أضيف في 28 يناير 2017 الساعة 12:29

رجال تحت التنمية


رشيد اليملولي

رجال خارج التنمية .

تترادف التنمية مع الثقافة و تتكاملان في صياغة الأنموذج القادر على تقديم القيمة و القوة بالمفهوم الدال و المنتج خارج القوالب المعدة سلفا ، و تتحول هذه القيمة إلى نبراس محفز للخلق و الإبداع ، في ارتباط وثيق مع الإنسية و المفهوم الخلاق للإنسان ؛ لأن النسق و السياق لا يهبطان من واد عبقر ، بقدر ما هو تكامل و تفاعل الإنسان بالمعنى العلمي مع سياقه ، في أفق تجاوز العوائق الكابحة و المانعة ، أملا في وضع أسس التنمية غير المسمومة ، أي التي تستبطن البناء المتكامل عوض التأويل المعوج من خلال استحضار التهديد أو المنافسة في أي فعل لا يحضر فيه " خاتم " السلطة ، و يتمثل التنمية في إمكاناتها المحدودة الداعمة للشرعية ، أو الساعية لإعادة بناءها ، و لا حاجة للتذكير بأن هذا الفهم يلغي المجتمع و الإنسان ، و يؤسس لنسيج اجتماعي و اقتصاد فردي مهووس سواء بالنفعية المباشرة ، أو الرهاب من الاختلاف .

إذن تترافق التنمية مع الثقافة و يحبلان بالإنسان بما هو قدرة و طاقة حضارية ، لا تركن إلى الأفهام المحدودة في التفاعل ، تجأر بمهمة أساس تكمن في تزويد الميراث الإنساني بمقومات و سبل الارتقاء و الفعالية ، و خلاف ذلك انتصار للجغرافيا و العرق و الدين و الدم ، بما هي مآوي للفشل ، و عود أبدي للموت و الحرب و الإقصاء و النفي ، و استحضار الأنا باعتبارها المصدر و المرجعية و السيادة العليا ، و الأنا الأعلى و كل معاني المركزية .

يسود اعتقاد راسخ في الأنظمة غير الإنسانية حتى لا نقول الاستبدادية أو الديكتاتورية ـ و هذا في تقديرنا أعمق و أكثر دلالة ـ بأن الزعيم و القائد و الشيخ ، أولى من الوطن و أسمى من الوطنية ، يعلو على الوطن بأناه ، يمرغ المجتمع في ساديته و شبقه ، يحاول جاهدا أن يلغي الزمن و كل أبجديات الحياة في سبيل زعامة موهومة ، يعتقد جازما أن " التاريخ " يسجل اسمه مسجى على قائمة العباقرة و العظماء ، صور الزعامة الموهومة لا زالت تطل علينا بكل جديد ، حيث ارتبطت مدينة سطات برجلها القوي ادريس البصري ، و أضحت بهوائها و دخانها و رجالها و نسائها رهن رغباته ، لدرجة شكل موته فاجعة لها و " لتنميتها " ، و انتقلت من اسم صار على كل لسان ، إلى أطلال للرثاء رمزيا و ماديا ، و نقصد هنا مفهوم المدينة الذي تهاوى و أفل مع أفول الشخص ، و كأن المدينة هي الشخص و هو المدينة ، و انتقلت الرياضة في مراكش إلى الحضيض بموت رجلها القوي " المديوري " ، و أصبح فريقها يعاني الأمرين من أجل موطئ قدم في قسم الصفوة ، وللغرابة تحولت مدن صغيرة قسرا إلى مجال مستقطب للمؤسسات و المعاهد في عهد فؤاد عالي الهمة ـ و هنا لا نصادر أحقية المدن في امتلاكها لرصيد من الاستثمار ، و لكن منبع استغرابنا و تساؤلنا يخص الفجائية في التحويل المجالي بؤرة الاهتمام و ارتباطها طردا بالشخص ـ ، و أصبحت مرتعا للاكتساح الانتخابي ، و كأن الفرد يملك عصا موسى في تحويل الاقتناع الانتخابي و الخريطة الاجتماعية إلى حق و ملك شخصي ، يغير بين عشية و ضحاها زوايا النظر و بالسرعة القياسية التي لا تعترف بقانون أو " منطق " في التحليل و الرؤية ، و بالقدر نفسه صيغت بركان على هوى رئيس جامعة كرة القدم ، و تحولت إلى رقم له قيمته في الساحة الوطنية ، و اتضح أننا بصدد إعادة إنتاج البنية الاجتماعية ذاتها ، فالإشكال القائم ليس في المدن و لا في مغربيتها و أحقيتها التنموية ، و لكنه إشكال يهم معنى و دلالة الارتباط بين الشخص أو الفرد و المدينة ، و حجم و قيمة البعد التنموي خارج المؤسسة و الثقافة ، و الغرابة أن هذا الارتباط يتغذى على أساسا على " براديغم " السلطة ، و ليس الشرعية الاجتماعية و المشروعية التنموية ، و هو ما قد يفسر ضحالة و هزالة المستوى التنموي ، الذي أضحى رهنا للعرقية و الفرد خارج التعاقد المؤسساتي و الفلسفة المؤطرة له ، و غارقا في أتون فهم بناء العلاقات الزبونية و النسيج الداعم لها عبر تقوية الشبكة المتعلقة به، و الولاءات الصورية التي تنبني على الاستعباد و الاسترزاق ، رغبة في بناء امتداد موهوم تغذيه السلطة بمعناها السلبي ، و لا تنعشه التنمية و لا تحاسبه المؤسسات و المجتمع .

المفارقة ليست في الاحتمالات و الهوامش التي قد تؤدي إلى التنمية في مثل هذه الوضعية ، و لكن العمق و الثقافة المراد غرسها في البنية الذهنية و التمثلات الاجتماعية ، باعتبار السلطة مصدر القيم التنموية الوحيد ، و الاقتراب منها هو السبيل الأوحد لإمكان بناء رجال التنمية ، فلم نسمع يوما عن فكيك الجابري و أزمور العروي و زرهون المهدي المنجرة ، و مجال الخطيبي و الديالمي ، بشكل يجعل الانتصار للمجال و الجغرافيا بتحريض من السلطة هو سعي حثيث نحو إشاعة الأسماء و تدويلها خارج أي منطلق أو هاجس تنموي أو إنسي .

إن المرجح في هذا البراديغم التنموي ، ليس الأشخاص و الأسماء و الأماكن ، و إنما الأثر المتعلق بالفعل و الخلفية السياسية الساعية إلى تكريسه ، لدرجة أن الويلات التي لحقت الحضارة الإنسانية في شقها الإسلامي ، هي تقوية النفوذ و استطالة امتداده ، في مقابل تفقير إلى درجة تحقير صيغ القيمة و الإضافة التنموية ببعدها الشمولي ؛ فالقاضي أبو يوسف و الماوردي دافعا عن الخلافة العباسية من جانب الأحقية " في البيت " و ليس في القيم المتعلقة بالاستخلاف و التعمير و العدل و الفضيلة ، و الغزالي أطنب و أرغد و أزبد في الدفاع عن نظام الملك السلجوقي ، في وقت ذاعت أسماء في حضارات أخرى باسم كتبها و القيم التي سعت إلى نشرها ، و إن لم تسلم من المسوح الشخصية و تأبيد السلطة ، و يتعلق الأمر بميثاق طوماس هوبز و عقد روسو و عدالة راولز و الإنسان الأقوى مع نيتشه .

قد يبدو أن السلطة بمعنى التسلط ، تكتسب تلك الخاصية المعرقلة للتنمية ، إذ إن ضرورتها تتفوق على سلبياتها ، من منطلق احتكارها لمبدأ العنف المشروع و الردع الأخلاقي و التنظيمي ، غير أن وجه القلق لا يخص السلطة كسلطة ، و إنما يهم الامتدادات المتعلقة بمعنى امتلاك معناها الحقيقي الذي تحول إلى الشخصنة ، التي تزول و تنهار بزوال مصدرها أو صاحبها ، و حصر قيمتها و قيمها في الشخص عوض المؤسسة ، و في الفرد خارج الثقافة ؛ فلا يعقل أن تكتسب الشخصيات القريبة من السلطة كل الامتيازات الكفيلة بالتحرك و المناورة ، في سبيل دحض الرأي المخالف و ليس في إبداع سبل وطرق التنمية البديلة ، كما لا يفهم امتلاك حق تأويل المرجعية السياسية أو الثقافية أو الدينية ، و عدها المصدر الوحيد للحقيقة ، و هذا الإقبار المطرد للاختلاف لا يولد السلطة بمعناها الفج ، و لكنه يعجل بتناقض و أفول المنطق السياسي و الثقافي الذي يحكمها ، فقد أصبح الحديث عن الشخص في المفهوم الحضاري المعاصر ، متجاوزا في ظل تنامي الثقافة التنموية و الصراع العلمي و الثقافي و الفني و التقني ، و الترسانة القيمية المرتبطة بها ، و إن ساد منطق الفوضى الخلاقة حياتنا المعاصرة.

لم تستطع منهجية الرجال ـ أو منا أمير و منكم أمير بتعبير أنصار سقيفة بني ساعدة ـ ، أولى من التنمية أن تثبت ذاتها انطلاقا من قدرتها و بعيدا عن زواجها الأرثودكسي بالسلطة ، بقدر ما أنتجت نظام قيم يهفو بناء الوهم الخادع بشتى الوسائل و الطرق ، و إنتاج الطاعة المجالية و تقديم البيعة الشكلية ورموز الولاء الهش ، و تكنيز الفقر التنموي و إشاعة سبل تقويته .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق