما أرى عمال البلدية يبذلون جهودا مضنية لنقل تلك الأكوام، وأشعر نحوهم بالرثاء والعطف فأمد يدى إليهم بالطعام والمال عند مرورى بهم وهم يطفحون الدم فى إزالة زبالة المواطنين الذين فقدوا كل حس حضارى ودينى حقيقى، وأبتسم لهم وأربت على صدروهم وأكتافهم إشعارا لهم بمدى تقديرى لجهدهم الكريم المشكور وتشجيعا لهم لمعرفتى أنهم لا يتقاضَوْن على هذا العمل المضنى ولا عشر ما يستحقون. وكنا ننتظر من أولئك الحريصين على تنبيه الناس إلى أماكن صلاة العيدين أن يولوا قضية النظافة شيئا من اهتمامهم وجهدهم، إن لم يكن من أجل شىء فمن أجل تحبيب الناس فى الإسلام من خلال رؤيتهم مدى اهتمام أفراد الجماعات المنتسبة إليه بالقضاء على القذارة والنتانة، وإشاعة النظافة فى كل مكان، وبخاصة أن لهم أتباعا فى كثرة النمل، ويأكلون الزلط لو أمرهم مشايخهم بهذا. لكن من الواضح أن كل شىء فى حياتنا قد انقلب رأسا على عقب، وأن قائمة الأولويات قد انتكست. وهذا طبيعى من أمة تخلفت تخلفنا الزرىّ، ولكنه ليس طبيعيا ولا مفهوما ولا مقبولا من أمة تزعم أنها تحب رسولها وأنها على استعداد لتفديته بالنفس والنفيس، وهو ما لا أصدق حرفا منه، فإن من يحب إنسانا يعمل بكل طاقته على تنفيذ ما يريد ولا يكتفى بالكلام الذى لا يسمن ولا يغنى من جوع ولا عطش.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : إبراهيم عوض

أستاذ جامعى   / , مصر

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق