أضيف في 31 يناير 2017 الساعة 17:30

نقد النّص السردي: (سقوط) للقاص المغربي: (الفرحان بوعزة) بقلم/عباس العكري


عباس علي رضي العكري

نقد بقلم/عباس العكري

 

النّص السردي: (سقوط) للقاص المغربي: (الفرحان بوعزة)

 

النّص: (بنى لنفسه خيمة من أشواك الماضي. رسم على دفتر الرمال ظلا طويلا. كساه لباسا فاخرا، ألبسه من حلل الأخلاق أرقاها. أصبح قيمة بلا ألوان. وقف بجانبه يقيس قامته، رأى نفسه قزما.) انتهى.

*إضاءة / (عباس العكري).

أوليس لكلّ منّا هدف -تسعى له ذاته- في الحياة لتحقيقه؟ بلى. إذن لابدّ لنا مع مرّ الزّمان -في لحظة ما- أنْ يقارن كلّ منّا نفسه بما قد وصل له الحال الآن، وبين ما قد خطّط سلفا له.

فيا ترى ما ذلك المقياس الذي به نعرف النّجاح أو الفشل لذواتنا؟ والمانع من تحقيق كل ما قد خطّطنا له؟

النّص السّردي: (سقوط) يرسم من خلاله: (الفرحان بوعزة) مشهدًا ابداعيًا، للذات الإنسانية الطّامحة للنّجاح، ولكّنها تخفق، بل ويؤدي بها المآل إلى: (سقوط) مدوّي!

فحينما نطمح إلى أن يكون لنا بناء جميل؛ فلا بد أولاً من أن نخطط له بجدية لاتهوّر أو تسّرع، ومن ثمّ نسعى لتوفير ما يمكننا أن نحقق به ذلك البناء، وعن طريق شرعي، إنّه ليس بناء السّكن والمعيشة، بل العيش بسكينة واطمئنان نفسي، ورضىً بما نحن فيه، من سير وسلوك أخلاقي.

يحلق النّص في فضاء الصحراء، والخيمة، حيث الرّمال، والأشواك. هناك لا ظلّ، إلاّ الخيمة، أو ماندر. فترى كل امرء مشغول بنفسه، ولكل شيئ هناك قيمته، حتّى الظّل! حيث يمتاز الإنسان بأخلاقه في ظل الظروف القاسية، بل ويبرر بعض آثامه لشدة الحوادث هناك، من سلب ونهب وقطع للطريق.

وألفت النّظر إلى أنّ (الفرحان) لم يعنِ بنصه الإشارة إلى أنّ امرءًا قد بنى له خيمةً، أوتادها من الأشواك! فالخيمة تحتاج إلى وتد قوي تعتمد عليه وتنتصب، لا أشواكا ضعيفة؛ وإلاّ فإنّها ستنهار عليه، ويعقبه الألم من شوكها. وما عساه الشّوك أن يحمي الإنسان؟ أمن الرّيح العاصف، أو الحرّ القائض! إذن ما الذي يقصده؟ ربّما يقصد أنّ سهولة البناء، وعدم التّريث بمآل الأمور، جعل ذلك المرء أن يبني خيمة من الشوك، لصعوبة أن يحصل الإنسان على شجر يبني من أغصانه خيمة أوتادها قوية، وكي لايتعب نفسه في البحث عن أمر ما، قد لايجده. ألا تعتقد معي ذلك عزيزي القاريء. ربما!

في ذلك قد نظم: ( صالح بن عبد القدوس):

(إذا وترت امرءا فاحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا.) وبما أنّ الشّوك لايزرع، فيعني ذلك أمرا آخر، وهذا ما يحيلنا إلى أنْ نُفَسِّرَ ما يسرده: (الفرحان) من قوله: (أشواك الماضي) أي: فعل الشرّ.

ودعني أتلو عليك قوله تعالى: ( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) {التوبة/109}.

إذن تأسيس البناء على التّقوى ضامن بعدم انهياره، ولذلك فالإنسان لابد له من أن يتكامل بناؤه ويسعى له بالخير والرضوان والتّقوى.

عندما يخطّط المرء بما قد ينوي أن يبنيه، ويرسم كلّ ذلك الرّسم؛ فلا بد له من أساس يرسم عليه، أو قاعدة صلبة يبني عليها، وإلاّ انهار بها في جرف، وذهب عناؤه سدى.

يشير: (الفرحان بوعزة) إلى أنّ الرّسم لا يكون على الرّمل، لأنّ الرّمل ما لايثبت فيه الشّكل، فما بالك بمن يرسم ظلاً، والظّلّ بطبعه التّغير والزّوال، فبين طول وقصر، لايدوم حاله، لذا فقوله تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً ﴾ الفرقان(45- 46).

وبما أنّ دوام الحال من المحال، فعليه لا محالة أنّ نفكّر في الظروف المتغيرة حينما نخطط؛ فالتّخطيط السليم يحتاج للتّأني والتّدبر، ومن ذلك الحفاظ على التقوى، لا "الغاية تبرر الوسيلة"، ”إن الدين ضروري للحكومة لا لخدمة الفضيلة ولكن لتمكين الحكومة من السيطرة على الناس”، "حبي لنفسي قبل حبي لبلادي" . فذلك مبدأ تبناه المفكر والسياسي الإيطالي: (نيكولو ماكيافيلي) خلال القرن السادس عشر، فعلينا إذن أن نحدد معيارا ومقياسا لكل ذلك، وهي الأخلاق، وحينها نبني ما نسعى له ونحلم به، كي نعيش في حياة أفضل، وبضابط أكمل.

دعني أتلو عليك قوله تعالى:

﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾

من خلال إبداعه السردي: (سقوط)، نصل إلى أّن كل ذات لم تبنِ بنيان ذاتها على التقوى، فإنّها لا محالة ساقطة، ولايزيّنها أي لباس جميل فاخر، فكل ذلك لايجعلها ذو شأن، بل قزما من الأقزام، وفقير الحال لاغني النفس، ويكون بيته الذي يسكنه بحجم ذاته الساكنة فيه، كما يقول الشاعر: (عبدالله البردوني) في ذمه للص الذي تسوّر بيت فقير لاشيء فيه، بل أشدُّ من مغارة، وبالرغم من سهولة سرقته كونه قصير البناء، غير شاهق، يسهل سرقته، فقد ذهب كيد اللص هباء: (كالطيف، جئت بلا خطى وبلا صدى، وبلا إشارة، أرأيت هذا البيت قزما، لا يكلفك المهارة؟ فأتيته، ترجو الغنائم، وهو أعرى من مغارة) (فالسارد) في النّص يقزَّم الشَّخصَ، الذي يسلك أيسر المسالك للغنى والثروة، وما أسهل بناء خيمة من الشوك، وما أيسر رسم الظل على الرمل. لذا ترى(الفرحان) يقلّل من أهمِّيَّة كل امرء يحذو تلك الشاكلة، ويصغَّره ويهوّن من شأنه؛ وذلك حينما يقيس طوله في مضمار الخير. قوله تعالى في (سورة المطففين): (خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)26).

ويحضرني قول الشاعر الجاهلي (السموأل): إِذا المَرءُ لَم يُدنَس مِنَ اللُؤمِ عِرضُهُ* فَكُلُّ رِداءٍ يَرتَديهِ جَميلُ، وَإِن هُوَ لَم يَحمِل عَلى النَفسِ ضَيمَها* فَلَيسَ إِلى حُسنِ الثَناءِ سَبيلُ. (إضاءة/ عباس العكري).


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عباس علي رضي العكري

معلم   / المنامة , البحرين


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق