أضيف في 27 يناير 2017 الساعة 23:01

المغرور


المصطفى سالمي

يمد (فتُّوح) رجليه على كرسي مقهى "الأصدقاء"، ثم يبدأ بتدبيج الكلمات الرنانة التي يسميها أشعارا، ويتركه أصدقاؤه ـ في هذا الركن من المقهى الذي سموه: "الصالون الأدبي" ـ يتشدق بكلمات قصيدته الجديدة التي سمّاها (السحابة/ الذبابة):

( طيري أيتها السحابة..!

وحطي على وجهي كالذبابة

طيري وامسحي الكآبة

فلونك كنغم الربابة...)

وما يكاد (فتوح) ينتهي من آخر عبارة مما يسميها (قصيدة) حتى يطلقون العنان لكلمات الإعجاب البالغ بالشاعر البليغ، والأديب الفطحل الذي لم يجد الزمان ولا المكان بمثله، فهم يعرفون أن عبارات الثناء هذه سيكون مقابلها أن (فتوحا) سيدفع واجب مشروباتهم، وذلك بعد أن تنتفخ أوداجه، وتكبر نفسه في عينيه، ويبدأ يرى ذاته محلقا في سماء الشعر والأدب متجاورا مع المتنبي وأبي العلاء المعري.. وأما أثناء حوارات (فتّوح) مع أصدقائه بعد قراءة (القصيدة) فإنه يؤكد لهم أنها مليئة بالرموز الدالة التي ستجعل النقاد يحتارون في تأويلها، ثم يبشر أصدقاءه وقد تهلل وجهه بأنه سينشر هذه (القصيدة) على صفحته في شبكات التواصل الاجتماعي، ويعيد تذكيرهم ـ في كل مرة ـ بأن مجرد كتابة اسمه على محرك البحث (غوغل) سيجعلهم يكتشفون مساهماته الشعرية وإبداعاته العظيمة التي جابت العالم الأزرق طولا وعرضا، ثم يزهو كطاووس انتفخ ريشه الملون حين يردد أحدهم ـ على مسامع المحيطين به وسط سحابة دخان المدخنين ـ بأنهم يتشرفون بحضوره وسطهم، ويرد (فتوح) على صديقه (مِلقاط) بوجوب فتحه صفحة على شبكة "الفيسبوك"، فمَن لا حساب له على هذا العالم الافتراضي هو في حكم النكرة، ويهز (ملقاط) رأسه أنه سيفعل بنصيحة (فتوح) ولن يبخل عليه بعبارات الإعجاب..

يعود صاحبنا لبيته، ويشرع في كتابة قصيدته العصماء عن السحابة التي تشبه أو تتحول إلى ذبابة، ثم ينشرها على صفحته على (الفيسبوك)، وأثناء ذلك يبدأ بتوزيع عبارات الإعجاب ـ بكرم حاتمي ـ على كل منشور من منشورات أصدقائه في هذا العالم الوهمي، وكأنما يدفعهم دفعا لردّ الجميل كي يبصموا هم كذلك ببصمة الإعجاب على سحابته/ الذبابة، والحقيقة أن "فتوحا" كان لا يجيد إلا تنميق الكلمات ورصها، وكل مرة حين يطالبه أصدقاؤه بتأويل معانيها، كان يقدم لهم تأويلا مختلفا عمّا سبق أن ذكره، فقد سألوه بعد ذلك عن (سحابته) فقال لهم إنها أحلامه، وإن الذبابة هي الكابوس الذي انتهى إليه الحلم الجميل، وقال بعد ذلك إن السحابة هي بشائر الخير والذبابة هي الشرور، وأخرى اعتبر أن السحب هي حمامات السلام، والذباب غربان الحروب ونذير الشؤم... وهكذا كان كل مرة يقدم معنى ودلالة وتفسيرا، وحين يُسأل عن الأوزان والتفعيلات يقول للسائلين إنه يكتب شعرا حرا متحررا من كل القيود، وأما إن سئل عن مدرسته أو تياره الشعري الذي ينتمي إليه، فإنه يجيبهم بأنه وحده يمثل مدرسة للشعر والأدب، مع أنه لم يسبق له أن نشر ولو ديوانا شعريا واحدا، فقط تلقى دعوة يتيمة لمواهب مدينته الصغيرة، وقرأ قصيدته اليتيمة التي صدع بها رؤوس الناس، ولكنه وللأمانة كتب أيضا محاولات زجلية بالعامية، وأقام لنفسه بعد ذلك تمثالا ـ من الشمع ـ بجوار طائفة الشعراء والبلغاء.

تمر الأيام والسنون، وينفض أصدقاء ما يسمى بالصالون الأدبي من حول صاحبنا، فقد ظهر أكثر من (فتّوح) في مدينتهم المتآكلة، واعتبر شاعرنا (المفوّه) أن ذلك راجع للحقد والحسد والتكالب على العبقرية الفذة، ولكن الذي لم يعلمه صاحبنا هو أن جماعته وجدوا في غفلة عنه تأويلات قصيدته العصماء، أو بالأحرى عثر (مِلقاط) على الدلالات التائهة، فالذبابة هي (فتوح) الذي كان يدفع باستمرار واجبات الشاي والقهوة ومختلف المشروبات، و"السحابة" هي أدخنة التبغ المحلقة في فضاء مقهى "الأصدقاء"، و"الكآبة" هي مصير كل شخص تعاظمت نفسه في عينيه، ذلك أن الذباب حين يسمع طنين جناحيه، يوهمه ذلك بأنه كائن يطير فوق السحاب!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق